متسولون في بلاد النفط!

Submitted on Wed, 03/27/2019 - 17:27

رعد أطياف

لم يعد بالإمكان وضع أي ظاهرة في العراق في إطارٍ معقول؛ السلطة السياسية تدار بالمصادفة، المؤسسة العسكرية ينخرها الفساد والولاءات الحزبية والطائفية، القضاء يُدار من قبل النافذين في السلطة السياسية، والمؤسسة التعليمية، في أفضل حالاتها، ليست سوى مطبعة كبرى للشهادات، أمّا الاقتصاد، فلا يعلم أحٌد كيف يُدار إلّا الله والراسخون في العلم؛ فالاقتصاد في ضمير الفاسدين أن تسرق أكثر، وإن فرغ البلد من ثرواته بالتدريج، ولم يعد خافيًا أن الفساد واللصوصية أضحت ثقافة متداولة في أوساط المجتمع العراقي. تشكّل هذه التداعيات الخطيرة بنيةً متماسكة لانحدار البلد على الصعيدين السياسي والاجتماعي، وأفرزت لنا أمراضًا خطيرة ستؤدي مستقبلًا إلى كوارث اجتماعية مروّعة. وفي الحقيقة، أن آخر هموم جماعة الخضراء التفكير في ما يحدث، وبإيجاز، إن الفساد يشكّل الهوية الكبرى للقوى السياسية في العراق.

من أبرز الكوارث الظاهرة للعيان في المجتمع العراقي، هي ظاهرة التسوّل المُشينة؛ إذ ينتشر المتسولون في أغلب شوارع بغداد العامّة، ويتوزعون في الأزقّة والمقاهي، ومواقف المركبات، أمّا المعاقون فيتوسطون الشوارع العامّة رافعين أيديهم إلى الناس، ومنهم من حجز له مقعدًا مريحًا وأمينًا قرب أحد نقاط التفتيش العسكرية التي تتوزع في شوارع العاصمة. إذ يحار المرء، ماذا يعني أن يتوسّط أحد المتسولين الشارع العام قرب نقطة عسكرية أمام مرأى ومسمع قادة البلاد الأمنيين؟. هل يعني هذا أن التسوّل أضحى مهنة "شريفة" تلاقي تشجيعًا من ذوي الشأن، أم أنه نوع من "البر" الذي تجود به الحكومة على فقرائها؟.

وفي الجعبة أكثر من ذلك: في الآونة الأخيرة انتشرت ظاهرة الأطفال المتسولين بشكل مخيف، حتّى الآن لا أحدَ يعرف من أين يأتي هؤلاء الأطفال، ومن هي العوائل التي ينتمون إليها والمناطق التي يسكنون فيها، وتجدهم في كل شوارع بغداد كيف يتشبثّون في نوافذ المركبات يتوسلون أصحابها ليجودوا عليهم ببعض العطاء، أو يتقافزون في قرب إشارات وقوف المركبات ليمسحوا النوافذ الأمامية للمركبات. والأغرب من ذلك كلّه ظاهرة ازدياد الفتيات اللاتي لا يتردّدنَ من فعل أي شيء لقاء الحصول على بعض العطاء، فالاغتصاب، على سبيل المثال، آخر ما يفكّرنَ به وبتداعياته المؤلمة، فهل هنالك اغتصاب أكثر بشاعة من فتاة بعمر الورد تتوسل أحد سائقي الأجرة أن يكرمها بأي شيء مقابل أي شيء؟!. بالطبع أنا لا أمزح هنا، ما يحدث ليس في بلد من البلدان الفقيرة المعتادة على هذه الظواهر، ما يحدث في العراق، البلد الذي ينام على بحر من النفط والموارد الطبيعية.

لقد تغيّرت مهنة التسول اليوم، ولم تعد تلاوة القرآن، والتوسل من خلال مكبرات الصوت الصغيرة التي كان يتقنها متسولو أيام زمان في الأزقّة الشعبية، ولم تعد عبارة "من مال الله" تدرّ الكثير من الأرباح. ثمّة طرق وحيل جديدة، وقد اختلط الغث بالسمين، وما من طريقة "ذكية" إلّا وقد جرّبها المتسولون.

في المراكز التجارية المزدحمة يكثر المتسولون هناك، ويندر أن تجد متسولًا غريبًا بين أبناء "مهنته"، بل أكثر من ذلك؛ إنّهم جماعات مترابطة يجتمعون لتقاسم "الدخل اليومي" بإشراف أحد "كبرائهم"، وقد كنتُ شاهد عيان على إحدى القصص التراجيدية في زمن النظام السابق، وكانت هذه المرّة قرب أحد الأضرحة الشيعية المقدسة، وهو ضريح الأمام موسى بن جعفر الكاظم.

كان صديقي يفتّش عن ابنه المفقود، فقد جاءته معلومة تؤكد له أن ابنه سيظهر قرب الضريح، وذهبنا سويةً على إثر هذه المعلومة، وكان برفقتنا أحد الأصدقاء، الذي كان موظفًا أمنيًا يومذاك، وطلب منّا أن نتعامل بسريّة حول هذا الأمر خشية معرفة الأجهزة الأمنية لما يحدث، فقد أردنا أن نصل إلى المعلومة قبل رجال الأمن. وبالفعل استجبنا لمطلبه وتعاملنا بحكمة ودون ضجيج. بدأنا نراقب لأكثر من ساعتين، وبعدها ظهر الطفل وهو يتسوّل، ذهب أحدنا إليه وأخذه إلى مكان آمن، وقد بدت عليه علامات الخوف كما لو أن هناك من يراقبه، بعدها أخبرنا أن هناك من يوزعهم في نقاط معينة لغرض التسول، ثمّ يأتي لاحقًا ليأخذهم إلى أماكنهم المخصّصة.  أخبرناه أن لا يرتعب، وما عليه سوى الإشارة إلينا عن هذا الشخص عند قدومه، وسنقوم بتتبعه والإمساك به. وبالفعل قمتُ شخصيًا بهذا الدور، وبعد ساعات من الانتظار ظهر "كبيرهم"، تتبعتُ خطواته وهو يدخل في أزقة السوق الشعبي إلى أن دخل في أحد الغرف المهجورة، انقضضتُ عليه بسرعة ، فصرخ مذعورًا "ماذا تريدون منّي". كان رجلًا في بدايات الخمسينيات، والغريب في الأمر أنه بدأ بالنحيب بسرعة، كما لو أنه معتاد على هذه الدور، بعد تحقيق مستفيض عن هذه المجاميع، كان جوابه الأخير، الذي ظل مطبوعًا في ذاكرتي"الموضوع أكبر من جهودكم بكثير، فهذه الجماعات لها امتدادات في معظم مناطق العراق".

ما يدعو للحيرة هو السكوت المطبق من قبل الجهات المعنية على هذه الظاهرة المشينة في بلدٍ يعوم على بحيرةٍ من النفط. والأغرب من ذلك، أن غالبية المتسولين اتخذوا التسول كمهنة. أي جهةٍ نناشد؟ عن نفسي لا أعرف الجواب، لكن ما أعرفه بشكل لا لبس فيه، هو أن العراق يحترق بنفطه ولصوصه وإقطاعياته السياسية، وسنبقى مُعَلّقين على مذبح المعاناة إلى أجلٍ غير معلوم.

عراق أولترا