fb

المحروسة تستيقظ فتتنهد الأمة

1 شباط (فبراير) 2011 , بقلم نهلة الشهال

وللحق، فالمحروسة لم تكن في سبات، لم ترد ذلك ولم تختره، بل كانت في خدَر، كلما اقترب من التبدد نُوِّع المحلول المستخدم وضوعفت جرعاته. أليست ثورات الخبز المتتالية من صنعها؟ أليست إضرابات عمال حلوان والمحلة على امتداد سنوات، كان آخرها وأشدها في 2009، شاهداً على ذلك؟ أليست حركة «كفاية»وأخواتها، بناتها؟ ألم يتألم المصريون ويخجلوا من مساهمة حكامهم في حصار غزة؟ ألم يئنوا من اتفاقيات السكويز والغاز مع إسرائيل؟ ألم يشعروا بأن مصر تفقد عظمتها التاريخية، ووزنها ودورها في المنطقة، جراء الانحطاط بها إلى درك تسول رضا الأمريكان والإسرائيليين؟ ها هي البهية تقول كلمتها، ويخرج شبابها وشيبها من الرجال والنساء، ومن كل الفئات، وفي كل المدن حتى الأقاصي، ليعلنوا أنهم يريدون الخبز والكرامة والحرية. ما أحلى الثورات! قد تُهزم، قد تُباد. قد تُحبط، قد تُخان، ولكنها تبقى لحظات التاريخ الجديرة بالتسجيل. ويا «بخت» من يكتب له المشاركة فيها أو حتى معايشتها، وهو حظ لا يحوز عليه الجميع. أربعون ألفاً من عمال المحلة، أولئك الذين اضربوا في السنوات الماضية واحتلوا مصانعهم، وأنشأوا فيها لجاناً ذاتية، فكان كل ذلك بمثابة تمرين، «بروفا» للاوركسترا الحالية، كما يقال. هؤلاء خرجوا يوم الجمعة للانضمام إلى التظاهرات. وعمال السويس أعلنوا السبت الإضراب المفتوح. السويس بطلة المقاومات! حتى إن رجالاً من تلك العهود وجدوا الهمة للانضمام الى التحركات، ونقلت الإذاعات والمواقع حماستهم التي لم تمحها السنون. وبين الحدثين، تكلم الرئيس مبارك ساعياً إلى «تهدئة الخواطر»، فضحى بحكومته ووعد بإصلاحات. ثمة من كان حقاً نائماً على حرير، أو كما يقول المصريون «في العسل»، ولا بد أن الصفعة التي أيقظته قد كانت أليمة! ولكن مفردات ما يجري تتجاوز ما اعتاد على فك رموزه، وهنا المشكلة. فالسيد الرئيس يسعى إلى استرضاء الناس، ولعله إذ يكتشف الصعوبة الجدية في ذلك سينتقل إلى صعيد آخر، أكثر دموية. وهذه فرضية لا بد من الاستعداد لمواجهتها، وهي مجهولة النتائج. وفي حين تبدو أكثر من سلطة في المنطقة تترنح، ومن لم تبد عليه العلامات يتحسس رأسه، فلا بد من اعتبار أن الدرس الأول الذي استخلصه أصحابها من الحدث التونسي هو ضرورة اعتماد إستراتيجية «يا قاتل يا مقتول». فمنْ من حكام المنطقة يريد اللحاق بمصير بن علي، ومن يتخيل الأنتربول يلاحقه، وتصادر الدول - التي كانت حتى الأمس صديقة وداعمة - ممتلكات عائلته وتوقف أفرادها وأصدقاءهم، ويسرَّح الوزراء والنواب إلى بيوتهم، ويوقف الأمن المستعاد وطنياً مِن عتاة المرتكبين لم يتمكن من الفرار، ويسجنه. هذا عدا الفضائح التي ما زالت مستورة. ولأن الرئيس مبارك لا يبدو قادراً على السيطرة على الموقف بفعل مزيج القمع العنيف الذي مارسه لأربع وعشرين ساعة، والوعود المتلعثمة، فهو اختار ترك الأمور تفلت على أساس «إما أنا أو الفوضى». وهذا أيضا تكتيك قديم، لمحت إليه السلطات القائمة (مستغلة كثيراً المشهد العراقي بعد سقوط صدام حسين)، وإن تكن الفرصة لم تتح له لوضعه في الاستخدام. وقد سعى الرئيس المصري خلال اليومين اللذين تليا الرصاص الحي الى إطلاقه، فسحب تماماً كل رجال الشرطة من الطرقات وأفلت فيها «البلطجية»، وشجع أعمال السلب والنهب. وهو يعرف أن الخوف من الفوضى، كما التعديلات الشكلية في واجهة الحكم، لو نجح أي منهما فسيكون حلاً مؤقتاً. ولكن ذلك لا يهمه. فهذا النموذج من السلطات لا يحسب الأمور إلا على المدى المباشر. وهذه «سمة العصر»، التي أسستها الرأسمالية المالية والمضارِبة، الطيَّارة تعريفا، وباتت إيديولوجيا عامة. ومثال الأمريكان دقيق، فهم ذهبوا بكل خفة إلى أفغانستان والعراق، وتبنوا في السياق إعلانات طنانة وأنتجوا تحليلات براقة، بينما هم لا يعرفون اليوم كيف يخرجون من هناك بأقل الخسائر. ومثال إسرائيل هي الأخرى فصيح، وإن كان الناس لا يصدقون أنها إنما تجري بكل قوة وحزم واندفاع... إلى حتفها. ولكن، وإزاء ما يبدو من فشل لحل الفوضى، فقد يلجأ النظام إلى «إنقاذ نفسه بالتضحية برأسه»، وهو ما يبدو الآن موضع نسج، لا شك بأن القوى الدولية النافذة ليست بعيدة عنه. فبلاد النيل تمتلك في حساباتها موقعاً استراتيجياً خطيراً، لا يمكنها التفريط به. وعلى هامشية تونس بالمقارنة مع مصر، فقد جرت محاولة مماثلة هناك، لإنقاذ النظام عبر الاكتفاء بالتضحية برأسه، وإن كان تحقيقها لا يبدو يسيراً، ولكن صياغاته ما زالت مستمرة، وهي اليوم حقل الصراع القائم هناك. وفي مصر، يؤمل أن يتمكن هذا الحل من السيطرة على الموقف. ويستند هذا الأمل إلى مكامن الضعف البنيوي في حركة المعارضة، وفي الانفجار القائم، لاستغلالها في استنزاف الانتفاضة، حيث يفترض هؤلاء المخططون أن عفويتها هي عيب بقدر ما هي ميزة. فإن لم يفلحوا هنا أيضا، فيُخشى أن يرتدّوا إلى العنف العاري. إلا أن هذا الأخير قد يُسقِط هو نفسه السلطات التي تقرر اعتماده. فعند حدٍ، يمتلك التاريخ وحده سر كيميائه، يحدث إشباع، إذ لا يعود حمام الدم يخيف الناس. وأيا يكن ما يخبئه مقبل الأيام لمصر، فتحية لأم الدنيا، ولأبنائها وبناتها الشجعان، الذين لم ينفع معهم لا التخويف، ولا «الأمن المركزي»، ولا الإفقار الشديد، ولا الإفساد، ولا التيئيس. وقد حققوا ما يؤسس للإنجاز: تصديقه والبرهان على إمكانه!

السفير

fb