قرار الشيوعي السوداني بالانسحاب من دعم الحكم والاعتذار لشعبه متأخر وناقص ولكنه أفضل من أحزاب تعتبر أخطاءها الكارثية إنجازات تاريخية

صحف سودانية
6 أشهر 4 أسابيع ago

علاء اللامي

أصدر الحزب الشيوعي السوداني قرارا بالانسحاب من «تحالف الحرية والتغيير»، الذي يُمثّل الحاضنة السياسية للسلطة الانتقالية التي ولدت بعد الإطاحة برئاسة البشير. قرار الحزب تضمن ما يمكن اعتباره اعتذارا كما تقول الكاتبة السودانية مي علي (إلى الشعب السوداني وقواه الحيّة على استمراره لما يزيد عن العام في إطار "تحالف قوى الحرية والتغيير"، الذي قَبِل التفاوض مع العسكر بعد سقوط نظام عمر البشير في نيسان/ أبريل من العام الماضي، وبعد مجزرة فضّ الاعتصام من أمام مباني القيادة العامة، وما نتج من ذلك التفاوض من تمكينٍ للجنة الأمنية (العسكر) في هياكل السلطة الانتقالية، أعلن الحزب الشيوعي السوداني، مطلع الأسبوع الحالي، انسحابه من "ائتلاف الحرية والتغيير" و"قوى الإجماع الوطني". وبَرّر الحزب خطوته تلك بأن السلطة الانتقالية تعمل عبر هياكلها المختلفة على تقليص مساحات الحرّيات، وتنتهك الحقوق، في محاولة لوقف المدّ الثوري، وإفراغ شعار «الثورة» (حرية، سلام، عدالة) من محتواه، بالإضافة إلى مصادرة أدوات التغيير المُتمثّلة في المجلس التشريعي والحكم الشعبي المحلّي والمفوّضيات). من الواضح تماما حتى لأهل القرار أنه جاء متأخرا جدا، وهذا أمر يمكن أن يبرروه بأسباب معينة ربما، أما النقص الفادح في البيان والذي لا يمكن تبريره فهو قفز القرار على الخطوات التطبيعية التي قام بها رأس النظام ممثلا بالثلاثي البرهان وحمديتي وحمدوك مع الكيان الصهيوني. وحين سئلت قيادة الحزب عن عدم ذكر موضوع التطبيع كان ردها هو أن (الموقف من هذه "القضية" يُفهَم ضمناً من النقاط التي وردت في البيان). لنلاحظ انهم لم يسموا قرار التطبيع والاعتراف بالكيان الصهيوني باسمه الحقيقي واعتبره البيان "هذه القضية"! فهل هذه لغة حزب ثوري يسمي نفسه شيوعيا أم لغة دبلوماسية برجوازية ميكافيلية ومهادنة تتحاشى تسمية الأشياء بمسمياتها لحسابات انتهازية ذرائعية؟

نعلم أيضا من التقرير الإخباري الذي كتبته مي علي (وبحسب مراقبين، فإن التيار المناهض للمشاركة في الحكومة الانتقالية داخل "الشيوعي" هو التيار المسيطر الآن، وقد تَمكّن أخيراً من الضغط على مركزية الحزب ودفعها إلى الانسحاب من الائتلاف الحاكم) ونعلم أيضا من المصدر ذاته أن هناك تيارا في (داخل الحزب لا يتردّد في الدعوة إلى إخضاع ممثّلي ذلك التيار لـ«المحاسبة الحزبية الصارمة»، معتبراً أن «الاعتذار وحده لا يكفي»). وهذا أمر يثير التفاؤل حقا، لأن الاعتذار والنقد الذاتي "الطقوسي" لا يكفيان، بل هما الطريق السهلة دائما لبقاء المخطئين والمهادنين في مواقعهم القيادية، وكأن الاعتذار أو النقد الذاتي مجرد طقس دراويشي ومجاملاتي لرفع العتب وليس ممارسة ديموقراطية جذرية يجب بمقتضاها أن يتحمل المخطئ مسؤولية خطئه ويتخلى أو يُطْرَد من هذا الموقع وهذا ما يحدث حتى في الأحزاب اللبرالية البرجوازية.

رغم كل ما تقدم، ولجهة الإنصاف والموضوعية، يمكن اعتبار إقدام قيادة الشيوعي السوداني على اتخاذ قرار الانسحاب من النظام الرجعي التطبيعي والاعتذار عن ذلك، ورغم التأخير والنقص الفادح فيه، أمرا إيجابيا بشكل عام وهو يعطي لهذا الحزب أفضلية على أحزاب أخرى تسمي نفسها "شيوعية" ولكنها لم تتجرأ يوما على اتخاذ قرار مشابه تعترف فيه بالخطأ أو الاعتذار لشعبها ورفاقها في القاعدة رغم كل الأخطاء والحماقات الانتهازية والكوارث السياسية التي ارتكبتها وفي طليعتها كارثة العمل في مؤسسات الاحتلال الأجنبي والتحالف مع قوى وأحزاب رجعية وطائفية عملت في خدمة الاحتلال وتحويل حزب عريق ذي ماض مجيد إلى مجرد بيدق إعلامي قميء لأحزاب الإقطاع السياسي الكردي ثم لحليفه الاقطاع السياسي الشيعي!

رابط مقالة مي علي:

http://www.albadeeliraq.com/ar/node/3659