نادي القمار الكبير

Submitted on Mon, 04/01/2019 - 20:27

رعد أطياف

تتحوّل "حقوق الإنسان" إلى وسيلة ابتزاز في السياسية الأمريكية، و"بروباغاندا" تجاه الخصوم، وماعدا ذلك ستكون المذابح والإبادات الجماعية مصادقًا عليها من قبل البيت الأبيض، حتى لو تمت إبادة شعبٍ بأكمله مثل الشعب اليمني الذي أحالته السعودية إلى حطام وقتلت وشرّدت آلاف المواطنين والأطفال، وأحالت البنية التحتية فيه إلى خراب. 

 

تبتز الولايات المتحدة الخصوم بـ "حقوق الإنسان" فيما تصادق على المذابح، حتى لو تم إبادة شعبٍ بأكمله مثل الشعب اليمني الذي أحالته السعودية إلى حطام وقتلت وشرّدت آلاف المواطنين والأطفال

كل هذا كان يجري بهدوٍء وبدٍم بارٍد من قبل الولايات المتحدة وأصدقائها الأوربيين، ممن مولوا السعودية بأحدث الأسلحة الفتّاكة ليصدّقوا على كل المذابح التي قامت بها السعودية على الشعب اليمني المظلوم. بالتأكيد حينما استوفت هذه الحرب الإبادية شروطها ندد "المجتمع الدولي" والصحافة "الحرّة" بهذه الحرب غير المتكافئة، واكتشفت الحكومات الأوربية أنها حرب "لا أخلاقية".

بالطبع إن الحرب الغاشمة على الشعب اليمني آخر هموم ترامب والبيت الأبيض، فالعالم في ضمير الإمبراطورية الأمريكية نادٍ كبيرٍ للقمار. في نادي القمار هذا، يمكن لمشيخة صغيرة، مثل الإمارات، لا يتجاوز عدد سكانها المليون، أن تصدّق نفسها كـ "لاعب أقليمي"، وتبحث عن مناطقَ نفوذ في الشرق الأوسط وتساهم في تدمير الشعب اليمني عن طريق المرتزقة والمأجورين من كل أنحاء العالم. 

لكن هذا لا يهم؛ فمليشيات واشنطن الإرهابية حاضرة في أي وقت لمن يدفع أكثر، إذ يمكن أن تتحول طالبان إلى قوّة مجاهدة ضد" الإلحاد" السوفيتي، ومن ثمّ تتحول، فيما بعد، إلى قوّة إرهابية؛ فقد انتهى زمن السيولة المالية التي كانت تغدقها السعودية بحفاوة بالغة لهذه الجماعات، لتتحول طالبان، إثر أحداث 11 سبتمبر، إلى شيطان رجيم. لكن عادت الولايات المتحدة مرّة أخرى، لفتح المحادثات مع طالبان.

يذكر الكاتب أسامة عمارة، أن أرشيف الأمن القومي والمركز الوطني لرفع السرية، أظهر مجموعة من البرقيات التي تؤكد ضلوع الولايات المتحدة في المذبحة التي جرت في الأرخبيل الإندونيسي، والتي راح ضحيتها مليون قتيل من الحزب الشيوعي الأندونيسي، تذكر البرقيات "في الوقت الذي أظهرت فيه الوثائق التي رفعت عنها السرية مؤخرًا فداحة جرائم القتل الجماعي التي اُرتكبت في إندونيسيا عام 1965، وأكدت أيضًا أن السلطات الأمريكية كانت تدعم جرائم سوهارتو..". وتبيّن الوثائق، كما يذكر عمارة، أن المسؤولين الأمريكيين كانوا يعرفون إن معظم الضحايا كانوا بريئين تمامًا.

وعلى أثر الحرب الباردة، إذ كان من أهمها وقف انتشار الشيوعية، اعتبرت جرائم سوهارتو "انتصارًا كبيرًا". ويتضح في الأرشيف إن بعض العناصر داخل الحكومة الأمريكية تحاول الإطاحة بسوكارنو المناهض للاستعمار، وفي عام1958، دعمت وكالة المخابرات المركزية التمرد الإقليمي المسلح ضد الحكومة المركزية، وألغت العمليات بعد إلقاء القبض على الطيار الأمريكي ألين بوب خلال قيامه بعمليات قصف قتلت الجنود والمدنيين الإندونيسيين.

الحروب الأمريكية القذرة وتداعياتها المستقبلية معلومة للمتتبع؛ فقد شهدت حقبة ريغان عملية قذرة للغاية، إذ كانت السعودية تتذمّر من التمويل الهائل لجماعة طالبان إبّان الغزو الروسي لأفغانستان، فقد ظل الأمريكيون يتملّصون من المشاركة في الدفع لتمويل عملياتهم الإرهابية في أفغانستان. يذكر الكاتب جعفر البكلي، إن ألكسندردو ميرانش رئيس جهاز مكافحة التجسس الخارجي (المخابرات الفرنسية) "نَصَحَ" ريغان "أنه بإمكانه أن يستفيد من شحنات المخدرات الهائلة التي يصادرها كل من مكتب التحقيقات الفيدرالي وهيئة الجمارك، لأجل تمويل حصة الولايات المتحدة في صندوق الجهاد. وإنّ تلك الشحنات المصادرة من المخدرات ربما تثمّن بمليارات الدولارات في السوق السوداء، وبدلاً من إتلافها - كما ينص القانون الأميركي - يستحسن إعادة بيعها والاستفادة بثمنها في العمليات السرية للإدارة، من دون المرور بالكونغرس وبلجانه البيروقراطية.

ولعل «سي آي إيه» تستفيد من المخدرات بطريقة أخرى إذا استطاعت توصيلها إلى الجنود السوفيات "ليستهلكوها!". وبهذه الطريقة موّلت الـسي آي إيه حربها القذرة في أفغانستان، وأضحت زراعة الأفيون تجارة مربحة للأفغان المؤمنين!، وباتت المليشيات تتقاسم النفوذ فيما بينها، وكان المردود المالي لهذه التجارة، يقول البكلي، يقارب ستة مليارات دولار، وقد اضطر بعض ضباط مكافحة المخدرات التابعة للأمم المتحدة في بيشاور إلى الاستقالة من وظائفهم نظرًا للعراقيل التي كان يصنعها رجال الاستخبارات الأمريكية.. وهكذا تنتشر المخدرات في أفغانستان كالنار في الهشيم على يد الأمريكان الذي لا يهمهم لو احترق العالم، ما يهم هو "الأمن القومي" وهذا الأخير يعني العالم كلّه!.

في هذا النادي الكبير، لا توجد مشكلة في الماضي؛ فكل حدث بفعل التقادم يغدو" طبيعيًا" ومقبولّا، ولا يعذّب ضمير الناشطين في حقوق الإنسان، ففي هذا المنطق " الإنساني، نحن أبناء اليوم. يمكن لمسؤول كبير في البيت الأبيض أن يستهين بآلاف الضحايا، ليعود مرّة أخرى، بعد سنين، ليعتذر عن هذه الفعلة "اللاأخلاقية".  قالت وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت في إحدى حواراتها الصحفية حول ضحايا أطفال العراق نتيجة الحصار الاقتصادي "أرى أن خيار قتل الأطفال خيار صعب للغاية، لكننا نعتقد أن النتيجة المرجوة تستحق هذا الثمن وتجعله مرضيًا. وحين نبهتها الصحفية. قائلة لها: لاحظي إن هذا الرقم أكبر من الذين قتلوا في هيروشيما. قالت أولبرايت: انه يستأهل". ثم تعود في 2016، لتقول "إن تصريحي بخصوص قتل أطفال العراق كان غبيًا وأعتذر منه".

 

لا يمكن توثيق جرائم الولايات المتحدة في مقالة واحدة، لكن  الغاية المرجوّة من هذه المحاولات هي استذكار، وإرجاع أبناء جلدتنا إلى رشدهم، وتذكيرهم بأنهم، في ضمير المهيمن الغربي، ليسوا سوى أرقام تنتظر الموت بحسب إرادة شركات السلاح واللوبي الصهيوني

توثيق جرائم الولايات المتحدة أمر لا يمكن لمقالة واحدة استيفائه، فالغاية المرجوّة من هذه المحاولات هي استذكار، وإرجاع أبناء جلدتنا إلى رشدهم، وتذكيرهم بأنهم، في ضمير المهيمن الغربي، ليسوا سوى أرقام تنتظر الموت بحسب إرادة شركات السلاح واللوبي الصهيوني، الذي يهلل له بعض الناشطين في بلادنا، فما يسمّى بـ "الضمير العالمي" فقاعة كبيرة، فقد رأينا هذا "الضمير" وخبرناه في حرب الخليج، والحصار الاقتصادي، وغزو العراق وسوريا وليبيا، وتدمير اليمن. وقد رأيناه في "صفقة القرن" والجولان حاليًا، فعلينا أن نتصرّف طبقًا للواقع الذي يرسل لنا آلاف الإشارات، من أننا أدوات رخيصة تقامر بنا الأنظمة العالمية بمساعدة الأنظمة العربية المتهالكة.

عراق ألترا