حول نقد الخطاب الديني : فهم الواقع أولاً

Submitted on Sun, 05/26/2019 - 19:49

رعد أطياف

يتفق الكثير على فكرة تفعيل نقد الخطاب الديني كونه يشكّل عائقاً كبيراً في وجه الحداثة . وبكلمة واحدة: أنه الجذر الرئيس لتخلفنا الاقتصادي والسياسي والاجتماعي ! . وهذه الخطوة الحالمة لا تخلو من أمل خلاصي من قبيل " العَلمانية هي الحل ".

ويظهرمن هذا الرهان استعجال واضح بطبيعة الواقع وكيفية تغييره . فمن هذه الناحية ماعلينا سوى نقد الخطاب الديني لكي تٌفتح بوابة الحداثة على مصراعيها . سنرمي كل الصراعات التي حدثت وتحدث في الشرق الأوسط على عاتق الخطاب الديني أو تطييب النفس بنقد " الإسلام السياسي" كمادة دسمة للتعمية على أسباب تخلفنا الأخرى.

ولا نركز على دور العوامل المشتركة التي تشكل دوراً رئيسياً وحاسماً في تخلفنا ،إذ يكفي التركيز على التنظير المجرّد لنقد الخطاب الديني وسنعرف لاحقاً أزمتنا الكبرى . أن الخطاب النظري – على أهميته – لايغير من الظروف الاجتماعية التي أنجبته وساهمت في تأصيله في وعي الجماعات الدينية إلّا تغييرات طفيفة على مستوى الأفراد والذين يسهمون بشكل وبآخر في نقد الخطاب الديني .

بكلمة أخرى : إن الدين وما يفرزه من خطابات متباينة يتمركز في مؤسسة ضخمة ، أفرزت ظروف اجتماعية وسلوكيات متأصلة لايمكن للتنظير المجرّد تغييرها إلّا بمؤسسات مدنية توازي ضخامة المؤسسة الدينية من جهة ، وظهور حركات إصلاحية من داخل المؤسسة الدينية من جهة أخرى .

فمن هذه الناحية يبدو كما لو إننا نعالج قضايانا من فوق. وبدلاً من الانشغال في ترسيخ ثقافة المواطنة، وإشاعة ثقافة الدولة ( لأنها البديل العملي العظيم لنقد الخطاب الديني !! ) ، ولا نكتفي بنقد الخطاب الديني على الورق لأنها حسنة تنويرية مباركة! ، ذلك إن عوامل التغيير لا تنحصر ببعد واحد وإنما تتضافر الكثير من العوامل لتشكّل ظاهرة معينة ، فمن التسرّع الرهان على بعد واحد بالتغيير ، مثلما أن عوامل تخلفنا لا يمكن حصرها بعامل واحد .

لايمكن جعل الماء وحده عنصراً حاسماً بإنضاج الشجرة؛ فعوامل التربة والضوء تشكّل بنية متكاملة لهذه العلاقات التي أنشئت ظاهرة الشجرة . كذلك عوامل التغيير الاجتماعي لا يمكن التعويل على عامل واحد كرهان رابح.

ولكي لا يبقى الكلام في دائرة التجريد يمكننا تقريب استحالة الرهان على البعد الواحد فهناك عوامل مهمة ومتشابكة في عملية التغيير: بعد انهيار الدولة العراقية ، انتشرت الهويات الفرعية بشكل مخيف ، وتفشّت ظاهرة مايطلق عليها ( دولة داخل دولة ) ، لأنها وجدت المناخ الملائم لظهورها وهو غياب الدولة . فلنتصور لو اقتصر رفضنا على الخطاب النظري فقط، كم عقد نحتاج لاحتواء هذه الجماعات ؟! . لذا ، ينبغي التركيز على بناء الدولة التي ستختزل الكثير من هذه الفضاعات من خلال احتكارها للعنف وسن القانون ونشر الديمقراطية والحرية التي تكون مصحوبة بعملية تنموية ضخمة ، والتأكيد على المواطنة كبديل شامل لجميع الهويات الفرعية . ومن ثم سيكون نقد الخطاب الديني مصحوباً بحلول عملية، لا أن يكتفي بالرسم على الرمال.

وعلى ذكر العوامل المشتركة يستحسن أن ندرس عوامل تخلفنا المشتركة بموضوعية، لكي نفهم السر المستتر وراء هذه الفجائع. يمكنني أن اشارك بشكل متواضع كمحاولة للفهم وأجيب عن أسباب التخلّف ، ويمكنني حصرها بثلاث نقاط : سلطة العشيرة ، سلطة الفقيه ، سلطة الاستعمار .ترتبط هذه العناصر الثلاث بعلاقات وثيقة لتشكّل بنية عميقة تنخر في وضعنا البائس والمتردي . وعادةً ما يستهوي بعض المثقفين النقطة الثانية ( سلطة الفقيه)، وهم على حق إجمالا إن كانت دعوة التخصص هي من تحركهم وليست تلك الدعاوى القطعية التي تحصر تخلفنا بالدين.

وعلى فكرة سلطة الفقيه غير سلطة الدين كما هو واضح فالفارق كبير بينهما ، ذلك إن الفقيه يلعب دوراً محورياً في صوغ المفاهيم ويحيلها إلى كتل صمّاء لايمكن التلاعب بها ، فمن هنا يحتدم الصراع بين المجددين والإصلاحيين ، وشخصياً أعوّل على الإصلاحيين من داخل المؤسسة فهم أبلغ تأثيراً من غيرهم .

وعلى كل حال ، أرى هذه العناصر الثلاث مادة تحليلية مهمة إذا ماشرعنا بفهم الواقع ، والتعّمد والتغافل على نقطة دون أخرى يشكّل نقصاً فادحا باستخلاص النتائج .

مؤكد أن هذه العناصر تمشي جنباً إلى جنب في منطقة وتضعف إحد عناصرها في منطقة أخرى ، مثلما نرى دور العشيرة يلعب دوراً محورياً في العراق ومشايخ الخليج العربي ، ويخفت في بلدان أخرى . إذن هذه محاولة متواضعة لفهم أسباب تخلفنا وكجواب ضمني لمعظم الدعوات التي تتحمس بطريقة كفاحية لحصر التخلف بالدين ،ومن جانب آخر إسهام متواضع جداً لإثارة أسئلة إشكالية تتعلق بوضعنا البائس ، ووضع العناصر الثلاث كمادة تحليلية ونرى مدى مصداقيتها لفهم الواقع.