fb

الرجل الذي لم يمت من قبل

29 كانون الأول (ديسمبر) 2009 , بقلم نصري الصايغ

لم يمت أنيس صايغ في الموعد الاسرائيلي. كان عليه أن يلتحق بغسان كنفاني، بعد عشرة أيام من اغتياله، على أيدي الموساد الاسرائيلي. أنيس صايغ، ظل على قيد الحياة، برغم اعلان الإذاعة الاسرائيلية، بعد عشرين دقيقة من انفجار رسالة ملغومة في وجهه «مقتل انيس صايغ الذي يتولى تدريب الارهابيين الفلسطينيين في أوروبا على القتال».

تعليقه يومذاك كان: لم أمت. الإذاعة الاسرائيلية كذبت. واستمر أنيس صايغ، طوال حياته المديدة، في مقام تكذيب اسرائيل في مزاعمها وادعاءاتها وايديولوجيتها وديموقراطيتها. يومها، أخذوا منه اليسير من بصره، وظل مبصراً. أخذوا منه بعض عافية الوجه والكتف وأصابع اليدين، واستمر يكتب ويكتب ويؤسس، حتى بات مرجعية فلسطينية، في الثقافة والوطنية، فاستحق مرتبة الأمين على القضية، أرضا من النهر إلى البحر، وإنسانا، فلسطينياً عربياً، حتى النفس الأخير.

منذ أيام، مات أنيس صايغ. في المنفى. وطنه اللبناني لا يعوض فلسطين. هويته السورية لا تلغي مسقط الرأس والقضية. عروبته النهائية، نهائية كيانه، لا تنسيه طبريا، وبحيرة الماء فيها، وأقدام المسيح تمسح وجه الماء، وبائع السمك الذي صار رسولاً. مات... ولن يعود، ممنوع على الفلسطيني ان يموت في أرضه. ليكن قبره بعيداً جداً. وكثر غيره عادوا ولم يصلوا. هشام شرابي عاد ووصل إلى بيروت. جورج حبش عاد ووصل إلى الأردن. ادوارد سعيد ذر رماده في المنافي، لا في فلسطين.

صدق يوسف صايغ في حياته. وكذب في مماته. طبرية سيدة المدائن وعميدة الانصار. هي مآل الاحلام والتطلعات، وهي الأعز في القلب والأقوى في الوجدان. وهي الخاتمة الطبيعية لطريق الحياة الوعرة نحو الراحة النفسية وربما الراحة الجسدية الابدية أيضا، بيروت هي المحطة النهائية لي قبل العودة إلى طبريا، سواء تحققت هذه العودة فعلا أو بقيت حلماً في الخيال... فأنا طبراني لا غش فيه». وحده الفلسطيني، حتى اليوم، يعود ولا يصل.

عندما كتب أنيس صايغ عن «أنيس صايغ». برر كتابة مذكراته كي يتعرف هو على نفسه. فهل عرفها؟ قال الاشياء بلا ادعاء. خلط الانتماءات في هويته ليكون فرداً مختلفاً. «انا فلسطيني وأنا لبناني وأنا سوري. لكنني عربي أولا وإنساني في نهاية الأمر. عروبة تخدم فلسطين ولبنان وسوريا، مثلما تستمد منها كلها وجودها وقوتها، وتقوم على القيم والمثل الانسانية العامة».

وترجم أنيس صايغ انتماءه. نضالا وثقافة. لم يهدأ. مسيرته لسان حال امانيه وأحلامه وقضيته. «خمسون سنة ومسعاي تحرير فلسطين أولا وأرض العرب كلها ثانيا، لالغاء الكيان المغتصب وعودة الشعب المقتلع وتحرير الانسان والأرض معاً. وفي الوقت نفسه أمارس الصنعة الثقافية لتصبح المعركة بعد التحرير ركنا أساسيا في بنيان فلسطين الغد. فالثقافة تحرر والتحرير يثقف. فهما معاً غنى حضاري».

لقد اختصر أنيس الصايغ رحلته بهذه العناوين. ترهبن للقضية، تقشف في مسلكه، كأنه من جنس المتصوفة الذين قرنوا العلم بالعمل. نذر آلامه ومصاعبه وأحلامه وجهده، كي تكون فلسطين، فمن دونها، لا جدوى لأنيس وسواه من رواد العقل والفعل. ولذا، ولتزمته في التزامه وحرارة عطاءاته، تحوّل أنيس صايغ إلى مؤسسة متنقلة. فحيث يعمل، تنشأ مؤسسة فلسطينية وعربية. وحيث يغادر، يكون قد برأ ذمته مع ذاته وقضيته، غير نادم على منازلة خاسرة، أو معركة غير متكافئة، مع أولي الأمر والمال والسلطة.

هو هو... أنيس صايغ ليس مجيّرا لغير ذاته. مثقف عضوي ملتزم من الألف إلى الياء، ومن الجرح إلى الشهادة التي فاتته ذات صباح في بيروت.

هو هو... من أولئك الذين طافوا الدنيا، وظلت طبريا جنته، وعرفوا الممالك والسلطات، واستمرت فلسطين عالمه، وكل ما حولها دونها، وما فوقها أقل منها، وما أجمل منها، أقل منها بهاء. هي الجسد وقد تخلّد في تضاريس القضية، وهي الروح وقد تنزلت في العقل والقلب، ولا انفصام. الفلسطيني

طاف العالم، وكان ما عدا فلسطين، باردا، داكنا. وبرغم اقامته في بيروت، فقد عاش فيها فلسطينيا، حبرا وكلاما وأوراقا وجهدا ونضالا.

ويكفيه، أنه المدين في كل حياته لانتمائه الى فلسطين الأم انه اضاف اليها في المنافي، فلسطين العقل والمعرفة والعلم والنقد والمؤسسات. يكفيه، انه كان «فلسطيناً» أخرى، كغيره من الذين أضافوا الى الأرض والشهادة، عمق الولادات، وآفاق الكلمة، وثبات الحضور. محمود درويش الفلسطيني له فلسطين الشعر، تضاف الى فلسطين القضية، وانيس صايغ الفلسطيني. له فلسطين الثقافة، تضاف إلى فلسطين الأرض، من النهر إلى البحر، و«لا تنازل عن ذرة تراب» لأنه صنو الروح وهذه لا تتجزأ.

تخسر فلسطين بغيابه، من أحضر فلسطين الكتاب إلى بيروت، إلى جانب البنادق. فإن كانت الأخيرة قد شذت أحيانا، فمؤسسة الدراسات، خاضت معركة العقل في صراط مستقيم. تخسر فلسطين، بغياب أنيس صايغ... مرجعية ثقافية غرست في التراث العربي الحديث، ما تعجز عنه مؤسسات ومعاجم وكتب.

ومع ذلك... فلا تكريم يستحقه أنيس صايغ على جهده ونضاله. ختم كتابه بما يلي: «ما من فلسطيني أو عربي يستأهل التكريم ما دامت فلسطين لا تزال تخضع لحكم الغاصب المحتل، وعندما يحول أنيس صايغ تلة أم قيس من شرفة يطل منها على طبريا السليبة يروي برؤياها غليل الشوق إلى محطة متقدمة على درب النضال نحو طبريا، يحق لصدره ان يحمل وساماً... ان أكاليل النار من حق المنتصرين فقط، العائدين فعلا إلى المنابت التي حرروها ليمارسوا فيها حرياتهم... في طبريا... وعلى الطريق إلى طبريا، ومن أجل طبريا، يطيب الموت، لأن المرء يموت واقفا، وكأنه لا يموت».

غدا، أو بعد طول غد، يعيدونك إلى شاطئ طبريا، وقد تحررت من الاحتلال. سيكون لك قداسك الفلسطيني. وستفرح طبريا بعودة ابنها. انها ميدالية طبريا.

fb