المساومة المستمرة على البيئة والإنسان
25 كانون الأول (ديسمبر) 2009 , بقلم عدنان السيد حسينالمستقبل - الجمعة 25 كانون الأول 2009 - العدد 3521 - رأي و فكر - صفحة 22
مساومة بين الدول الصناعية على حرارة الأرض، أي أن يبقى الارتفاع في حدود 1,3 درجة مئوية. ولا التزام قانونياً من جانب الدول الصناعية، وخاصة الولايات المتحدة والصين بوصفهما أكبر مسببين للتلوث البيئي.
إنها (بداية البدايات) على حد تعبير أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون، تمهيداً لعقد مؤتمر عالمي للبيئة في المكسيك، من شأنه متابعة نتائج المؤتمر العالمي في كوبنهاغن الذي حضره ممثلو 193 دولة، بينها 129 دولة ممثلة على أعلى مستوى رسمي. المراقبون لسير أعمال مؤتمر كوبنهاغن رأوا أن إعلانه النهائي هو (نصف فشل) أو (نصف اتفاق)، أو هو اتفاق غير إلزامي، أو أنه مجرد إعلان سياسي! فما أسباب التعثّر في حماية كوكب الأرض والإنسان من التلوث والإنحباس الحراري؟
كان أمين عام الأمم المتحدة أشار في تقريره السنوي منذ سنتين الى أزمة التغيير المناخي، أو أزمة البيئة الطبيعية. ورأى أنها أزمة معقدة، ومولدة لأزمات أخرى اقتصادية واجتماعية وأمنية، بل وإنسانية. فالكوارث الطبيعية تستهلك الموارد والثروات، وتقتل أعداداً كبرى من الناس فضلاً عن الصعوبات التنموية التي توجدها حاضراً ومستقبلاً، وأزمة الغذاء العالمية.
بعد ذلك، انعقد مؤتمر بالي ليبحث في مسؤولية حماية البيئة الطبيعية. وتضمّن تقرير ذلك المؤتمر مؤشرات خطيرة بينها أن الدول الهشة والضعيفة ستنفجر من الداخل تحت ضغط الإحتباس الحراري الشامل، وتراجع المساحة الزراعية واتساع دائرة التصحر والجفاف. ورأى التقرير أن التغيير المناخي سيرفع درجة حرارة الكرة الأرضية في نهاية القرن الحالي ما بين درجتين وسبع درجات مقارنة بما كانت عليه مع إنطلاقة الثورة الصناعية!.
وأشار تقرير بالي الى ضرورة وضع آلية لضبط المناخ العالمي في موعد أقصاه بين 10 و15 سنة. ونظر بايجابية الى الدول الناشئة وبخاصة الصين والهند، كما علّق أهمية على دور الاتحاد الأوروبي في حماية البيئة الطبيعية.
تتكرر التهديدات نفسها في مؤتمر كوبنهاغن بعد أكثر من سنة، دون أن تحسم الموقف الدولي لجهة اتخاذ قرارات الزامية تؤسس لقانون دولي للبيئة. قانون يحدد انبعاث الغازات الصناعية المسببة للإحتباس الحراري، قانون يفرض على الدول الصناعية ـ وفي طليعتها كل من الولايات المتحدة والصين ـ أجندة محددة في الإنتاج، ومبالغ محددة تُدفع للدول الفقيرة للعالم النامي. تحاول الدول الصناعية المعنية إجراء مساومة على الأرقام بدءاً من تخفيض كميات الغازات المنبعثة من المصانع، وصولاً الى المساهمات المالية لحماية البيئة الطبيعية.
وعلى الرغم من البرنامج الرئاسي الأميركي لباراك أوباما الداعي الى حماية البيئة الطبيعية، وتنويع مصادر الطاقة من أجل هذا الهدف الإنساني، فإن الولايات المتحدة في كوبنهاغن لم تُذعن للإرادة العالمية، ولا تمكن المؤتمرون من إقناع القيادة الصينية بإخضاع مصانعها للرقابة الدولية. هكذا تستمر المساومة على البيئة الطبيعية ومعها الإنسان، وسط ادعاءات واهية بحل أزمة البطالة والأزمة المالية العالمية.
ما بين منطق المساومة ومنطق الإلزام، تستمر المفاوضات الدولية منذ العام 1992 ـ تاريخ انعقاد مؤتمر ريو دي جينيرو للبيئة والتنمية ـ الذي أسس للعلاقة الجدلية بين البيئة والتنمية. ثم انعقد مؤتمر كيوتو في اليابان سنة 1997، الذي أدى الى وضع بروتوكول عالمي لحماية البيئة الطبيعية دون ان تلتزم به الولايات المتحدة. والنتيجة هي تهديد البيئة، ومعها الإنسان، بالفقر والمرض والموت.
هل يقل هذا الملف خطراً عن انتشار اسلحة الدمار الشامل بين الدول؟ إنها المادية المفرطة التي ساهمت بتسليح الإنسان، كما الإنتاج الصناعي بعيداً من كرامته ومصالحه في الحياة الكريمة. وعليه فإن العالم يحتاج الى شحنة من القيم الإنسانية قبل البحث بالاتفاقات الدولية.