fb

رواية إلهام منصور «تركت الهاتف يرن؟» كتابــة الحــد الأدنــى

1 كانون الثاني (يناير) 2010 , بقلم مطاع صفدي

هل نقول إن الرواية العربية تعيش مجدداً مرحلة ازدهار أم أن أزهار الشتاء ليست هي الربيع. ومع ذلك يتمدد إعلام الفقاقيع السائد مع موجة السياساويات الزائفة، إلى النتاج الأدبي الحامل لعناوين روايات الأنثى الطاغية على كتابات الذكورة والفحولة. فمنذ سنوات تقفز في كل موسم، حكايات النساء إلى واجهة الصفحات الأدبية. فيعترض القراء الرزينون على ظاهرة تسويق فضيحة الجنس كعمل إبداعي. لكن اعتراضات القراءة المجهولة الاسم والعنوان، ليس لها ما يعرضها، ولا من يتداولها بين النقاد، المنزاحين هم بدورهم عن أمكنتهم المعهودة، أمام زحف كتبة الصحافة.

هكذا تروج كتابة الفراغ، والخلوّ المضاعف من ذخيرة التجربة والحياة، كما من ذاكرة الثقافة والمعنى. تتساقط رواية الأنثى في فخ الفولكلور الجنسي قبل أن تتعلم ما يعنيه التحدي الإبداعي. فالكتابة بألفاظ الجنس وأحواله، كأنها تنويع تشكيلي على موهبة الجسد في الإغراء. لكنه ذلك الإغراء الفاشل في استخدامه لوسائله الطبيعية، فيلجأ إلى الورق والقلم ليباشر من هناك صنعته الجديدة. ما يؤكد أن الكتابة عن الجنس قلما تحقق كتابة الجنس إبداعياً، إن لم تكن تعيقها وتحبط إمكانية التمرس بصعوباتها وجماليتها. إنها عين الإشكالية المثارة دائماً حول رواية السيرة. فهل هي تحيل على تأريخ شخص الراوي أو الراوية، أو أنها تقدم كتابتها (الخاصة) في الذات.

إلهام منصور تتابع، عبر ثماني روايات، كتابة سيرتها الخاصة، أو الشخصية، في الذات. كانت تعرض فصول حياتها كإشكاليات تخصها وحدها؛ لكنها في الوقت عينه راحت تبحث عن ثمة ذات لا تعرفها، وإن هي عاشت أحداثها تحت طائلة فقدان الذات، كمعيار لما لم يوجد بعد، فلقد أعطت لسيرتها الروائية القادمة منذ عملها الثاني، صفةَ رحلة مع الجسد. ذلك الكيان شبه المعطى كله لصاحبه، في لحمه ودمه، وعبر قصة طفولته ومراهقته ونضجه، المترفة والعابقة أخيراً بأحلام الشابة الجميلة المنتظرة رجل المستقبل والبيت السعيد. إنه الجسد الذي لا تمتلكه صاحبته بعد. تعيشه كوديعة للآخرين عندها، كحارسة لكنوزه السرية الثمينة. إنه الجسد النسخة، المرصود لنموذجه المتداول خارج حدوده.

مثلما يوجد هناك نموذجه المشاع، صناعة العائلة والقرية والمدرسة والجامعة والوظيفة، كذلك يوجد نموذجه المضاد، صناعة التحرير بالجنس والحب والقضية، كما في اليأس والقلق والعزلة. نموذجان صانعان لحياة الجيل قبل ولادته. فالحديث عنهما متروك للعلوم الاجتماعية والإنسانية، أو لسرديات الوقائع النمطية العابرة ـ فأين هو الفعل الروائي الإبداعي حقاً. ذلك هو سؤال الغارق بين قصص كل يوم، وبين السيرة الإبداعية التي يمكن لكل آخر أن يقرأها ويتفاعل معها، كأنها تخصه بطريقة ما.

رحلة الكتابة (مع) الجسد، تفترض تحديها المصموت في بلوغ كتابة الجسد، بدون فواصل متوهمة بين اللغوي واللحميّ. فالسرد الروائي لا يهدف إلى الإتيان باللغة التي تحاكي الجسد. بل عليها أن تُمَسْرحه. وقد تحتاج هذه المَسْرحة إلى نهرٍ من روايات الاعتراف باستحالة التوحيد بين السردي واللحمي. هنا يتدخل الإبداعي وحده ليخلق وهمَ هذا التوحيد. وعند ذلك فحسب، يمكن للكاتب أن يحدثنا عن تأويلٍ لسيرته، كأنها سيرة آخر سواه. فلا تعود رواية السيرة شأناً من شؤون الكاتب في محاولته للمصالحة مع ذاته، وقد تقارب الذوقَ الإبداعي العام.

القلم واليد

يقول بيكيت إن أدب العصر الأخير هو كتابة الحد الأدنى. فلا يبقى القلم منفصلاً عن اليد التي تمسكه، أو بعيداً عن الجسد الذي يترجمه. فالسيرة معيارُها النقدي أنها تأريخٌ لموضوعها، للشخص بعين ذاته. أما الرواية/ السيرة، فإن معيارها هو الحد الأدنى من وقائع التأريخ الشخصي، من أجل سرد الوقائع اللاشخصية، المتحرر أصلاً من آمر القول، وذلك بكتابة الصمت أو المسكوت عنه، ومن آمر الفعل أيضاً، وذلك بقدرة النص على إعطاء فسحة الأفعال غير الممكنة بعد. وقد تخسر الرواية/ السيرة مباراتها مع مثالها الإبداعي، إن لم تقنع القارئ بأكثر من محاكمتها على أساس مرآويتها لمشروعية حَدَثيتها فحسب، ومن ثم أخلاقيتها. إنه نقد النص ليس بمعزل عن كاتبه، ولكن في ما يشبه موقف الحياد إزاء ما ليس معروفاً أو معروضاً من أحوال الكاتب، أو خصوصياته. وهنا يصبح النص هو الحاكم بأمر أقواله وحده. غير أن جل الكتابات النسوية (العربية) تناقضت مع هذه المسلّمة. فكانت رواياتها أشبه بعرائض أحوال لأصحابها. فلم تستطع أن ترقى إلى مستوى إشكالية الاعتراف بالذات من مدخل نزوات الجسد وحدها دون حقوقه الطبيعية، ومن ثم الإنسانية. وفي مسلسل رحلة الكاتبة منصور، مع جسدها خلال رواياتها الثمانية، التزمت كتابة الحد الأدنى من استطيقا السرد الروائي، كي يحتفظ الحدث التجريبي بخامته الواقعية المباشرة. حاذرت الروائية ما أمكنها، وخاصةً في كتبها الأولى، السقوط في فولكلور الفضيحة الجنسية. ذلك أن كتابة الجسد تتبع خطاً نحيلاً بين هاويتين: إما التشخيص المبتذل من ناحية، أو التوصيف النمطي من ناحية أخرى. فلا يكون الجسد مجرد حقل تجارب للمتعة اللحمية، بديلاً عن معاناة انفقاد الأنثى لحريتها الوجودية. فالإشكالية الإبداعية في ظل هذا التحدي، تبرز من خلال هذا السؤال الفلسفي: كيف يمكن للارتحال مع الجسد ألا يوصل في نهاية الشوط، إلا إلى الجسد وحيداً بدون إنسانه.

المرأة، والعربية منها خاصة، لا يمكنها الانخراط في صراع الاعتراف، متخليةً عن تمثال جسدها، أو متحفّظة على حاجاته وأهوائه. والرواية الأنثوية بالتالي ليست منوطة بوظيفة كاتب أسرار الجنس أو الكاشف عن ألغازه. وربما وقع الجيل الأول من كاتبات هذه الوظيفة، النضالية أحياناً إن صحَّ التعبير، في شراك إغراء التمرد والتفرد ببطولات الاحتراق، ضداً على المقدس الخارجي، الاجتماعي واللاهوتي.. وكانت لهذا الجيل صولاته وجولاته في انتزاع بعض الاعتراف بما سوف يسمى بهوية اسمها الخاص، خارجَ لوحة التصنيف المتداولة كزوجة أو أم أو إبنة أو أخت للذكر الآخر الملحقة به دائماً: ولعله يحين دور الجيل الثاني المعاصر، في شق الطريق أمام صراع الاعتراف الأصعب، الذي لن تنتظره الأنثى المبدعة من مؤسسات الخارج، بل تكتسبه هي أولاً في عين ذاتها، قبل عين الغير.

قد تتوج إلهام منصور رحلتها مع الجسد برواية هذا النموذج الجديد من صراع الاعتراف الأصعب بالذات، ومن أجل الذات فحسب؛ وذلك عندما تحسم أمرها، فتقرر أن «تترك الهاتف يرن». فلم يعد ثمة آمر آخر للقول يأتيها من الطرف الآخر، من العالم.. سوف يهدأ رنين الجرس الهاتفي أخيراً. يسود الصمت. يبلغ الكلامُ حَّده الأعلى متحداً مع حده الأدنى في لحظة اللاكلام. بلوغ الصمت ليس هو مهلة اللاقول بين قولين. إنه ذلك الصمت المحض الذي تَحرَّرَ من آمر القول. أو انه يحلم بذلك. ما بعد الرحلة

في كل رواية من صيرورة الارتحال مع الجسد، تشرع الذات في جولةِ تصفيةِ أقنومٍ من أقانيم صراع الاعتراف. كيف تكون الطفلة المدللة في بيت العائلة. ثم تصير الصبية الأجمل والأرقى بين عذارى القرية، والأذكى بين زميلات المدرسة. وكيف يتم إعدادها عروساً للفارس القادم. وكيف يتحطم البيت الزوجي. وتبدأ مسيرة انكسار المؤسسات، سواء منها السابقة على البيت الزوجي، أو ما سوف تتابع بعدها أشباهُ مؤسسات التغريد خارج الأقفاص كلها. الاختلاف الذي يحين أوانه مع صمت الهاتف، لا يؤذن بالخاتمة، لا يأتي باستراحة المحارب، أو بتصفية حساب الشاعر الصوفي مع وعثاء الدنيا. قد يفتحَ باب السر الحقيقي. فإن تراجيديا الغيرة بين المرأتين، الناقدة التقليدية، ومشروع الروائية المتطورة عن أستاذة الفلسفة الجامعية، تسجّل، هذه التراجيديا، صراعَ الاعتراف في مرحلتيه، من أجل الذات ضداً على الآخر، ومن أجل ذاتها كآخر، بحسب مصطلح بول ريكور.

تتساءل الكاتبة في معرض روايتها: إن كانت الصداقة بين المرأتين مستحيلة. كأنها تميل إلى الجواب الإيجابي، لكن المسألة قد تحتاج إلى إعادة النظر عند كل قصة للمفرد عندما لا يكون ثمة مفر من المثنّى، من آمر المثنّى. شرط أن يسترد الواحدُ مفردَه في لحظة الحرج الحقيقي، عندما يطرح صراعُ الاعتراف حدّه الأعلى في اكتسابه جائزةَ الحرية أو خسارتها. لعلّنا سنقرأ ذلك في روايةٍ قادمة، ما بعد الرحلة مع الجسد. (كاتب سوري)

fb