fb

مسيحيو العراق وتحديات البقاء

16 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010 , بقلم جيروم شاهين

المستقبل - الثلاثاء 16 تشرين الثاني 2010

المسيحيون العراقيون هم من سكان بلاد ما بين النهرين الاصليين، احفاد البابليين والكلدانيين والأشوريين والعرب، المتمثلين بقبائل تغلب، واياد، ومضر، وربيعة، وسليم، وطيء. ولا شك في أن تاريخ المسيحية في العراق يعود الى بدايات هذا الدين السماوي، الذي ظهر في فلسطين، وانتشر في بلاد الشام والعراق والجزيرة العربية.

ظهرت المسيحية في العراق في القرن الأول الميلادي، حين اعتنق معظم سكان بلاد الرافدين المسيحية، فيما كان بعض منهم يدين باليهودية والمجوسية والمانوية الى عبادة الأوثان. وبعد ظهور الاسلام نحو سنة 600 للميلاد وسيادته على الجزيرة العربية وبلاد الرافدين وبلاد الشام ترك الاسلام لديانات أهل الكتاب، وخصوصاً المسيحيين حرية البقاء على دينهم وممارسة شعائرهم الدينية، كما كانت لهم مناظرات ومباهلات دينية مع الرسول محمد وأهل بيته. وبعد الفتح الاسلامي للعراق، تضاءلت اعداد المسيحيين على مدى قرون عدة، لاسباب، منها اعتناق الكثيرين الاسلام. وأقدم كنيسة في العراق موجودة آثارها في محافظة كربلاء، قرب بلدة عين تمر، وهي تعتبر من أقدم الكنائس في العالم.

كما أسهم المسيحيون العرب، وخصوصاً في العراق، في النهضة في تاريخ الخلافة الاسلامية، ولا سيما في عهدي الامويين والعباسيين. فعندما بنيت بغداد، وانتقلت اليها الحكومة العباسية، شجعت السلطات حركة التأليف والترجمة، فبدأ العلماء والاطباء والمثقفون السريان المسيحيون يتوافدون الى بغداد للاسهام في هذه الحركة العلمية التي بدأت تزدهر في عهد هارون الرشيد، حينما اقيمت اكاديمية بيت الحكمة في عام 800 تقريباً. وبرز عدد من العلماء والاطباء والفقهاء السريان، الذين كانوا من اصول آرامية وعربية وكلدية وآشورية، فأسهموا منذ نهاية القرن السابع وحتى القرن العاشر في الحركة العلمية والحضارية العربية. وقد احصى ابن النديم عدد المساهمين في حركة الترجمة العربية، فظهر ان معظم هؤلاء كانوا من الصفوة المتعلّمة من السريان، ومعهم عدد من اهل حرّان ذوي الاصول البابلية الكلدية الذين يطلق عليهم (الصابئة). وعلى الرغم من طابع المد والجزر في العلاقات الاسلامية المسيحية وفق الحكومات والحكام، الا ان التعايش الاسلامي المسيحي استمر في العراق وصولاً الى الحقبة العثمانية التي لقي بعض المسيحيين وكثير من المسلمين، خصوصاً العرب منهم، ظلماً كبيراً خلالها. وعاش المسيحيون العراقيون مع اخوتهم المسلمين خلال فترة الحكم العثماني (1534 1918م)، وتحملوا صعوبات هذا العهد وشقائه من ظلم وفساد سياسيين، فضلاً عن عراقيل اجتماعية واقتصادية، الامر الذي ابقاهم بعيدين عن ميادين الفكر والنهضة، وذلك بسبب النظرة الشوفينية التركية. في عهد الاستقلال، اقرّت الحكومة العراقية للمسيحيين حق انتخاب خمسة نواب من بين مئة نائب لمجلس النواب الجديد. كما استوزر عدد منهم منذ الحكومة النقيبية الاولى عام 1920 وعهد لبعضهم بوظائف مهمة. وكانوا صفوة من المتعلمين والمثقفين الذين تخرّج معظمهم في المدرسة الثانوية للآباء الدومينيكان في الموصل، وبعضهم تخرج في كليات تركية واوروبية، وكذلك في مدرسة الحقوق العراقية التي تأسست عام 1908. فقد كانت من اوائل كليات الحقوق في الوطن العربي، وتخرّج منها عدد من المثقفين والشخصيات العراقية.

المسيحية هي ثاني رسالة سماوية في العراق من حيث عدد الاتباع بعد الاسلام، وهي رسالة معترف بها وفق الدستور العراقي، الذي يقر بأربع عشرة طائفة مسيحية في العراق مسموح التعبد بها. ويتحدث غالبية اتباع الطوائف المسيحية اللغة العربية كلغة ام، في حين ان نسبة منهم تتحدث باللغة السريانية، بلهجاتها العديدة، وباللغة الارمنية.

وقُدّر عدد المسيحيين في عهد الاستقلال عام 1920 بـ5 في المئة من عدد سكان العراق الذين كانوا يبلغون خمسة ملايين نسمة، بعد ان كان المسيحيون في القرن السابع للميلاد نحو نصف سكان العراق. وشكّلت نسبة المسيحيين، بحسب احصاء عام 1947، 3,1 في المئة اي نحو 149 الف نسمة من اصل الاربعة ملايين ونصف مليون عراقي. وقدر عددهم في الثمانينات من القرن الماضي بين المليون والمليوني نسمة من مجموع السكان. وانخفضت هذه النسبة بسبب الهجرة خلال فترة تسعينيات القرن الماضي، وما اعقب حرب الخليج الثانية من اوضاع اقتصادية وسياسية متردية.

ووفقاً للاحصاء الذي اجري في العام 1977، فإن 2,14 في المئة من سكان العراق هم مسيحيون، وان نسبة النمو في صفوفهم تراجعت من 3 في المئة في 1957 الى 0,73 في المئة عام 1977. وكان عدد المسيحيين في العراق نحو مليون و684 الف نسمة عام 1977، تدنى في آخر احصاء عام 1987 الى مليون وربع المليون نسمة، بنسبة 5 في المئة من الشعب العراقي. وعشية الاحتلال الأميركي عام 2003 بلغ عدد المسيحيين العراقيين نحو 700 الف شخص، اي نحو 3 في المئة من اجمالي عدد السكان البالغ نحو 25 مليون نسمة. اما اليوم فمن الصعوبة تحديد عدد المسيحيين في العراق، وان كان بعضهم يقدّر عددهم بما بين 530 الفاً و650 الف نسمة، ويقدّر عدد الذين غادروا البلاد بنحو 350 الف نسمة. فقد تسارعت وتيرة هجرة المسيحيين بعد احتلال العراق عام 2003 واعمال العنف الطائفي والعمليات الارهابية التي عصفت به، وادت الى تهجير عدد كبير من مسيحيي بغداد خصوصاً ضاحية الدورة اضافة الى مسيحيي المدن الاخرى، الى خارج العراق، او الى منطقة اقليم كردستان الآمنة نسبياً. وغني عن القول ان هذه الاعمال الارهابية استهدفت المسلمين كما المسيحيين، وادت الى تهجير العراقيين من جميع طوائفهم.

fb