المقاومة والهويات القاتلة

شهر واحد أسبوع واحد ago

بشار اللقيس *

لم يخطئ أمين معلوف في حديثه عن الهويات المغلقة كهويات قاتلة، لكنه لم يصب الحقيقة أيضاً. في سيرته المترجمة عام 2003 تحت عنوان الهويات القاتلة، يحاول معلوف الإجابة عن سؤال هويته الخاصة انطلاقاً من معايشته لمكانين وزمانين؛ لبنان وفرنسا. ينتصر معلوف لرؤية أوروبية/ فرنسية تعددية، هذا صحيح، يحاول الرجل ألا يجري نوعاً من المفاضلة بين هويتين لكل منها سياقها ولغتها ومنطقها. لكنه ومن حيث يدري أو لا يدري، يضمر في المقاربة فخاً قاتلاً وقع في شراكه أغلب "متنوري الشرق" طيلة القرنين المنصرمين؛ إنه فخ الهيمنة.

إن قراءة الحضارات/ الثقافات/ الهويات، باعتبارها خيارات فكرية لكل منا الحرية في انتقاء أي منها فيه ضرب من العبث وكثير من البعد عن الواقعية. كما أن قراءة خيارات الناس الثقافية والحضارية دون لحاظ مسألة الهيمنة والقوة تظل ناقصة حتى لا نقول باطلة كلياً. مقارنة الغرب بالشرق دون ذكر السياقات التي تقدم بها الغرب على الشرق (إن سلمنا أنه تقدم فعلاً) فيه خيانة للفكر وللعقل وللتاريخ. ما كان لتغني أمين معلوف برقي لغة الشعر الفرنسية، أن يكون منبتاً عن لحاظه أثر الاستعمار الفرنسي في تقاليد صالونات الشعر الفرنسي. تعددية الثقافة الفرنسية كان ينبغي ألا تنسيه أنها نبات من غرس حروب الأفيون (1856 – 1860)، يوم حاربت فرنسا "المتنورة" كي ترغم الصين على إدخال الأفيون الهندي إلى أسواقها عنوة.

ولإن غابت حروب فرنسا في الشرق الأقصى عن ذهن معلوف، فللغة العربية عليه الحق في تذكر وجوه النوبيين في حدائق الحيوان البشرية في باريس أواخر القرن التاسع عشر. لم تكن حدائق الحيوان البشرية بعيدة عن صالونات باريس الثقافية. كان يكفي لمثقفي التنوير الفرنسي أن يطلوا من نوافذ مقهى بروكوب أو كونرار مثلاً ليروا بشراً مكبلين بالأصفاد معروضين في غابات فينسين بباريس كنوع من "الحيوانات البشرية الأليفة". والخطيئة هنا ليست خطيئة معلوف. ومعلوف الذي ننتقده ليس فرداً. إنه نموذج عن حالة ثقافية ولدت في عالمنا العربي مع بعثات مصر إلى فرنسا منتصف القرن التاسع عشر، ولا زالت مستمرة إلى اليوم.

ليست القطيعة مع الآخر أخطر ما في الهويات القاتلة. ثمة ما هو أكثر خطورة بكثير. ويكمن في أن تخفي الهوية شبكة من علاقات الهيمنة والخضوع. كأن نعيد إنتاج هزيمتنا بمقولات حضارية لا نرى فيها أنفسنا إلا من زاوية نظر المنتصرين، وهي مسألة أكثر خطورة. كل السرديات الثقافية التي أنتجت في منطقتنا في القرنين الأخيرين كانت نتاجاً لهذه المسألة. نابليون بونابارت كان آخر مشروع فرنسي استعماري حقيقي بعد الثورة الفرنسية. مع دخول الحلفاء إلى باريس عام 1814، وما تبعه من استعادة آل بوربون الحكم في باريس، كان نجم فرنسا الاستعمارية قد أفل إلى غير رجعة. لم يستعد الفرنسيون رؤيتهم لأنفسهم كمستعمرين حتى منتصف القرن التاسع عشر. عندما راجت في صالونات الثقافة والأدب تماثيل ومجسمات فرعونية صغيرة تذكرهم بماضيهم الإمبراطوري. كانت هذه المجسمات غالباً ما تكون مقدمة كهدايا من قبل الطلبة المبتعثين من الشرق إلى فرنسا، والطامعين بحظوة أو مكانة لهم في صالونات باريس الثقافية. لقد أعاد المستعمَرون وعي الانتصار للمستعمرين.

الأمر نفسه يستعاد اليوم بنحو أكثر سوريالية. في مصر ثمة حديث عن إعادة تمثال فرديناند دي لسبس (مهندس قناة السويس الذي أشرف على موت أكثر من مئة ألف مصري خلال حفرهم القناة سخرة) إلى مدخل القناة في بورسعيد. وكأن ثمة من يريد أن يصير الخضوع ثقافة وهوية يتوارثها الشعب. في لبنان تنتظر طوائف بأسرها زيارة مسؤول فرنسي، كي تحدد موقعها وموقفها من الصراع مع "إسرائيل" في تجاهل لكل دروس التاريخ. في لبنان أيضاً، مراهقة ثورية من قائد ثوري تفضي به لأن يتمنى على المسؤول الفرنسي عدم مساعدة لبنان كي لا ينقذ المال الفرنسي النظام السياسي؛ وكأنه مقتنع بأن المال الفرنسي أو الأوروبي يمكن أن يقدم كمساعدة للبنان حرصاً من فرنسا على الشعب اللبناني، لا أن فرنسا تبحث عن دور سياسي لها من خلال هذا المال، وكأنه مقتنع أيضاً أن ما من شرائح اجتماعية مهددة بالعوز والفقر والموت جوعاً تقف خلف هذا النظام السياسي. وقد يأتي يوم يطالب فيه هذا الرجل بتدخل خارجي لتغيير النظام السياسي اللبناني أسوة برفاق له في سوريا والعراق طالبوا بالأمر نفسه انطلاقاً من مقاربة ذهنية مشتركة.

 ثمة هويات مقفلة نعيش أزمات خطابها اليوم. لكنها أكثر عمقاً واستعصاءً مما ذهب أمين معلوف إليه. ليس الدين وحده من يعش مخاطر الهويات القاتلة (بحسب ما يعرض معلوف) فحسب. اليسار بجناحيه التقليدي والتروتسكي يعيش عمق الأزمة. اليمين كذلك. خطاب "ما بعد الهويات" المقدم من قبل المجتمع المدني. خطاب الثورات الاجتماعية على تنوع جماعاته وتشكلاته. في كل من هذه الخطابات ثمة مشترك وحيد؛ عجز عن فهم الواقع من داخله، سوء تقدير لمعنى السياسة وطرق اشتغالها، أحادية تفسير الظواهر ومسبباتها، نمذجة لمثال متخيّل عصي على التطبيق.

ما هو الحل للخروج من الأزمة؟ لا يحتمل هذا السؤال إجابة واحدة وطريقاً أوحداً نمضي به. لكن أي حل يطرح سيظل ناقصاً ما لم يلحظ دور شعوبنا وسبيل منطقتنا للخروج من نير الهيمنة. ومواجهة الهيمنة ليست - ولا ينبغي لها أن تكون - "شماعة" نعلق عليها تقصيرنا في تلبية احتياجات المجتمع وضرورات تنميته. لكنها شرط تحقق أي مشروع نهضوي وإصلاحي حقيقي. فأن نواجه الهيمنة يعني أن نعرف التاريخ ونعيه بغير ما أنتجه الاستعمار. أن نواجه الهيمنة يعني ألا نقبل بسرديات الخضوع الثقافي التي جعلت من دخول بونابارت إلى مصر منطلقاً في رواية التاريخ الاجتماعي والسياسي للتقدم في منطقتنا. أن نواجه الهيمنة يعني أن نعي دور منطقتنا في التحول الطبقي على مستوى النظام الدولي، وأن أزماتنا الاقتصادية الخاصة (أزمة سياسات المصرف المركزي، والقطاع المصرفي) ليست إلا مؤشراً على أزمات دولية أكبر وأبعد. مخطئ من يعتقد أن المصارف المركزية ستستمر بالنحو الذي كانت عليه كحارس أوحد للاستقرار المالي عالمياً. ومخطئ أيضاً من يعتقد أن حجم القطاع المصرفي سيحافظ على حجمه بالنحو الذي كان عليه سابقاً.

وأن نواجه الهيمنة يعني أن نعي بأن لا وجود للمشروع الصهيوني في عقل الغرب، إلا على حساب الوجود المسيحي في الشرق. لقد دفع المسيحيون أثماناً باهظة على مستوى وجودهم في الشرق منذ اتفاق روتشيلد (رجل الأعمال اليهودي) وبالمرستون (رئيس وزراء بريطانيا) منتصف القرن التاسع عشر في كل من سالونيكا، حلب، دمشق، جبل لبنان، فلسطين، وليس آخرها في ما حدث في كنيسة آيا صوفيا نفسها. وسيدفع المسيحيون في "الحياد الفرنسي" أثماناً مضاعفة مع تراجع فرنسا عن نادي الدول الكبرى، ومع تراجع نفوذها في عموم الشرق.

أن نواجهة الهيمنة يعني أيضاً ألا نقبل بواقع ما نحن عليه اليوم. لم يعد للبنانيين غير بعض من كرامة تصر المنظومة السياسية الراهنة على إهراقها. لبنان كمنظومة حكم وعمل سياسي لم يعد قادراً على الاستمرار بعد. وهو إن استمر فكشيء يغالب التاريخ من خارج منطقه. لا منطق في بقاء الطبقة السياسية اللبنانية متحكمة برقاب الناس. لقد خسرت غالبية الأحزاب ثقل الدعم السياسي والمالي الذي قدم لها في السابق على المستويين الإقليمي والدولي. كما خسرت الكثير من الأحزاب بيئتها الحاضنة من أبناء الطبقة الوسطى. لا حل ولا أفق لما نحن عليه اليوم. لا البنك الدولي سيسعفنا، ولا بارقة من غيث سماء العرب ستمطر. ما الحل إذاً؟ الحرب، لا غيرها. ولتكن الحرب استكمال للسياسة (داخلياً وخارجياً) بلغة أخرى.