حوار/ليور هاليفي: محاكمات بدائع التجديد: الإصلاح العالمي والمادي للإسلام في عصر رشيد رضا

سنة واحدة 3 أشهر ago

ليور هارفي

جدلية: ما الذي دفعك إلى تأليف هذا الكتاب؟

ليور هاليفي: بدأ كتاب ”محاكمات بدائع التجديد“ كمشروع جانبي، كانعطاف سريع عن الطريق الذي كنت أسلكه كمؤرخ متخصص في إسلام العصور الوسطى. وهو تاريخ حديث كما يوحي العنوان، يتناول الأشياء المادية والمحاكمات القانونية. وحين بدأ الانعطاف، منذ اثني عشر عاماً، كنتُ متخصصاً في العصور الوسطى بشكل كامل. واقتصر بحثي في ذلك الوقت على الفتاوى القروسطية المتعلقة بالتجارة الخارجية، وركزتُ على السلع المستوردة التي أدت إلى نشوء المعضلات اللاهوتية، مثل الورق الأوربي الموسوم بعلامات مائية مسيحية. وبدافع من الفضول، بدأت أقرأ بضع فتاوى حديثة حول الأشياء ”الغربية“. عدتُ أولاً إلى فتاوى عن تسجيلات الحاكي (الفونوغراف) ومحارم المرحاض نشرتْها مجلة كانت تجهد كي تعبر عن روح التنوير الإسلامي وتقود حركة الإصلاح الإسلامي وهي مجلة ”المنار“ لرشيد رضا. وما اكتشفته هناك تحدى كثيراً من المفاهيم الأساسية التي كنت أمتلكها عن الإصلاح الإسلامي في أواخر الفترة الإمبريالية.  ولقد أدهشتني وأربكتني ثلاثة اكتشافات، وحفزتني كي أكتب تاريخاً جديداً للإسلام في الحداثة. أولاً، رغم أن هذه الفتاوى قيَّمتْ الاختراعات الأوربية إلا أنها نادراً ما أشارت إلى أوربا. وسواء كانوا مستهلكين أو منتقدين للاستهلاك، أراد ناشدو الفتوى، الذين لجأوا إلى رضا من أجل المشورة الدينية والقانونية، أن يعرفوا كيف يستخدمون المنتجات الجديدة دون أن يخالفوا الشريعة الإسلامية المقدسة. كان هذا خطاباً عن المنفعة والشرعية الدينية للابتكارات التكنولوجية الحديثة التي كانت تنتشر آنذاك في المجتمعات الإسلامية، ولم يكن خطاباً عن الابتكار والهيمنة الغربية. وحيت تفحّصْتُ هذه المسألة أدركتُ أن المقاربات الجيوبوليتيكتة المتمركزة غربياً، والتي بالغت في إظهار أهمية ”الغرب“ في الفكر الإسلامي، شوهت تاريخ الإسلام الحديث بشكل كبير.

ثانياً، نشأتُ وأنا أفكر بالشرق الأوسط كمنطقة تاريخية وتدربتُ كطالب متخرج في مركز جامعة هارفرد لدراسات الشرق الأوسط كي أعتبر الشرق الأوسط ميداناً لدراستي. لكن حين بدأتُ أنتبه إلى خلفية ناشدي فتوى مجلة ”المنار“ اكتشفتُ أنهم كانوا من جميع أنحاء العالم وواجهوا غالباً المآزق نفسها وطرحوا الأسئلة نفسها. وفي الحقيقة، تراسل رضا معهم راداً على استفسارات من البرازيل وروسيا والهند والصين وبلدان أخرى كثيرة. فضلاً عن ذلك، وبسبب التجارة عبْر الإمبراطوريات والعولمة الاقتصادية، واجهتْ هذه الاستفسارات الكثير من التحديات المادية والتكنولوجية نفسها. وجعلني هذا أدرك أنه يجب أن يُعاد النظر في قصة الإصلاح الإسلامي في تلك الفترة ويجب أن يُعاد تأليفها ليس كتاريخ محلي بل كتاريخ عالمي.

ثالثاً، علمني المؤرخون الفكريون والقانونيون من خلال كتبهم ومقالاتهم التفكير بالشريعة الإسلامية والإصلاح الإسلامي بطرق نظرية رفيعة.  فقد تعلمت، كما يتعلم أي شخص آخر في حقل اختصاصي، أن رشيد رضا أسهم في سلسلة الأفكار العظيمة التي ربطت المصلحين المسلمين عبر الأجيال من خلال تطوير الفلسفة النفعية الإسلامية التي ورثها عن سلفه محمد عبده. لكنني اكتشفت حينها أن أحكام رضا غير مستمدة من أفكار مصلحي الماضي، بل كانت ردوداً، وغالباً ذات طبيعة طارئة، على الاهتمامات النقدية والملحة لمعاصري رضا. وكان أولئك المعاصرون مشاركين في المجادلات المحلية التي شملت أشخاصاً علمانيين وكذلك فقهاء دينيين وتركز ذلك على أشياء مثل أقراص اللك والعملة الورقية، وليس على مذهب المنفعة الديني. وحين فكرت بالأمر، أدركت أن تاريخ الأفكار الإسلامية الإصلاحية كان بحاجة إلى أن يأخذ بعين الاعتبار تأثير الأشخاص العلمانيين، وكذلك ناشدي الفتوى، ودور الضغوط المادية والبدائع التكنولوجية.

جدلية: أية مواضيع ومسائل وأدبيات معينة يعالج كتابك؟

ليور هاليفي: تتعلق الفتاوى التي يحللها الكتاب بسلسلة واسعة من السلع والابتكارات التكنولوجية التي حفزت أو أثارت مجادلات حول أحكام الشريعة أثناء الفترة الانتقالية بين الإمبريالية والقومية. وتناولت هذه الفتاوى على نحو محدد  محارم المرحاض وتسجيلات الحاكي، التي لفتت انتباهي، وكذلك العملة الورقية والبرقيات وبطاقات اليانصيب والفنادق السياحية والبنطلونات الفرنسية، وآلة الجونغ والقوانين الاستعمارية البريطانية وأشياء أخرى كثيرة.  وبتحليله لهذه الأشياء وللفتاوى تاريخياً، يسهم الكتاب في المقام الأول في البحث حول الشريعة الإسلامية وفي الثقافة المادية.

فضلاً عن ذلك، يتحدى الكتاب بشكل مباشر البحث السابق عن الإصلاح الإسلامي، والذي ركز على فشل نخبة المصلحين في تحديث التقاليد والمؤسسات، من خلال لفت انتباهنا بدلاً من ذلك إلى عملية واسعة الانتشار من التحول الديني ولم يمتلك أي باحث أو دائرة باحثين القدرة على لفت انتباهنا إلى هذا. إن أفضل وصف للعملية هو ”الإصلاح المادي“. وإذا تحدثنا بعامة يسلط كتابي الضوء على تاريخ التحول الديني في الفترة الحديثة.

جدلية: كيف يرتبط هذا الكتاب بكتبك السابقة أو يفترق عنها؟

ليور هاليفي: يختلف هذا الكتاب جذرياً عن عملي السابق على مستوى ما. وأشرت من قبل إلى أن هذا الكتاب بدأ كانعطاف لمتخصص في القرون الوسطى إلى التاريخ الحديث. وكانت القفزة التي يجب أن أقوم بها طويلة. ففي كتابي الأول ”قبر محمد: طقوس الموت وصناعة المجتمع الإسلامي“ (مطبعة جامعة كولومبيا، 2007)، ركزت على القرنين الأولين من العصر الإسلامي وحلّلتُ بعض المصادر القديمة جداً كالنقوش على شواهد القبور ومجموعات الأحاديث النبوية. كان هذا تاريخ الممارسات الجنائزية الإسلامية الأولى والأفكار حول الموت والآخرة.  وبمعنى جغرافي، ركز الكتاب على شبه الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين وخاصة مدن مكة والمدينة والكوفة والبصرة. أما كتابي الجديد ”محاكمات بدائع التجديد“، فلا علاقة له بالأزمنة الإسلامية الأولى، بل يركز بدلاً من ذلك على التجارة والتكنولوجيا في الحداثة. وبمعنى جغرافي، يركز أولاً على سوريا تحت الاحتلال العثماني ثم مصر تحت الحكم البريطاني، وخاصة على طرابلس المشرقية حيث درسَ رضا، والقاهرة حيث أنشأ دار نشره ومطبعته. ثم بعد مسح هذه المدن المتعددة من تينوغاستا في الأرجنتين إلى جوانزجهو في الصين  (والتي ارتبطت بشبكة ”المنار“ العالمية) يلتفت الكتاب إلى الظروف المحلية هنا وهناك في العالم. وهكذا فإن الكتابين مختلفان جداً. لكن هناك بضعة خيوط مشتركة بين الكتابين فكلاهما يتناول بناء الشريعة الإسلامية في علاقة مع الثقافة المادية والحياة اليومية، وكلاهما يركز على الممارسة الاجتماعية للدين ويقترح أن سلسلة واسعة من الفاعلين الاجتماعيين، وليس العلماء فحسب، أسهموا في تشكيل الإسلام أو إصلاحه. ورغم تركيزهما على فترتين تاريخيتين مختلفتين فإنهما يتناولان أزمنة وجد فيها المسلمون الورعون أنه من الملح البحث بعمق عن هوية دينية مميزة إزاء غير المسلمين.

جدلية: من تأمل أن يقرأ كتابك هذا، وأي نوع من التأثير تريده أن يحدث؟

يور هاليفي: لا أريد أن أحلم أو أتكهن حول التأثير المستقبلي لكتابي، لكنني مسرور جداً أنك طلبت إجراء مقابلة معي لأن قراء ”جدلية“ هم قراء مثاليون بطرق كثيرة، وقبل أن أشرح لماذا، يجب أن أقول إنه من أجل تأليف كتاب ”محاكمة بدائع التجديد“ استخدمتُ طرقاً بحثية مختلفة كي أحلل مصادر متنوعة كثيرة، وهكذا آمل أن يروق لقراء مختلفين. إن الكتاب أكثر من تاريخ لفتاوى مصلح واحد. وكما قال أحد المراجعين: ”إنه يدرس كل شيء من سجلات الشحن إلى كتالوجات المستودعات كي يموضع التحول المادي للعالم الإسلامي على وجه صحيح“. ويقدم الكتاب إسهامات أصيلة في تاريخ الشريعة الإسلامية، والإصلاح الإسلامي، وصناعة السلفية، وكذلك التاريخ الثقافي والاقتصادي لمصر في فترة تحولها من الإشراف البريطاني إلى الاستقلال الوطني.  وأتوقع أن القراء الذين يهوون أياً من هذه الموضوعات سيعودون إلى الكتاب.  فضلاً عن ذلك، آمل أن يجذب الكتاب قراء يمتلكون فضولاً حول تاريخ الإسلام الحديث من ناحية علاقته بالثقافة المادية والتكنولوجيا والتجارة والإمبريالية والعولمة.

إن قراء ”جدلية“ يمكن أن يكونوا مهتمين بالكتاب على نحو خاص، لأسباب عديدة. ذلك أن كتابي يتناول مجلة يمكن أن توصف بأنها ”جدلية القرن السابق“. فقد كانت ”المنار“ المجلة العربية الرائدة  لحقبة الطباعة التي انتشرت عالمياً. وتجنبت الإعلانات المبوبة على عكس معظم المجلات اليومية والأسبوعية والشهرية الأخرى التي نُشرت في ذلك الوقت في القاهرة.  أما أقسامها (تقريرها الإخباري، مراجعاتها للكتب، تعليقها على القرآن، وأعمدة الفتوى) فقد كانت معظمها نتاج الجدل. لقد فكروا بالمجادلات وأحياناً ولّدت المجلة جدلاً عظيماً. فضلاً عن ذلك، إذا كان لقراء هذه المجلة اهتمام خاص في قيمة اللغة العربية، يجب أن يجدوا إذاً تحليل مراسلات رضا القانونية والدينية مهماً. فقد تراسل بالعربية مع مسلمين روس وهنود وصينيين تعلموا العربية كلغة ثانية أو ثالثة وكذلك مع مستفسرين من الشرق الأوسط والشتات العربي في أميركا الجنوبية وجنوب شرق آسيا.  وهذا مؤثر جداً بما أنه يوحي بالمدى المدهش لانتشار مجلة ”المنار“. لكن ما أحب أن أشير إليه هو أن معظم تواريخ العولمة في عصر رضا مستندة إلى مصادر رئيسية مكتوبة بلغات الاستعمار الأوربي: الإنجليزية والفرنسية والهولندية، إلخ. إن كتاب ”محاكمات بدائع التجديد“ هو إلى حد كبير عن التبادل العالمي والاتصالات العالمية، لكنه يعبر  بالأحرى عن المنظورات والتشابكات العربية الإسلامية.

جدلية: أية مشاريع أخرى تعمل عليها الآن؟

أضع اللمسات الأخيرة على مقالين وأعمل على كتابي القادم. يتناول أحد هذين المقالين الابتكارات التكنولوجية فائقة الحداثة التي تتعلق بطقوس العبادة الإسلامية، ويحلل الثاني الجدل بين رشيد رضا ومفتي هندي غامض حول الكحول، وطقس النجاسة، والسلطة السياسية. وكتابي التالي، والذي تعاقدتُ من أجله مع مطبعة جامعة هارفارد، هو نوع من التتمة لكتاب ”محاكمات بدائع التجديد.“ وسيركز على السلفية النجدية، والتبادل العالمي وفتاوى بن باز. 

مقاطع من كتاب ليور هاليفي ”محاكمات بدائع التجديد: الإصلاح العالمي والمادي للإسلام في عصر رضا، 1865- 1935»

(دار نشر جامعة كولومبيا، ٢٠١٩)

مقدمة الكتاب

تحليل الطيّبات:

الأشياء الأوربية - الإسلامية وفتاوى عدم التدخل

في حوالى 1940 كتب محمد شافعي، وهو مفسّر للشريعة الإسلامية في معهد ديني في الهند البريطانية، فتوى لإقناع أتباعه بمقاطعة سلعة أجنبية جديدة هي فرشاة الأسنان الاصطناعية. أراد أن ينظف المسلمون أسنانهم بالمسواك، وهو عود لتنظيف الأسنان استخدمه الذين أرادوا محاكاة ممارسة النبي محمد، بدلاً من استخدام فرشاة أسنان، ”والمصنوعة هذه الأيام من شعر الخنزير“. وقد أدخلت شركة يابانية مؤخراً البديل الاصطناعي إلى المستعمرة، وكان يحدوها طموح كبير إلى أن تبيع هذا المنتج الخالي من لحم الخنزير في ما ستدعوه الشركات متعددة الجنسية في النهاية ”السوق الإسلامي العالمي“. تبع ذلك تنافس في  الحال من شركة أميركية بدأت تعلن فرشاة الدكتور ويست، المجهزة بالشعرات المعروفة الآن والمصنوعة من النايلون، في الوطن وفي الخارج. وتحت علامات تجارية مختلفة انتشر المنتج بسرعة في أنحاء العالم.  كان استهلاكه الأولي من قبل المسلمين في الهند هو الذي ألهم دائرة من التلاميذ المتحفظين  في المعهد على الاستفسار عن جوازه في الشريعة.

من السهل أن نفهم موقفهم تاريخياً حين نضع في الذهن أنهم كانوا ينتمون إلى حركة إحيائية نشأت في أعقاب تمرد 1875. كانت هذه الانتفاضة الضخمة التي بدأت ب“عصيان“ الجنود المسلمين والهندوس التابعين لشركة الهند الشرقية والذين حثهم على الفعل انتشار شائعة بأن ورق الخرطوش الخاص ببنادقهم الجديدة من نوع إنفيل دُهن بشحم الخنزير المحرم. وبما أن التدريب العسكري اقتضى عض الخراطيش لإخراج الرصاصة فإن هذا كان الأكثر إزعاجاً.  وبعد عقد من تمردهم الكبير أسس الفقهاء الدينيون المستاؤون أولى المدارس الديوبندية الكثيرة، وهي ملاذات ازدرى فيها طلاب المعهد المنهاج الإنجليزي في العاصمة والثقافة الاستعمارية البريطانية كي يركزوا بدلاً من ذلك على صقل الأرثوذكسية الإسلامية وعلى إصلاح التشوهات. وبما أن هذا المنهاج اقتضى تطهير الحياة اليومية من الإفساد الأجنبي، امتلك محمد شافعي كل الأسباب كي يرفض شعر الخنزير (إن لم يكن الفُرَش الاصطناعية) وأن يزكي بدلاً من ذلك الأداة الإسلامية الأصلية.

يتناول هذا الكتاب محاكمات البضائع الحديثة (من فرشاة الأسنان إلى البرقية) في ضوء الشريعة الإسلامية المقدسة. ويركز بدقة على كثير من الأشياء الغريبة والرائعة كتسجيلات الحاكي والقبعات ذات الحواف والبنطلونات المخيطة وبطاقات اليانصيب والعملة الورقية وآلات الجونغ، وحتى محارم المرحاض. أثارت هذه الأشياء معضلات دينية حين عبرتْ حدوداً ثقافية وسياسية في فترة انتقالية في نهاية العصر الإمبراطوري. ذلك أن المجتمعات الإسلامية المبعثرة في مستعمرات ومحميات وانتدابات وأمم ناهضة متنوعة تشاطرت رغم ذلك تجربة قوية واحدة: واجهت كلها حشداً مدهشاً من ”الأشياء“ المصنوعة في الخارج. ومع التبني المبكر والاستهلاك المتزايد جاءت المجادلات الجماعية اللافتة للانتباه. وطالب الفاعلون الورعون أحياناً بطرد المنتجات الأجنبية إلى الجانب الآخر من ذلك الحد اللامرئي الذي فصل ما تجيزه الشريعة عن ما تحرمه. لكن مناقشات ذلك الزمن الأكثر إلحاحاً لم تكن عن الإبداع التكنولوجي بشكل تجريدي، والإيديولوجيا الإمبريالية لحرية التجارة أو معنى الحداثة. كانت ملموسة أكثر. فقد أراد المسلمون على نحو محدد أن يعرفوا إن أجازت نصوصهم المقدسة تفاعلات معينة مع بضائع معينة. ولجأوا إلى محكّمي الشريعة المقدسة الذي استجابوا بفتاوى مخصصة لهذا الغرض: وهي جمل سفسطائية أعلنت أن الأشياء والأفعال التي تخضع للمحاكمة مفيدة اقتصادياً أو مؤذية اجتماعياً، متواشجة مع الإيمان أو توحي بالكفر، و(في التحليل الأخير) مثيرة للإعجاب أو مقيتة.

نُشرت الفتاوى التي يركز عليها هذا الكتاب في مجلة ”المنار“، وهي مجلة وعدت، كما يوحي اسمها، بالتنوير. وصارت هذه المجلة الشهرية التي كانت تطبعها مطبعة عربية في القاهرة مشهورة أثناء صدورها في مطلع القرن العشرين. ورغم انتشارها المتواضع، فقد حظيت باهتمام القراء على نطاق عالمي.  وكان رجل الدين السوري العثماني الذي أسسها في 1898 بعد وقت قصير من هجرته إلى مصر التي كانت تحت السيادة البريطانية، هو المصلح الديني الريادي محمد رشيد رضا، وهو شخصية مهمة في تاريخ الإسلام الحديث. حرر ”المنار“ وأصدر فتاواها ”التنويرية“ حتى وفاته في 1935. ولم يطلب هذا المعجب بالاختراعات الحديثة أبداً من قرائه المدينيين المسلمين أن يتخلوا عن فراشي أسنانهم ويستخدموا عيدان شجر السواك أو الأراك. وتكتسب فتاواه أهميتها من أنها تبين كيف استجاب مناصرو إصلاح الإسلام ومعارضوهم لمادة متغيرة وبيئة إبداعية. وكان للأشياء الحديثة التي من أصل أجنبي تأثير عميق في المجتمعات الإسلامية في الفترات الإمبراطورية المتأخرة وبدايات الفترات القومية، وحفزت تأملات دينية في العالم الجديد للبضائع. وبدلاً من التسليم جدلاً بكل شيء، تفحص الأشخاص غير المتدينين الأشياء بشكل تمييزي. وتساءلوا حول دور وموقع أشياء جديدة في مجتمع إسلامي مثالي. وبأسئلتهم اليومية حول الابتكارات الجديدة، نفخوا حياة جديدة  في نوع قانوني محتضر، وساعدوا في تحويل الفتوى، في عصر الطباعة، إلى أداة مثيرة  لاتصالات إسلامية عابرة للإمبراطوريات.

مدفوعاً للحكم على البضائع والابتكارات التكنولوجية الأوربية التي صارت أشياء مثيرة للجدل، قال رضا بشكل متكرر إن الشريعة الإسلامية وضعت حواجز قليلة (هذا إن حدث ذلك) أمام التجارة والاستهلاك والتبني. وبرر أحكامه التحريرية من خلال منهج في تأويل الشريعة اعتمد سوابق نصية (آيات قرآنية، أحاديث نبوية) وأمثلة من الأسلاف (قصص مؤمثلة عن الأبطال المسلمين الأوائل المعروفين باسم السلف). دعوتُ هذا الأسلوب ”سلفية عدم التدخل“. وبهذا المصطلح التقني، أردت بشكل أساسي أن أصف إنجيل رفاه رضا: الأنباء الجيدة التي نشرها إلى أبعد وأوسع، بأن التمسك بالروح الأصلية للشريعة سيمكن المسلمين الحديثين من التغلب على الصعوبات والنهوض وتحقيق الوفرة. وكانت هذه روح الحركة الليبرالية الاقتصادية للإصلاح الإسلامي التي نهضت تحت حماية إمبراطورية التجارة الحرة.  ولقد تجلت في شكلها الأولي في القاهرة في حوالى 1900 في وقت ازدهار في تاريخ المدينة، ثم تطورت مع مرور الوقت، حين قام مناصروها، بما فيهم رضا، بإيضاح فرضياتها غير المكتملة في أوضاع مادية واجتماعية وسياسية متحولة.  وبازغةً قبل صياغة أو طرح ”الاقتصاد الإسلامي“ كمنهج ما بعد استعماري للدول القومية الإسلامية، كان لها هدف محوري هو تأويل واستحضار النصوص المقدسة، القرآن والحديث، وكذلك مبادئ السلف، ونماذج عصر ذهبي، من أجل مباركة  ”الطيبات“ التي جاءت من المصانع في الخارج.        

[ترجمة: أسامة إسبر]

عن/ جدلية