بين يسارين؛ اليسار الطهراني والآخر الأميركاني

يسار ويمين
شهر واحد أسبوعين ago

كتب محرر أخبار البديل: البعض من كتبة اليسار العربي والعراقي يعتبرون أي نقد لحكام طهران اليوم وأي رفض لتدخلاتهم في العراق وحمايتهم لنظام وأحزاب ومليشيات الفساد والتبعية عمالة لأميركا والصهيونية، هكذا بكل عته ومزاجية وسطحية، وهم بهذا يؤكدون أنهم لا يستطيعون الحياة دون تبعية عمياء لعاصمة معصومة، فنقلوا تبعيتهم العمياء من موسكو الستالينية الى طهران الخمينية، واستعاضوا عن العلاقة الرفاقية الندية والتضامن النقدي بالاستذيال الأعمى! وهؤلاء من هذا اليسار لا يختلفون كثيرا عن ذاك اليسار الليبرالي المندك في نضال التواصل مع السفارات ومنظمات المجتمع المدني ومعاهد الدراسات الأكاديمية المتحذلقة ممن لا يرون سوءا في العالم المعاصر إلا رموه على "تخلفنا العربي الإسلامي" ولا محنة أو مجزرة غربية بحق شعوبنا إلا رموها على "العنتريات التي ما قتلت ذبابة" و"خزعبلات النضال القروسطي العنيف"، فهذان اليساران يمتحان شرعيتهما من بعضهما كما يمتح القراد غذائه من الحصان الهزيل الأجرب!

ومع ذلك، فأنا شخصيا لا أخوِّن النوع الأول "الطهراني" من اليساريين العرب والعراقيين، ونادرا ما رددت عليهم - وتحديدا على المعتدلين منهم بهدف التوضيح وكشف الأكاذيب الإعلامية التي ابتلعوها سهوا أو عمدا- ولكني لم ولن أتسامح مع مَن أساء ويسيء منهم لشباب وشهداء انتفاضة تشرين وسخروا ويسخرون منهم، لأنهم بذلك خرجوا حتى عن تقاليد الخلاف الرفاقي بل والتضامن الإنساني الفطري بين البشر واصطفوا أو كادوا مع القتلة الحكوميين.

لقد شرَّف القدر شباب وشهداء انتفاضة تشرين بأن انتهت هذه الانتفاضة المجيدة وتوقفت عمليا قبل وصول عصابة كنعان مكية الكاظمي مشرق عباس الى الحكم - وبأصوات بعض الولائيين من أتباع طهران ودعم مباشر وعلني ممن ارتكب مجزرتي "جرة أذن" بحق شباب تشرين - ولكن حمقى اليسار الطهراني لا يريدون أن يفهموا كل تفاصيل المشهد بوحدته الفعلية بل يريدون أن ينتقوا ما يعجبهم ويهملوا ما لا يعجبهم ويجعلوا الموقف من الحكم في طهران، وليس الموقف من دماء آلاف الشباب العراقيين السلميين ومن مصير العراق واستقلاله هو الفيصل!

ورغم أنني أميل الى روح القول المنسوب إلى الإمام علي بن أبي طالب حين سأل عن رأيه بالخوارج - وفي رواية أخرى رأيه في أهل الجمل - الذين قاتلوه وانتهوا بأن قتلوه غيلة وهو يصلي، وفيما إذا كان يعتبرهم منافقين أو مشركين أو كفارا فقال "بل هم إخوان لنا بغوا علينا"، ولكن فليسمح لنا هؤلاء "الإخوان" المعاصرون فإن للصبر حدود على تمادي بعضهم في غيهم وسفاهتهم، وليتهم في الحد الأدنى كفوا عن الإساءة للشهداء وهاجموا عملاء أميركا في الحكومة الحالية والمنتفعين منها كما يفعل غيرهم ممن يتهمونهم بالعمالة لأميركا ظلما وغباء وتبعية، وهم بهذا لا يختلفون إلا من حيث القشرة مع "يساريين" آخرين سلموا قيادهم للسفارات الأجنبية وخاصة الأميركية والبريطانية ومنظمات مجتمعها المدني!