نسخة من المقال للطباعة fb

كتاب / العراق الموحد وإشكاليات المواطنَة والهوية لعبد الحسين شعبان

25 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009

مراجعة: ريتا فرج

حين خلص عالِم الاجتماع علي الوردي في تحليله للشخصية العراقية الى أنها مصابة بالازدواجية، لكونها تختزن قيماً متناقضة بين البداوة والحضارة؛ لم يخرج بهذه النتيجة إلاّ بعد دراسة انتروبولوجية علمية لبنية المجتمع الذي كان أحد أبنائه؛ فالعراق الذي اعتاد على أنماط العنف والانقلابات المباغتة، افتقد للاستقرار السياسي أقله منذ تاريخه الحديث، ما أفضى الى غياب مفاهيم الهوية والمواطنَة في ظل إرساء قواعد التعبئة والشحن المتصفة بفقدان العلاقات الاجتماعية المعتدلة، وهذا ما تسميه آنا إرنست بـ"الكتلة الجماهيرية". في كتابه "جدل الهويات في العراق" المقسم الى مقدمة وخمسة أقسام، يتطرق شعبان في دراسته الى العوامل المؤدية لانتعاش مسألة الهوية، فانهيار الاشتراكية العالمية، وما استتبعها من سيطرة للنظام الآحادي، ما دفع الشعوب والأمم الى خوض صراع بإسم الدين والقومية واللغة؛ ويقدم الكاتب عدداً من التعريفات للهوية ومتعلقاتها، مستشهداً بمحمد عابد الجابري وحليم بركات وأدونيس وهول ستيوارت الذي اعتبر "الهوية في حالة تحوّل دائم فهي ليست معطى منجزاً لا ينتهي"؛ فالهوية إذن لا تعني التقوقع والتحجر على الذات، وإنما التحاور والتثاقف مع الآخر لأنه لا وجود للأنا خارج الآخر. تتصدر جدلية العلاقة بين النحن والهم الجزء الأكبر من الكتاب، ويرى شعبان أن الهوية كلما إتخذت مسلكاً عالمياً رافضاً للانعزال تخطت حدودها الضيقة، وهنا نطرح الإشكالية الآتية، هل الهوية القومية أو الدينية تُعنى في إدخال المتعدد لإضفاء المزيد من الرونق الحضاري عليها؟ إن ما يُصاغ بشأن صراع الحضارات والأديان ومؤثرات العولمة قد ينفي صحة ما تقدمنا به، ولكن ما معنى قدرة الإنسان على التكيّف داخل البيئات المختلفة عن هويته، ألا يشي ذلك بتأكيد ما خلص اليه ستيوارت بخصوص أن الثابت يحمل بذور المتعدد والتلاقح الثقافي؟ بعد الانتقال من العام الى الخاص يشرح الكاتب انعكاسات الاحتلال الأميركي على الهوية العراقية، ما أفضى الى إحياء بنى ما قبل الدولة أي عودة النمط المذهبي والعشائري الذي يتزيا برداء المرجعيات الدينية والقبلية، كما يستحضر سيناريو حروب الهوية التي تلت الغزو الصدامي للكويت، وكيف أن صانعي القرار في واشنطن صوَّروا بلاد الرافدين على أنها مجموعة من القوميات والمذاهب والأعراق المتناحرة، من خلال تقسيمهم الى كرد وعرب وشيعة وسنَّة. وجاء قانون الانتخابات الذي صاغه بول بريمر الحاكم المدني السابق للعراق، ليؤجج الاستقطاب الطائفي والإثني، الذي مثل مكوناً أساسياً في دستور 1970، وقبله الدستور العراقي الأول عام 1925 الذي صنعه الانتداب البريطاني وفقاً لقاعدة الطائفية السياسية. المعطى الأبرز الذي يمكن استنباطه من طيات الكتاب، إشكالية الجنسية العراقية والمراحل التي مرت بها، منذ أن كان العراق تحت الهيمنة العثمانية مروراً بالانتداب البريطاني وصولاً الى مرحلة نشوء الدولة الوطنية، وفي هذا السياق صدر قانون رقم 206 لسنة 1964 وبموجبه لا مجال لإقرار عراقية العراقي إلاّ بعد موافقة وزير الداخلية، هذا المؤشر وغيره ضاعف من حدة الشرخ بين المواطن والدولة، وعمَّق الصراع بين الهويات الذي تكرس مع النظام السابق ووصل الى ذروته مع تصديق الدستور الدائم ومع التشريع لقانون الأقاليم عام 2006، أو ما يمكن تسميته بالفيدراليات. رغم أن النظام الفيدرالي في بعض الدول الغربية قابل للتطبيق على أساس اللامركزية، بعيداً عن سياقات الدين والقومية والإثنية والعرقية، لكن تقسيمات الأقاليم التي أقرها البرلمان العراقي، كما يرى الكاتب، عززت الانشطار في البنية المجتمعية، سيما أن تاريخ هذه الظاهرة قديم نسبياً لأسباب يتشابك فيها الداخلي مع الخارجي، والحال، كيف يمكن تطبيق الفيدرالية بمعناها الحديث في بيئة لا تفلح أطيافها الدينية والعرقية في بناء مجتمع موّحد؟ الأنموذجالقائم في الولايات المتحدة على قاعدة ثالوث: الوحدة، والمشاركة السياسية واللامركزية غير قابل للتطبيق في بلاد الرافدين وسط الانقسامات وتقاتل الايديولوجيات والمذاهب، وإذا وقع ذلك فالأمر سيؤدي لتأسيس دويلات دينية وإثنية. عالج شعبان في دراسته العديد من الإشكاليات التي تعتري المجتمع العراقي ما قبل الاحتلال وبعده، ولكنه رغم تحديده لمعالم الظاهرة المدروسة وتفرعاتها التاريخية، لم يقدم الأجوبة الشافية حول العديد من العناوين المطروحة، فهو مثلاً لم يحلّل مقومات أزمة الهوية والانتماء في العراق، ولو استعان ببعض طروحات العلاَّمة علي الوردي الذي شرح هذه المسألة في كتابيه "شخصية الفرد العراقي، بحث في نفسية الشعب العراقي في ضوء علم الاجتماع الحديث" و"دراسة في طبيعة المجتمع العراقي" لجاءت دراسته أغنى لجهة رصدّ معضلة الهوية والمواطنَة في العراق، فقبل نصف قرن قال الوردي "على العراقيين أن يغيروا أنفسهم ويصلحوا عقولهم قبل البدء بإصلاح المجتمع، لأن التجارب القاسية التي مر بها الشعب العراقي علمته دروساً بليغة، فإذا لم يتعظ بها فسوف يُصاب بتجارب أقسى منها، وعلى العراقيين أن يعتادوا على ممارسة الديموقراطية حتى تتيح لهم حرية الرأي والتفاهم والحوار من دون أن تفرض فئة أو قبيلة أو طائفة رأيها بالقوة على الآخرين؛ الشعب العراقي منقسم على نفسه وفيه من الصراع القبلي والقومي والطائفي أكثر من أي بلد آخر". يبقى أن أزمة العراق الراهنة والجدليات الدائرة حول الانتماء والهوية والمواطنَة، ودور الدولة في ترسيِّخ عرى النسيج المجتمعي، تحتاج الى المزيد من الدراسات العلمية، ورغم أن العالم الحديث تغزوه الثنائيات، والتناقض، وصعود الهويات، يمثل العراق المثال الأبرز حول هذه الظاهرة، لأسباب متعددة، ولو أن الأنظمة التي توالت عليه وطدت علاقتها مع شرائحه عبر آلية الحقوق والواجبات، واحتضنت كافة أطيافه الإثنية والدينية من خلال إشراكها في صناعة القرار، لتفادت البلاد حالة التذرير التي تتعرض لها في الوقت الراهن.

[ الكتاب: جدل الهويات في العراق، الدولة والمواطنَة. [ الكاتب: عبد الحسين شعبان. [ الناشر: الدار العربية للعلوم، بيروت، 2009/ 2010

نسخة من المقال للطباعة fb