من أرشيف البديل: تجارب دستورية/ الجيش واللغات والعلاقة بالكنيسة في الدستور السويسري

شهر واحد 3 أسابيع ago

بهذه المقالة نختتم جولتنا الاستعراضية التحليلية في الدستور السويسري آملين أن نكون قد أفدنا منها وبها القراء من المتخصصين بشؤون الدسترة والقوانين وغير المتخصصين ..

(المادة 49 - أولوية القانون الاتحادي والالتزام به

1) تكون للقانون الاتحادي أولوية على قانون المقاطعات "الأقاليم".

2) يشرف الاتحاد على التزام المقاطعات "الأقاليم" بالقانون الاتحادي.)

نسجل مبدأ أولوية القانون الاتحادي على القانون المحلي للمقاطعة وحق الأقاليم في عقد معاهدات فيما بينها بل وحتى مع أطراف خارج الاتحاد كما ستحدد مادة أخرى لاحقة بشرط أن لا تتناقض تلك المعاهدات مع قوانين أو مصالح. وهذا عكس تلك المادة العجيبة في الدستور العراقي والتي فرضها الخبير الأميركي روبرت غالبريت لصالح الزعامات القومية الكردية، كما تأكد فيما بعد في الصحافة الغربية، وهي المادة التي تعطي الكلمة الأخيرة والقرار النهائي في حال حدوث خلاف بين المركز "بغداد" والإقليم أو المحافظة لهذه الأخيرة وليس للمركز الاتحادي!

المادة 52 - النظام الدستوري للمقاطعات

1)   يحمي الاتحاد النظام الدستوري للمقاطعات.

2)   يتدخل الاتحاد إذا ما اختل أو هُدِّد النظام في مقاطعة ولم تتمكن هذه الأخيرة من حماية النظام وحدها أو بمساعدة مقاطعات أخرى.)

 نلاحظ أن السلطات الاتحادية لها حق التدخل في حال تهديد النظام العام في أية مقاطعة، فهناك جيش اتحادي سويسري مشكل على أساس ونظام الميليشيات كما ستذكر ذلك مادة أخرى لاحقا. وأن زيادة عدد المقاطعات الذي يعني انضمام مقاطعة جديدة إليه أو تشكل مقاطعة جديدة من مجموعة كومونات " أقضية " كما حدث مع كانتون "جورا" قبل بضعة أعوام، يتطلب موافقة ليس سكان المقاطعة المعنية خلال استفتاء فقط، بل موافقة الشعب والمقاطعات الأخرى وصدور قرار اتحادي من الجمعية العامة الاتحادية أي برلمان الدولة الاتحادية، وهذا خلاف ما تطالب به بعض الزعامات الحزبية الكردية في العراق من قبيل استفتاء شعب المحافظات الكردية الثلاث فقط أو استفتاء سكان كركوك فقط لتقرير مصيرها أو اشتراط موافقة البرلمان المحلي في أربيل على دخول الجيش الاتحادي إلى الإقليم وما إلى ذلك. إن هذه المطالب هي مطالب دولة مستقلة قائمة ولا علاقة لها بالعراق بل تريد الاتحاد معه في دولة موحدة "كونفدرالية" وليست اتحادية " فيدرالية"

المادة 58 - الجيـــش

1)   لسويسرا جيش، وهذا الجيش منظم طبقا لنظام الميليشيا.

2)   يعمل الجيش على تدارك الحرب وتوفير السلام ويقوم بالدفاع عن الوطن والشـعب. كما يدعم السلطات المدنية لمواجهة أية تهديدات خطيرة تمس الأمن الداخلي، وكذلك للتغلب على أية ظروف طارئة. ويمكن للقانون أن يسند إلى الجيش مهاما أخرى.

3)   يقرر الاتحاد تدخل الجيش. ويمكن للمقاطعات الاستعانة بالوحدات التابعة لها للحفاظ على النظام العام في منطقتها إذا لم تكن الوسائل المتاحة للسلطات المدنية كافية لمقاومة التهديدات الخطيرة للأمن الداخلي.)

يمكن التذكير هنا بما يتفوه به بعض السياسيين العراقيين الجهلة والذين يعتبرون كلمة "ميليشيا" سُبة وشتيمة مقذعة بحقهم وبحق مليشياتهم، وها هو الدستور السويسري يعلن دون وجل، وبما يقرب من الفخر، أن جيش دولته الاتحادية التي عمرها سبعة قرون والتي يعتبر دخل الفرد فيها من الأوائل عالميا هو جيش قائم على أساس نظام الميليشيا أي إنه من حيث الجوهر ميليشيا .

وبموجب هذا النظام يتدرب المواطن السويسري متى بلغ الثامنة عشرة من العمر لبضعة أشهر ويختار نوع السلاح الذي يفضله ثم يستلم بندقيته الشخصية وعتاده وملابسة العسكرية ليحتفظ بها في بيته، ويُستدعى مرة في كل سنة لأداء الخدمة العسكرية لثلاثة أسابيع وحين يبلغ الخمسين من العمر يعتبر قد انتهى من أداء خدمة العلم .

كما نفهم من مادة أخرى " 60"، أن هناك جيشا وطنيا رسميا اتحاديا قائما على أساس التنظيم المليشياوي و يكون تنظيمه وتدريبه وتسليحه أمر خاص بيد السلطات الاتحادية، هذا ما تؤكده الفقرة الأولى من المادة ولكن الفقرة الثانية تسمح للمقاطعات أو المحافظات بتشكيل وحدات عسكرية قائمة على أساس الجيش المليشياوي أيضا ولها الحق في تعيين وترقية الضباط وهكذا يكون لدينا الجيش الاتحادي من جهة والوحدات المحلية إلى جانبه من جهة أخرى.

المادة 69 - الثقافـــة

1)   تختص المقاطعات بشئون الثقافة.

2)   يمكن للاتحاد دعم الأنشطة الثقافية ذات الأهمية لكل سويسرا كما يمكنه دعم الفنون والموسيقى وخاصة في مجال ترقية التعليم.

3)   يحترم الاتحاد التعددية الثقافية واللغوية في البلاد عند قيامه بمهامه.

المادة 70 - اللغـــات

1)   اللغات الرسمية في سويسرا هي الألمانية والفرنسية والإيطالية. اللغة الريتورومانش هي أيضا لغة رسمية للتخاطب مع المتحدثين بهذه اللغة ولا يتجاوز عديدهم عشرة آلاف نسمة.

2)   تحدد المقاطعات لغاتها الرسمية. وحفاظا على الانسجام بين المجموعات اللغوية تحرص المقاطعات على التقاسيم الجغرافية التقليدية للغات وتضع في الاعتبار الأقليات اللغوية المحلية.

3)   يشجع الاتحاد والمقاطعات التفاهم والتبادل بين المجموعات اللغوية المختلفة.

4)   يساعد الاتحاد المقاطعات ذات اللغات المتعددة في القيام بمهامها في هذا الشأن.

 5) يدعم الاتحاد الإجراءات التي تتخذها مقاطعتا جراوبوندن وتسين للحفاظ على اللغتين الريتورومانش والإيطالية وتعزيزهما.)

 ثمة شيء من الغموض في صياغة الفقرة الأولى، فحرفيا تعتبر اللغات الأربع رسمية ولكن لغة الريتو رومانش خصت بعبارة " رسمية مع المتحدثين بها ". فهل يعني ذلك إنها غير رسمية للمكونات المجتمعية الأخرى؟ ولماذا تكتب بها العملة الورقية الى جانب اللغات الثلاث الأخرى ؟ بالعودة إلى النص الفرنسي للدستور وجدنا فرقا بين النص الفرنسي والترجمة العربية . وسوف نحاول ترجمة الفقرة حرفيا. تقول الفقرة ( اللغات الرسمية للاتحادية " الكونفدرالية" هي الألمانية، الفرنسية والإيطالية. الرومانشية هي أيضا رسمية في علاقات الاتحادية "الكونفدرالية " في مراسلاتها مع الناطقين بها ) لا ندري لماذا اختصر المترجمان العربيان هذه الفقرة المهمة عندما ترجماها، ولكننا نعرف الآن أن المقصود برسمية اللغة الرومانشية هو أن السلطات الاتحادية ملزمة بمخاطبة الناطقين بالرومانشية بلغتهم حصرا وليس بأية لغة أخرى .

المادة 72 - الكنيسة والدولة

1)   تنظم المقاطعات العلاقة بين الكنيسة والدولة.

2) يمكن للاتحاد والمقاطعات اتخاذ إجراءات في إطار اختصاصاتهم للحفاظ على السلام العام بين أتباع الأديان المختلفة.)

 هذه المادة لا تقول بفصل الكنيسة عن الدولة، بل تقول بتنظيم العلاقة بينهما وتجعل ذلك من اختصاص المقاطعات . وهذا يعني إنهما منفصلان عن بعضهما فعلا. وينبغي بالتالي تنظيم العلاقة بينهما لخيرهما كلتيهما. ولكن هذه الصيغة تبقي الأفضل لأنها أقل حدة في علمانيتها من الصيغة العلمانية الحادة في فرنسا مثلا أو في روسيا الستالينية. ومع إن دور الدين في المجتمع العراقي، وبالتالي دور المسجد، مختلف جوهريا عن دور الدين والكنيسة في المجتمعات الأوروبية، ولكن يمكن اعتبار هذه الصيغة الدستورية مجرد مفتاح من مفاتيح فهم علاقة الدين بالدولة حيث أن الفصل المطلوب دستوريا هو ليس كما شيع بعض السلفيين بين الدين والمجتمع، فهذا أمر غير جائز لأنه يعني إجبار الناس على التجرد من دينها، وتلك جريمة وخرق فظ لحقوق الإنسان، ولا هو أمر ممكن كما أثبت التاريخ، لأن الدين ليس ظاهرة أيديولوجية مؤقتة وسطحية بل هو ظاهرة كونية وروحية وتاريخية شديدة التعقيد والعمق والفرادة، بل الفصل المقصود هو بين الدولة كمؤسسات محايدة في خدمة المجتمع، وبين الدين كموضوع إيمان بين الإنسان الفرد وربه وتلك علاقة روحية وشخصية وبهذا الفصل يتم تحرير الدين من وصاية الدولة ورجال السياسية الساعين للمتاجرة بالدين سياسيا معا، وتحرير الدولة من وصاية رجال الدين والمؤسسات الدينية لتكون دولة لكل المواطنين دون تمييز أو تفضيل أو تفريق.

رابط بالمصدر / نشرت المادة بتاريخ: 10 /05  /2011 

https://www.almothaqaf.com/qadayaama/qadayama-09/48411-2011-05-10-13-18-33?fbclid=IwAR2LpZKYXP84zNlb3uo-Z7wxC5ISd9C6PEGdxNnpW8g3_smyxhT1AOLTmsQ