ايران منحته الختام :2009عام بدء انبعاث الوطنية العراقية قبل تجددها/عبدالامير الركابي
7 كانون الثاني (يناير) 2010 , بقلم عبدالامير الركابي
07/01/2010
في الشهر الاول من العام 2009 الذي انقضى الآن، اجريت الانتخابات المحلية في العراق، وبسرعة تبين ان تلك ليست مجرد مناسبة عابرة على الاطلاق، ففي حينه ظهر مؤشر يقول بان القاعدة السياسية للاحتلال قد بدات تتهاوى، وان المشروع الذي ركبه المحتلون عبر ’العملية السياسية الامريكية’ استنفد مبرراته: الطائفية، والمحاصصة، ودعاوى الفيدراليات، واغراق البلاد في الممارسات الجزئية، بناء على منطق المكونات التي تعود الى ما قبل الدولة الحديثة. هذا المشروع وصل الى طريق مسدود، وصار من يتبنى المواقف التي توحي بما يضاد هذه العملية، حتى ولو من داخل العملية السياسية، قادرا على تحقيق انتصار انتخابي باهر، وهو ما كان من نصيب المالكي، الذي واصل وقتها الاعلان عن رغبته في معاكسة مضامين ’العملية السياسية الامريكية’، فأمن بذلك فوزا اذهل حلفاءه وخصومه من المتمسكين بموضوعات مشروع العملية السياسية.
لم يكن ما حدث بالطبع فعل طرف بعينه، وبالاخص المالكي نفسه. فالاشارة التي انتهينا اليها آنذاك اخفت، لاسباب سياسية وفكرية، الفاعل الرئيسي، وغيبت من ثم مقاصده، وطريقة تعبيره عن نفسه. فالمجتمع العراقي هو الذي حقق تلك النتيجة، وهو من عبر عن تجاوزه للطائفية والمحاصصة والفيدراليات والفساد، ولانه كان يتصرف ويتحرك عفويا وذاتيا، خارج ارادة القوى السائدة من كل الاتجاهات، فلقد جرى طمس حضوره.
والسبب ذاتي، يتعلق بخاصيات الممارسة والوعي السياسي والفكري العراقي المغرق في الشعاراتية والايديلوجية، ونزعات فرض الارادة على الواقع. وفرادة وجدة الظاهرة الصاعدة، لقد عجز المراقبون والمعنيون وقتها عن رؤية جوهر ما بدأ يحرك اللوحة العراقية، كما عجزوا عن ملاحقة الديناميات الحادة التي ظلت تحكم الواقع العراقي تحت الاحتلال، والحصيلة التي توصلنا اليها، ان ظاهرة غير عادية قد تم تجاهلها وخنقها سياسيا. وتلك اللحظة التي طرأت على الاوضاع، وسجلت من جديد حضور الثوابت الوطنية العراقية، قد اهملت، واغرقت في التفاصيل، واحيانا بالافعال المضادة والعنيفة.
يحتاج الوضع العراقي تحت الاحتلال الى: تحقيب! حتى لو كان مثل هذا الصنف من الممارسة المنهجية يخصص عادة للتواريخ الطويلة، والتي تستغرق قرونا. الا ان التاريخ كما تؤكد الحالة التي نحن بصددها هنا، لا يقاس بعدد السنين، والسنوات الست الماضية تقابل دهرا، فيها انهارت دولة عمرها 82 عاما، مع كل ما تنطوي عليه من تجارب ومجهودات هائلة، كما انهارت حركة وطنية استغرق حضورها قرنا من الزمن فكرا وسياسية. واختبرت هنا آخر المشاريع الكونية الامبراطورية، فاختصر تاريخها وهزمت كونيا. ووجد العراق نفسه فجأة يرتد من بنية دولة راديكالية الى حكم وفعالية مكونات، كان من البديهي ان تكون قد اندثرت. فاذا بالبلاد تعود الى طغيان التشــــكيلات الاولية الســـابقة على وحدة المجتمع والكيان، وفي كل هذه الاحداث الخارقة، وغير المألوفة، ازدحمت الخيارات والمواجهات، وتقاطعــــت المصــــالح والدوافع، وتشابكت من دون افق معــــلوم. ولم يعد هنالك من قوة فعل سوى الذاتية العفوية، وسوى الركائز التي يحــركها الثابت التاريخي، وفيما يتعلق بالوجهة فقد عاد العراق ايضا الى الاصل!!
وللعراق كما لكل بلد في العالم، اصل يحكم تشكله وقرر وجوده على الصيغة التي وجد عليها، هذه الوجهة تتضافر في صنعها عوامل التاريخ والجغرافيا والموقع والمحيط والسمات والتضاريس، ويفعل فيها اليوم التاريخ السابق وخاصياته وملامحه، والمحيط الاقليمي وتداخلاته. ثمة اذن دوافع ومكونات اصلية حددت تاريخيا، ثوابت ومتغيرات ما يسمى العراق كيانا وشعبا، وهذه عادت اليوم مع تفكك البلاد وعودتها للمكونات الاولية اجتماعيا، للعمل باعتبارها قاعدة واصلا يتجدد ويجدد معه صورة بلاد محكومة بقانون الموت والانبعاث (تعاقبت على التاريخ العراقي غيابات وانبعاثات كبرى فكانت هنالك دورة حضارية اولى انتهت بانهيار بابل، ودورة ثانية تبدأ من الفتح العربي الاسلامي وتنتهي عند سقوط بغداد العباسيين، ودورة حالية ثالثة، تستمر في التشكل منذ القرن السابع عشر الى اليوم، وتتضمن لحظات غياب جزئي ونهوض واعادة تشكل، منها اللحظة الحالية).
حسب قواعد التشكل الاساسية هذه سار العراق على وقع الغزو الاخير، من انهيار الدولة وطغيان المكونات السابقة عليها، الى انفجار المقاومة المسلحة، ومن المقاومة ومعها، الى الاحتراب الطائفي، ثم من الاحتراب الطائفي الى عودة الثوابت الوطنية، وهذه الاخيرة تبلورت في عام 2008 بعد العام الاسود 2006 2007 فتحول المناخ الشعبي الى نبذ الطائفية، ورفض المحاصصة، والفيدراليات، وكل ما اتصل بالعملية السياسية، ليس لفظيا كما يفعل الكثيرون، بل في العمق وفي سياقات اعادة تشكل الوطنية الجديدة اجتماعيا ومفهوميا، وبعد ان كانت الانتخابات عموما، قد استعملت من قبل القوى الطائفية وتشكيلات ومكونات ما قبل الدولة الحديثة، كوسيلة لاظهار القوة والايهام بوجود مشروع ’دولة’، مارس الشعب العراقي، مع بداية/ الشهر الاول من عام 2009 هذا الاسلوب في التعبير وتكريس المواقع بطريقته ولمصلحته في الحدود الممكنة، اراد ان يقول ما يريد سياسيا، وعندما لم يجد من يحمل صوته، او طليعة تعبر عنه او تتطابق مع اهدافه ، اتجه لاطلاق نوع من الاشارة غير المباشرة، واوحى بمنح الثقة على شرط، لقوة ابدت انذاك تطابقا مع ما هو مأمول، بما يشير الى استعداد ل ’انهاء العملية السياسية الامريكية’ من داخلها والانتقال الى عملية سياسية وطنية. ولان المجتمع يتعامل مع الحقائق الملموسة واليوميات، لا الشعارات. فقد كان حريصا على التعبير باجلى الصور عن ارادته، ووجدت وقتها لحظة من لحظات تطابق الممكن الشعبي العفوي، واداء المالكي وتياره، بعدما حمل حزمة من الشروط والتحفظات غير المعلنة، الا ان المسألة الاهم من بين كل ما حدث وقتها، هي بدايات انبعاث الوطنية العراقية، خارج الكل وباستقلال عن الجميع.
هنا كانت الديناميات الوطنية تستعيد تشكلها المناسب للتجربة واللحظة، لم يكن انتصار المالكي هو المهم او المقصود، ولا محاولات استدراك القوى الطائفية ومسارعتها لتغيير خطابها وجلودها، وليس بالطبع، الهجوم الذي لجأت اليه قوى الارهاب الذي يستهدف المدنيين، وهي الظاهرة التي ركزت تحديدا على محاولة اعادة اجواء الاحتراب الطائفي وفشلت، رغم كل ما تسببت وتتسبب به من فظاعات وجرائم. فكل هذه سياقات صارت محكومة من هنا وصاعدا الى قوة الفعل الوطني والتشكل الوطني الجديد الصاعد. التغيرات في المواقف، محاولات الاحتواء، ظهور اصطفافات علمانية امريكية، تراجع المالكي وفشله امام الضغوط الايرانية وتحوله الى بطة عرجاء، اللجوء المتعاظم لاساليب غريبة، ودعايات وترويج اكاذيب من قبل اطراف تنتمي للمعارضة، همها الاول العودة للحكم والسلطة. ومع كل هذا، وصول الجميع الى ازمة، ما تزال تمتد وتتسع متحولة الى مأزق شامل، يضم اصحاب العملية السياسية والمعارضة وحتى المقاومة المسلحة. جوهر هذه الازمة نابع من تباين الآليات الوطنية الصاعدة والمستجدة، مع مجمل الخطاب الشائع في العراق على كل الصعد. خطاب الدولة الحديثة والحركة الوطنية وتفرعاته التي ادت الى الكارثة الحالية، وخطاب القوى التي تنتمي الى عالم ما قبل الدولة.
لا اعرف اذا كان المتوفر، او المتداول عربيا من اختبارات النظرية وعلم الاجتماع، تسمح بالتركيز على الجوانب المستجدة الاجبارية، والتي تتحول الان الى شرط لتوصيف حالة فريدة، كما هو وضع العراق اليوم، هذا بينما الحل الباقي اذا لم نلجأ لمثل هذه المحاولة، لن يكون سوى الرضوخ واخضاع حالة خاصة لافكار وتصورات لم تعد تمت لها بصلة، او السكوت وترك الحالة الجديدة الناشئة تواجه مصيرها من دون عون. ولكن هل يجوز الحديث عن عودة اساسيات تشكل كيان، وحالة مجتمع، الى الفعل في القرن الحادي والعشرين، وكأننا نتحدث عن ممالك سومر واكد، كما تشكلت قبل آلاف السنين، يبدو ان هذه الحقيقة موجودة اليوم وحية، وهي موجودة على عكس ما نظن في كل مكان على امتداد المعمورة، والامم والكيانات تظل في حالة تشكل، واعادة تشكل، وفق ثوابتها ومتغيرا ت التاريخ التي تطرأ عليها. لكن الحالة التي نتحدث عنها هنا، قد تكون او تسجل لاحقا، باعتبارها واحدا من اهم مستجدات قرننا الحالي. لقد شهد العراق في القرن العشرين، محاولات، لا بل مشروعا لبناء دولة عصرية بوسائل مستعارة، مثله مثل بقية العالم العربي، الا انه ومن دون المنطقة برمتها، تعرض للغزو. ولكارثة وطنية اعادته الى مكوناته الاولية، لدرجة انبعث معها فعل عوامل وقوى (آليات( تشكله الاصلية الطبيعية والتاريخية. وهذه بحد ذاتها حالة استثناء، لا يجب ان تهمل فيها حتى المتغيرات الطبيعية، فالمذهل في حالتنا، ان هذه البلاد تكاد تفقد اليوم حتى بعض، لا بل اهم مكوناتها الطبيعية، مثل دور النهرين ) ترى هل ما يزال صحيحا مثلا اطلاق تسمية بلاد مابين النهرين على بلاد دجلة والفرات وهي تستجدي حصتها منهما من بلاد المنبع( لنأخذ معنى اختفاء الاهوار، او تخلل القشرة الارضية بسبب الحروب، او التلوث البيئي الذي لا نهاية له قبل ملايين السنين، نحن امام بلد تتغير حتى ثوابت الطبيعة فيه، فهل تغيرت بلدان جبلية لتصبح سهلية من قبل، قبل ان تمر مليارات السنين؟ التاريخ هنا يبدو اليوم مضغوطا لدرجة مذهلة وغريبة، كانه يتجه في قلب العصر نحو ولادة أخرى، وبعد كل هذا، ما يزال الذين يتعرضون لحالته، وتطورات اوضاعه من اهل البلاد وغيرهم، يعاملونه بقلوب بارده، وكان شيئا استثنائيا لم يحدث، أوكان العراق الحالي هو العراق في الاربعينات او الخمسينات.
هذه قضية تعامل كنافلة بسبب رسوخ افكار الماضي وحكم العادة، وقوة المصالح الصغيرة، وقصور الوعي. وسيطول الزمن والنقاش حولها ويتشعب كثيرا، الى ان يصل درجات من التقاطع الحاد غير مالوفة، قبل ان يلتفت الذين يهمهم المستقبل، للحقائق والاليات الجديدة، ويبادرون لاعتمادها كقاعدة موثوقة. اليوم مثلا وخلال الشهر الاخير من عام بدء انبعاث الوطنية العراقية (بدأت الاشارة الاولى الهامة في الشهر الاول من العام وها هي تتكرر في العام الاخير) ايران تلجأ فجاة لارسال اشارات عسكرية الطابع نكهتها الابرز مخابراتية، ومرسومة بدقة لايصال رسائل الى الولايات المتحدة الامريكية: ’نستطيع تحويل العراق الى خط تماس، وان نفتعل حربا هنا ونتخذها ذريعة لمهاجمة قواتكم’ الامريكيون فهموا الرسالة، لكن ايران خسرت، والعراق بمعنى تشكله الجديد كسب. مظاهرات في كربلاء والبصرة والعمارة. الزوار الذين وصلوا الى كربلا ء بمئات الالاف في عاشوراء من كل محافظات الجنوب والوسط وبغداد، هتفوا ضد حكومة المالكي وضد النواب وسخروا منهم، ايران ارادت ان تستعرض قوتها امام الامريكيين. وان تحذرهم من عواقب التفكير بضربها، فخسرت جزءا غير قليل من قدرتها على التحكم بمفاصل هامة، واوغلت في اضعاف قوى سياسية وطائفية كانت هي ركيزتها، المظاهرات انطلقت ايضا في الرمادي والفلوجة وبغداد، منظمة مسلحة في البصرة، هددت القنصلية الايرانية. مجالس عشائرية في الجنوب اقامت تشكيلات دفاعية مستقلة عن الحكومة، ولا احد في العراق لم يلمس بان الامر خرج من يد حكم العملية السياسية الامريكية، الطائفيون الشيعة وصل رصيدهم الى الحضيض، آل الحكيم والمالكي معا، كانا هذه المرة مصطفين في نفس الخندق. اذن من الذي يحرك الناس ويقيم المظاهرات، القوة الذاتية العفوية من جديد المجتمع بذاته الذي اطل في الشهر الاول من هذا العام وطمس حضوره من الجميع وهذه المرة ايضا سيحاولون، ولكن بصعوبة تتزايد كل يوم، نجحوا نسبيا في بداية العام الماضي، لكن الحقيقة التي تكرست من هنا وصاعدا، ان آليات فعل شعبي مستقلة تبدأ بالصعود على وقع الاحداث، وباستقلال عن كافة القوى والهياكل القائمة والمتنفذة والمعارضة، وبتضارب معها. الهاشمي تشاطر وقال ’اهلنا في الجنوب’ فلم يلاق سوى السخرية. تحويل الاصالة الى فعل دخيل اليوم بالذات، كان نشازا وقوبل بالتجاهل والاحتقار.
احد المسعورين قال: ’المظاهــــرات مجــــرد عنـــتريات’، ولقاء خفوت صوت وجبانة الحكومة ورئيس وزرائها المالكي الذي خالف الشرط ، وخان وعوده وتراجع عنها، كان نصيب رئيس الوزراء هذه المرة تلقي الركلات بدل الاصوات التي نالها في انتخابات اول العام. انتقل الامر بجلاء، من يد الجميع الى يد ’العراقي العفوي’ وهذه المناسبة الختامية، قبل انتهاء السنة الحالية بايام، جعلت من الظاهرة الجديدة اكثر وضوحا بما لا يقبل اي تاويل. طبعا سيطول المدى، قبل ان تتحول تلك الالية الى رؤية ومفهوم وصيغة جديدة معتمدة للوطنية العراقية الناهضة. اسس تشكل هذا الكيان وشعبه اثبتت في كل مرة انها وان هذا الشعب غير عاديين في سجل الاضافة الخلاقة للحضارة والتاريخ، والشعوب تبتكر طرقها التي تفاجئ، تتجاوز، وتذهل من يرددون المحفوظات: الوطنية العراقية الجديدة تنبعث وتتشكل، والاقوال الصغيرة وما يسمى الثوات تتراجع، وهذا عام آخر عظيم قد عاشه العراق حيا ووثابا: أهلا بالعام الجديد القادم...ترى كيف ستترجم الملحمة الحالية عندما تفتح صناديق الانتخابات في آذار (مارس)؟.. انتظروا...
المقال منشور اليوم في " القدس العربي" وكانت " النهار" البيروتية نشرته يوم الاحد 3/1