حوارات/ حوار مع رامون غروسفوغل: عن استحالة فصل الحداثة الأورومركزية عن الاستعمار

غروسفوغل
3 أسابيع 6 أيام ago

استحالة فصل الحداثة الاوروبية عن الاستعمار:حوار مع رامون غروسفوغل: عن استحالة فصل الحداثة الأورومركزية عن الاستعمار - ترجمة: البشير عبد السلام ...أدار الحوار: فرانسيسكو فرينانديز

*** لماذا تعتقد أن الحداثة وُلدت في مسار استعماري ؟

– هذا موضوع يطول شرحه ، لأن له أبعاد كثيرة ، ليس فقط – إن شئنا القول – على مستوى البُعد المؤسساتي، بل ثمة أبعاد روحية ، ابستيمولوجية ، بيداغوجية ، اقتصادية و سياسية ، فمنذ البداية كان للحداثة أبعاد متعددة و هنا بيت القصيد ، أما متى بدأ مشروع الحداثة ؟ فالجواب يكون مختلفا باختلاف تموقع السؤال و من خلاله يتم رسم جينيالوجيا متعددة لأصل الحداثة ، فمثلا فلو أنك بصدد الحديث مع فرنسي أو مع من مرجعيته عن الحداثة فرنسية فأكيد أنه سيُرجع أصلها إلى سنة 1789 أي إلى الثورة الفرنسية على النظام القديم ، و لو تحدثت مع بريطاني فسيُخبرك أنها بدأت مع ثورة 1648 غداة صلح وستفاليا peace of westphalia ، و جميع هذه السرديات تعتبر سرديات لتجميل الحداثة .

*** ما دور هذه السرديات التجميلية ؟

– إنها تسعى لإخفاء الوجه القبيح للحداثة ، فلو نظرنا للموضوع من ناحية أمريكا اللاتينية و دول الجنوب ، لوجدنا أن مسار الحداثة انطلق مع التوسع الاستعماري للعائلة الملكية الكاثوليكية عام 1492 ، و تكمن قيمة تحديد انطلاق الحداثة مع نهاية القرن الخامس عشر و كامل القرن السادس عشر حيث كانت اسبانيا مركزا للنظام الدولي الجديد وقتها ، أنّه حينها تمّت مقاربة كل مواضيع الحداثة من دون إخفاء وجهها المظلم كما سيحدث لاحقا مع خطابات التنويرين الذي سيحتفون بالحداثة كخطاب تحرري ، مُغطّين وجهها القبيح و المشوّه المتمثل في الاستعمار .و قد كان ثمة نقاش علني خلال القرن السادس عشر عن كل ما تمّ إخفاءه و الخجل منه لاحقا بعد أن تحوّل مركز النظام الدولي من شبه الجزيرة الإيبيرية نحو الشمال الشرقي لأوربا غداة حرب الثلاثين عاما ، و تحوُّل هولندا على إثر ذلك إلى محور هذا المركز ، و هناك بدأ مسار آخر يسعى إلى الطلاق مع القرن السادس عشر و دور اسبانيا في إنشاء الحداثة / الاستعمارية ، و القيام بموازاة مع ذلك بتطوير سرديات تجميلية عن الحداثة ، عمدت إلى إخفاء وجهها الاستعماري القبيح و الذي هو في حقيقته جوهر الحداثة الأورومركزية ، فغذاة سيطرة هولندا خلال القرن السابع عشر ستبدأ سلسلة من السرديات تقدم الجنوب الأوربي كمنطقة تسكنها أعراق دونية ، و هكذا سيتعرض الايبيريون لنفس التصنيفات العنصرية التي استعملوها خلال القرن السادس عشر ضد الأفارقة و السكان الأصليين في أمريكا و المسلمين و اليهود ، و سيرتد كيدهم إلى نحورهم في اسبانيا و البرتغال ، و قد كان هذا الفعل العنصري الأخير ضروريا لأجل التبرؤ – من داخل الشمال الشرقي- من أصل الحداثة وتاريخها.

*** سأسألك لاحقا عن السرديات التي تم الشروع في حبكها عن الجنوب الأوربي ، لكن دعني أسألك الان عن المواضيع التي تمت مقاربتها خلال القرن السادس عشر؟

– خلال تلك الفترة بدأ في اسبانيا النقاش حول القانون الدولي ، و كذلك حصل جدل كبير حول المواضيع التي عرفتها أوربا لاحقا، و أقصد مناظرة بلد الوليد حول إن كان للسكان الأصليين روحا أم لا ، و هو حوار عنصري ، و موقف سيبولفيدا sepulveda يندرج في نطاق العنصرية البيولوجية و الذي يرى أن السكان الأصليين لا روح لديهم و من ثم فحسب منطق الرب فلا ضير من استعبادهم و اقتراف كل الجرائم بحقهم و يجب اعتبارهم و كأنهم بقرا ، حميرا أو جيادا لا يدخلون دائرة العمل إلا بالقوة .هذا و على الطرف الاخر من المناظرة نجد لاس كاصاص las casas الذي يقول أن السكان الأصليين هم برابرة يجب تنصيرهم ، و من ثمّ فنحن هنا أمام خطابين كلاهما عنصري ، الأول ذو غلاف بيولوجي و الثاني ثقافوي ، و هما من سيحددان طبيعة العنصرية و تمظهراتها لاحقا. لكن إبان القرن التاسع عشر و مع علمنة السلطة و المعرفة في اتجاه تزييفي ، انتقل النقاش من الحديث عن ” شعوب بلا روح ” إلى ” شعوب بدون حامض نووي ADN إنساني ” ، بمعنى أنها شعوب لا تتوفر على جينات إنسانية خاصة ، تؤهلها للخوض في العلوم البيولوجية و الطبيعية ، و هكذا و مع تطور العلوم الاجتماعية و الانتروبولوجية تم الانتقال من خطاب ” لاس كاصاص ” عن الشعوب البربرية الواجب تنصيرها إلى خطاب الشعوب البدائية الواجب تمدينها ، و بالنظر للخطابين في مناظرة بلد الوليد نفهم العنصرية المعاصرة ، و كيف تأسست الحداثة بعلاقة مع احتقار عنصري لباقي الشعوب. و هذا تم نقاشه بكل وضوح خلال القرن السادس عشر، لكن غداة تحول مركز النظام الدولي المؤسَّس على الاستعمار نحو الشمال الشرقي تم القفز على هذا القرن و على اسبانيا ، و نسيان كل النقاشات المواكبة لما بعد حرب الاستعادة ، و باختصار لكل ما يتعلق بنشأة الحداثة ، حتى يتم الترويج لفكرة الحداثة كمشروع تحرري ، بيد أنه من وجهة نظر مناهضة للاستعمارية فالحداثة هي مشروع تحضُّري كان منذ نشأته في القرن السادس عشر مشروعَا إباديا و استعماريا و أورومركزيا . و على هامش آخر فحتى الفكر الأوربي نجده قد تأسس على قراءات لفلاسفة القرن السادس عشر اليسوعيين ، فمثلا ديكارت قرأ لسواريز ، و لوك قرأ مناظرات سيبولفيدا و لاس كاصاص ، و حتى غروت Grote الذي يعتبر أكبر منظِّر للجغرافيا السياسية في هولندا كان قارئا نهما للفلاسفة اليسوعيين ، و من ثم فتأثير اسبانيا كان شديدا و كل هؤلاء كانوا يشربون من معين القرن السادس عشر الاسباني ، الذي تم التنكر له لاحقا في محاولة لبدء الحداثة من نقطة جديدة زمانا و مكانا ، و لإمكانية خلق خطاب تجميلي للحداثة كمشروع تحرري يقدم أوربا على أنها منطقة تمكنت بمجهودها الخاص من إحراز هذه الثروة التي تملكها و هاته الحريات التي تتمتع بها و هذا الاستقلال الذاتي . ليبدو مع هذا الخطاب عن الحقوق الفردية ، و الثروة عن طريق العمل، و المبادرة الشخصية أن الحداثة لم تشهد سيطرة و استغلالا و احتقارا لباقي الشعوب.

*** كيف إذن يمكننا كشف ملامح هاته السرديات التجميلية للحداثة ؟

– إن جميع هاته السرديات تُعتبر كمحاولة لاعتبار الحداثة مشروعا للتحرر و للرفع من المستوى المعيشي و ثراء تلك البقعة من العالم ، لكنها تتجاهل كيف تمّ ذلك ، تتجاهل سيطرة و استغلال أوربا لباقي العالم و من ضمنها القارة الأمريكية ، فإذا بدأنا من عام 1492 فلن نجد مهربا لإخفاء الوجه الحالك لمسار الحداثة المرتبط بالتوازي مع الاستعمار ، فكل ما يُدعى ” مشروع الحداثة ” بدأ مع ما سُمي باكتشاف العالم الجديد ، و ما خلفه ذلك من ثراء و تراكم الرأسمال على الصعيد العالمي الذي بدأ مع اسبانيا ثم انتقل لاحقا إلى باقي أوربا ، حتى أن باقي الامبراطوريات لم تقم إلا باقتفاء أثر اسبانيا و تقليد مسارها الذي بدأته خلال القرن السادس عشر ، و هاته المغامرة التي خاضتها اسبانيا ، قامت كل من انجلترا و هولندا و فرنسا بمحاكاتها بعد قرن ..و لكن بالعودة إلى سؤالك ، فإن خطاب تزيين الحداثة تم تعديله في باقي العالم و النظر إليه كحدث طبيعي و امتياز أوربي دون التنبيه إلى الاستغلال الاقتصادي و الابستيمولوجي فيه.

*** أين يتجلى هذا النهب الإبستيمولوجي ؟

– لقد سرقوا المعارف والعلوم من باقي الشعوب ثم أعادوا تدويرها و نسبوها لأنفسهم على أساس أن العلم كان شيئا خاصا بهم و بطبيعتهم كأوربيين ، مع أن أوربا و حتى القرن الخامس عشر كانت قرية مظلمة مهمّشة من قبل باقي العالم ، فعلم و تطور القارة جاء بفضل حضارات أخرى ، جاء من حضارة الهنود في أمريكا و من الحضارة الصينية و الاسلامية و الهندية و الافريقية ، و كل هاته المناطق كانت تعرف تطورا اقتصاديا و سياسيا و اجتماعيا و علميا ضخما ، فيما كانت أوربا مهمشة و فقيرة مقارنة بالاخرين ، و أضيف أنها كانت رجعية و ظلامية ، ففي الوقت الذي كانت محاكم التفتيش تحارب العلم هناك ، كان العالم الاسلامي يبرع في علم الفلك و البيولوجيا و الفلسفة ، و لكن تم حجب كل هذا لصالح تجميل الحداثة الأورومركزية.إذن ليس ثمة حداثة بلا استعمار و بدون سيطرة و استغلال لباقي العالم ، و بدون نهب اقتصادي و معرفي له ، الحداثة ليست مشروعا تحرريا ، هي كذلك فقط بالنسبة ل 20% من ساكنة العالم ، الذين يتمتعون بامتيازات و فوائد هذا المشروع ، و حتى في القارة الأوربية فالبعض لايصله سوى الفتات من ” المتفوقين عرقيا ” عنهم ، بمعنى أنه تاريخيا فقد انتفعوا من نهبهم لباقي العالم .إذا نظرتَ للحداثة كما يصفها البريطانيون الفرنسيون أو الألمان فإنك سترى نوعا مما يشبه ديموقراطية أثينا لكن على صعيد عالمي ، هاته الحريات هي لأجل أناس محدودين ، يحق لهم فقط التمتع بالديموقراطية و الثروة و يجب ترك باقي العالم خارج أسوار أثينا. و طبعا فباقي العالم هو شرط إمكانية هاته الديموقراطية لأنه منبع ثراءها ، فمنافع الحداثة في يد أقلية ، و لكن عوض أن يقولوا لك : لدينا هاته الامتيازات لأننا سرقنا الاخرين ، سيقولون لك أنهم حصلوا على ذلك بسبب أنهم عقلانيون ، و أنهم نشيطون اشتغلوا بتفان مع بعضهم البعض أو لأن لديهم علماء اكتشفوا المعارف و العلوم .

*** و ماذا عن النهب الاقتصادي ؟

انظر مثلا إلى الثورة الصناعية البريطانية ، إنها خدعة كبيرة ، بدايةً لأن أول ثورة صناعية في التاريخ لم تحدث في أوربا ، فالصين و الهند كانتا متقدمتان في ميدان الصناعة و النسيج قبل أوربا و قبل انجلترا ، فماذا فعل البريطانيون ؟ إنهم قاموا بتفكيك معامل الهند أثناء استعمارها و دمروا كل القاعدة التصنيعية و سرقوا التكنولوجيا و أعادوا تركيبها في ليفربول و لندن و مانشستر ، ثم ماذا حدث بعد ذلك ؟ الذي حدث هو أن المنتصر هو من يكتب التاريخ و هو من روى لنا خرافة الثورة الصناعية و مركزية أوربا فيها ، ثم قدّموا لنا سلسلة من العلماء على أنهم عباقرة انجليز ، و لحد الان لازلنا نقرأ في كتب التاريخ لائحة العلماء الذين اخترعوا الالة الفلانية أو الأخرى ، في حين قام هؤلاء فقط بسحب الماكينات التي سرقوها من الهند نحو بريطانيا و تطويرها ، و هذا التطوير كان دافعه الأساسي هو احتكار الانجليز للسوق العالمية سيما مع تدمير القاعدة التصنيعية لمنافسهم و سرقة تكنولوجيته ، و هكذا أوهموا العالم أن الثورة الصناعية بدأت معهم ، و بالضبط في انجلترا ، و بعبارة أخرى فقد حدثت الثورة الصناعية لأن عبقرية البريطاني تفوق باقي سكان العالم ، و لهذا تمكن البريطانيون اختراع كل هاته الالات …و مع ذلك ظلت الصين حتى القرن التاسع عشر كمشكلة لهم ، فشنوا عليها حرب الأفيون الشهيرة ، حيث سيدمر البريطانيون القاعدة التصنيعية التي بقيت ، تحت ذريعة حماية حرية التجارة ، ثم اخترعوا لاحقا سردية تاريخية عن مسار التصنيع مُخفين الوجه القبيح له ، مثلما يخفون أنه مسار قام على أكتاف عبيد أمريكا الشمالية و الكرايبي ، و إلا من أين كان يأتي القطن ، أليس من مزارع جنوب الولايات المتحدة ، و من أين كان يأتي السكر كي يظل العمال يشتغلون 16 ساعة يوميا ؟ أليس من الكرايبي ؟ و من كان يقوم بهذا العمل ؟ أليس العبد الإفريقي ؟ هذا ما لا يقولونه لنا حين الحديث عن الحداثة ، و عوضه يقولون أن التصنيع في أوربا كان ثمرة لعباقرة أوربيين من غير علاقة له بباقي شعوب العالم و هذا ما هو شائع لحد الان .

*** نعود إلى نقطة أشرت إليها في البداية ، ما هي طبيعة السرديات التي حيكت عن الجنوب الاوربي ؟

في منتصف القرن السابع عشر و بعد حرب الثلاثين عاما مع هولندا ، فقدتُم أنتم الاسبان دور البطولة ، و أصبحتم منذ ذلكم الحين دولة خاضعة و مُحتقَرة عرقيا من الأوربيين الشماليين ، و الان مع الأزمة المالية يقولون أنكم كُسالى و فاسدين و هذا سبب أزمتكم ، لا يتحدثون عن أن نهب و سرقة المركز المالي هو سبب الأزمة بل السبب هو طبيعتكم كاسبان ، و هو نفسه خطابهم نحو العالم الثالث. لقد عشتم ” أمل ” أوربا لخمس و عشرين سنة ، و الان انتهى الأمل ، و هذا “العشم ” في أوربا لم يكن لدى الأجيال التي سبقت دخول اسبانيا الاتحاد الأوربي ، هؤلاء كانوا يدركون الحقيقة جيدا ، ليس فقط لأنهم هاجروا إلى هناك و لكن أيضا للتفقير الذي عانوه في اسبانيا بسبب الشمال ، و ما كان يصاحبه من خطاب عنصري نحوهم ، و لكن للأسف بلع شباب اليوم الطُعم ، و ظنوا أنهم أيضا أوربيين و جزء من القارة الغنية ، الى ان استفاقوا الان على نفس الخطابات العنصرية نحوهم التي كانت رائجة في أواسط القرن السابع عشر و الى حدود بداية الثمانينيات ، و لكن هذا الخطاب الذي ظهر ضدكم منذ أربع سنوات مارسوه طيلة 500 عام ضد جنوب العالم الذي يشهد أزمة مالية خانقة و مفروضة منذ خمس قرون.

*رامون غروسفوغل Ramon Grosfuguel السوسيولوجي من أصل بويرتوريكي والبروفيسور بجامعة بركلي في الولايات الأمريكية، وهو أحد الباحثين الكبار في فلسفة التحرير، وتحديدا في مجال كلونيالية السلطة والفكر اللاتيني والفلسفة الأفروكَرايبية داخل الولايات المتحدة الأمريكية، ومهتم بالبحث عن نموذج جديد لجيوسياسة المعرفة غير الأورومركزية، ويعد طرفا بارزا ضمن جيل من مفكري أمريكا الجنوبية أو المنحدرين منها المشهود لهم بتأثيرهم التنويري والعقلاني وبإنتاجهم الأكاديمي المهم داخل أمريكا اللاتينية وخارجها.

عن موقع صحيفة حكمة:

https://hekmah.org/%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%B1-%D8%B1%D8%A7%D9%85%D9%88%D9%86-%D8%BA%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%81%D9%88%D8%BA%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D9%85%D8%A7/