الوطنية المتعذرة والطور التكنولوجي؟/4

شهر واحد أسبوع واحد ago

عبدالاميرالركابي
تمارس الأحادية عملية نفي تاريخي ابتداء وتاسيسا للازدواج المجتمعي وعلى مستوى الدولة باعتمادها الكلي والقطعي للاحادية على انها "المجتمعية"، و "الحضارة"، وهي لاتتوانى عن ارتكاب أخطاء منهجية فاضحه دالة على القصور، من نوع رفضها المسبق لأي مظهر دال على الثنائية النوعية المجتمعية، واحالته في حال وجودمايدل عليه للنموذج الأحادي الموحي بالتشابه، مثل اعتماد مفهوم" الديمقراطية البدائية" لتعيين مظاهر تبلورات عالم ومجتمع اللاارضوية السومرية الاولى، ما يسبغ على عمل الأحادية "البحثي" نوعا من القصدية والانحياز المسبق، ويجعل منه في حالة العراق مرهونا ومحالا حتما وباسم المقارنة، للحالة النيلية، برغم عجز هذه، وضعف ماتنطوي عليه من أسباب وموجبات تبيح المقارنه، ويرى احد المعتبرين اهم الباحثين في الحضارات القديمه من العراقيين كمثال، بان " الحضارة المصرية نشأت ناضجة بينما الحضارة العراقية نشات ديناميكيه" (1)مع مايعنيه ذلك من ربط للاحادية ب "النضج" والمثالية النموذجيه. في حين لم يسبق ابدا ان جرى التوقف عند احتمالية ان تكون حالة العراق وارض الرافدين منطوية على نوعين من المجتمعية، ودولتيهما المطابقتين لهما على حسب بنيتة كل منهما وكينونته، فاستبعد هذا الجانب الأساس الفاصل من جوانب التاسيس للمنظورالمجتمعي الحضاري، والغي.
بهذا يكون كل ماقد وضع مما يعتبر نظر في التاريخ وتاريخ الحضارة عند بداياتها الرافدينيه، قاصرا ودالا على الخضوع لمنطق الأحادية، بتركيزه على الإمبراطورية العليا من دون النظر اليها ازدواجيا كنمط منتقص، وصولا لاعلى تمظهرات الإمبراطورية البابلية "الشرائعية" في الدورة الأولى، مع الاغفال المتوقع لاية اليات خاصة بنمو وتشكل الدولة السماوية اللاارضوية المقابلة القائمه أصلا على مبدا الغاء للدولة الأحادية "الدنيوية"، باحالتها الى المؤقتيه والعابرية " خذوا من ممركم الى مستقركم"،والموجودة لابذاتها، بل لاجل الاختبار الآني وصولا الى يوم القيامه والدينونة، حيث السلطة العليا والحاكميه الأعلى التي لاسلطة غيرها. وهو مايمثل " حدود" الدولة اللادولة، ويعين مجالها" الكوني"، ونزعها للسلطة من الأرض ويد الحاكم الأرضي، الى السماء، مع شمولها للأرض من دون الرضوخ للأرض، بالتعالي عنها، او لفعلها وانعكاسها المجتمعي، أي ان البناء الفوقي الأوحد والوحيد الذي تتحدث عنه الماركسية يصيرهنا هو الذي يقرر البناء التحتي، انطلاقا من قاعدة او لى واساس، تشكل متبلورا خلال القرون والتفاعليه الموازية والاصطراعية الازدواجية مع النمط الاخر الأحادي الارضوي، وليس ثمة من شك بان نمط الدولة السماوية المنوه عنه، ناتج عن بنية مقابلة، أي انه نتاج بنية تحتية من نوعه، بنية سماوية متعذر تجسدها الارضوي، وجدت بالاصل باعتبارها بنية "العيش على حافة الفناء"، وتحولت مع الزمن ومسارات التجربة والاستبدال، والملوك الأنبياء، وأنواع القصص والامثلة الخاصة، والطوفانات والبناءات والانهيارات، الى اختيار السكن السماوي، مع مايقتضيه من الانفكاك النهائي المفهومي عن الارضوية، بما في ذلك صيغتها الاستبداليه الاضطرارية اللاارضوية، بالذهاب الى النبوة الالهامية، التطور والمحطة الأهم والحاسمة في تاريخ الدولة الكونية السماوية، وترابط عناصرها، ومصادر وجودها الحيوي، ابان زمن اللاتحقق الطويل، المتبقي من زمن هيمنة الأحادية البداهية الارضوية المهتز، بعد زمن الهيمنه الكلية السابق على طورالعبور الى المجتمعية الازدواجية الرافدينيه.
في كل مكان من الأرض تقريبا، تقوم الكنائس والبيع والجوامع باعتبارها الاختراق المجتمعي السماوي للنمط الارضوي الأحادي، هذا اذا لم ناخذ بالحسبان أنماط ( الدين/ الدولة) تاريخيا كما حالة الإسلام واوربا القرون الوسطى،واليوم، / بابا روما/ وكل مجال الاختراق غير المجسد، مع مايعنيه ويدل عليه على صعيد الايمان والقناعة الانتمائية الشاملة لغالبية البشر، بما هو هو حصيلة ومنتوج صراعية، بدات كيانيه ازدواجية مستندة لاحكام بنيوية مجتمعية "ملموسة"، استمرت ك"امبراطورية روحية" عظمى شاملة الكرة الأرضية، ودائمة من دون كل الفلسفات والاراء والايديلوجيات المؤقته العابره، وانتشرت مرتكزة كأساس على التكوين البشري الازدواجي النوع "عقل /جسد" من ناحية، وعلى كل ماتنطوي عليه المجتمعية الأحادية من قصور تكويني وبنيوي، قائم على التمايز والقهر،والمؤقتيه الحياتيه، مايضع الأحادية فعليا بموقع الغلبة الشكلية البداهية المدعمه بالقصور العقلي عن ادراك مضمر المجتمعة التحولي، الامر الذي ظل يقلل من ضرورة ولزوم تكرار النمط الأساس السومري بما يتعلق بضرورة تكرار النمط المعاش، يغض النظر عن الانعكاسات الارضوية التفصيليه داخل مبتنى الدولة السماوية, "مملكة الله على الأرض"، منذ تاسست كوعد خارج ارضه، في المساحة المصرية الشامية الملحقة بعالم الاحتشاد النمطي المجتمعي ابتداء، ومن ثم الجزيري ختاما.
لم تعرف الدولة السماوية اطلاقا خطرا داهما وجديا انطوى على احتمالية امحاء وإزالة من الوجود، مثل ذلك الذي مثلته اوربا الحديثة مع نهضتها وثورتها الالية المصنعية ومجموع منجزها المواكب على الصعد كافة، علميا وفي مجالات العقل المختلفة، ماكاد يكرس بصورة قاطعة، الأحادية كنمط وخياراوحد لاخيار غيره، وقد انطوى القرن التاسع عشر، ومن ثم العشرين على الذروة الأحادية، واعلى اشكال تجليها الممكنة، الكاسحة الحضور والغلبة، ماقد هدد وجود وحضور مجتمع الدولة السماوية بماله من تمثيل كاسح، بالخروج الكلي من الحياة العامة، والفعل العملي الممكن فيها، مع كل مارافق ذلك من شيوع مدعم بالاسانيد والمنطق والمنهجيات المستجدة، مما يصيب العالم السماوي بفقدان المبرر، وبالوقوع تحت طائلة المشكوك باسس متبنياته ووجوده بحالته التي هو عليها راهنا.
والاهم في ذلك تظافر تكريس الاحادية كظاهرة متفقة كليا مع "الحقيقة"، وموافقة لمترتبات واسس الوجود الحي، مع تأخر تجديد الحيز المجتمعي السماوي بما تقتضيه المستجدات وتراكم الخبرة بعد، مايوجب، او يعيد تحريك اليات التصيّر والصعود المجتمعي اللاارضوي، نحو مابعد النبوية الالهاميه التي ينتهي امدها وضرورتها، وحدود فعاليتها، مع "التفارقيه الرباعية"، ومع فصلها الأول الغالب الكاسح على مستوى المعمورة، كما تمثل في الصعود الغربي، اعلى وارفع اشكال الأحادية بنية وديناميات، هذا في وقت لم يكن فيه، لافي الجبهة المجتمعية التحولية السماوية، ولا الأحادية، ماكان يتيح في حينه النظر الى اللحظة الاوربية الغربية على اعتبارها عتبة ومحطة، مفضية الى مابعدها، والى ما تكون هي بذاتها لازمة وضرورة لابد منها لاجل تحفيزه، وإعادة بنائه من جديد، على أسس أخرى "متقدمه".
فما كان واردا او قابلا للتخيل، احتمال تبلور او ظهورمايؤول الى الابراهيمه مابعد النبوية بطورها الثاني الحالي، العليّ، على مستوى الرؤى والتفكير، كما التحققية التحولية على صعيد الواقع، وبما ان المقدمات التي من شانها الإشارة لمثل هذا الاحتمال كانت غائبة، وخارج الاعقال ارضويا وسماويا، فلقد انتفى من اللوحة تماما، احتمال الانقلاب الدال على نهاية المجتمعية، وانقضاء زمنها ومهمتها، بالذات وعلى وجه التخصيص، بما يتعلق بمهمتها النشوئية العقلية الأساس، وتهيئتها أسباب الترقي العقلي الضروري.
تستمرفترة الغلبة الأحادية القصوى طيلة فترة المصنعية الاليه ومايحيط بها، قبل الانتقال الى الطور التكنولوجي المفارق لها، وان كان من افرازها، والمتطابق مع اشتراطات التحولية الازدواجية وبنيتها الانقلابيه، خلال هذا الفاصل، تقع ارض مابين النهرين/ العراق، تحت طائلة الميل الأقصى في ميزان القوى الداخلي، لصالح الحيز الأحادي الأعلى المنتقص، فتصير وسائل وادعاءات "الإصلاح"، و "التقدم"، و "المدنيه" عذا الوسائل المادية، وكل ما يعود الى النموذج الغربي في الادراة والتنظيم المجتمعي في مجال الحكم والدولة، ابتداء من أواخر الفترة المماليكيه عند ثلاثينات القرن التاسع، الى عام 2003 مع سقوط نظام الريع العقيدي العائلي قوة الغاء للعالم الأسفل ودولته.
على هذا فان " تاريخ العراق الحديث"، ومايسميه ويرلند واتباعه الحداثيون تاريخ تشكل العراق الراهن، هو تاريخ استعمال الوسائل والاساليب والأفكار والنموذج الغربي من قبل الاطار الأعلى والغرب، ضد طبيعة التشكل الوطني العراقي الحديث بدورته الثالثة الراهنه، وهو ينقسم الى ( الطور المماليكي الأخير/ حكم داود باشا 1817 ـ1831 ، وفترة الاحتلال التركي الثالث بعد حملة علي رضا عام 1831 الى 1917، ثم الاحتلال الإنكليزي، وفترته الاولى 1921 /1958 واخرها فترة 1968/2003 العقائدية القومية الاشتراكية العائلية الريعيه) أي فترة أولى من استخدام وسائل الغرب نيابه عنه، تتبعها فترة حضور غربي مباشر، وحضور أخير غير مباشر، وكلها مركزة على عرقلة ومنع عملية التشكل الوطني، وإيقاف الياتها، والسعي للاجهاز على مجتمع اللاارضوية الأسفل وممكنانته واحتمالية مستجداته، كمهمة رئيسية، واساس مدعم بمختلف دعاوى ومشروع مايعرف بالعصر الحديث، ومفاهيمه وشعاراته ،وايديلوجياته.
بالمقابل كان المجال الأسفل يمر كما اجمالي عالم ومجتمعية الدولة اللاارضوية، باخطر فترات تاريخه، تحت طائلة واحتماليه السحق النهائي، مع فارق انطوائه على المقومات البنيوية المضادة، وان من دون وسائل مقابله او مضادة مضاهية للمستجد الغربي على افتراض امكان وجودها كاحتمال، فعراق الدورة الثالثة المتشكل صعدا، لم يكن من ناحيته قد حظي بعد بما يلزم، وما من شانه انضاج اشتراطات موازنة المستجد، او ما كان من شانه منحه الأدوات الضرورية التي تطابق كينونته لمضاهاة ماصار يواجهه، ومضطر لمجابهته من اشكال الهجوم غير العادي، المختلف نوعا، والمسلط عليه فجاة، فظل الى حد بعيد محكوما من ناحيته لاشتراطاته الدفاعية والهجومية التقليدية، كما كانت معروفة ابان الدورتين التاريخيتين الأولى والثانية، واستمرت تسري عليه وعلى الاطار الأعلى، بالتساوي، بدون امتياز لاحدهما، خلافا لما صار عليه الحال اليوم، مع الانقلاب الأوربي الغربي الحديث، والالة والتصنيع، ومايرافقهما ويتصل بهما.
ـ يتبع ـ
ملحق 5
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذا مايراه "طه باقر" في مؤلفه المهم عن الحضارات القديمه.