أيهما أرقى.. الأدب أم السينما؟
8 كانون الثاني (يناير) 2010 , بقلم ريما المسمار"كتابات على الشاشة" في مناسبة "بيروت عاصمة عالمية للكتاب"
كلاسيكيات واقتباسات معاصرة والسؤال واحد: أيهما أرقى.. الأدب أم السينما؟
المستقبل - الجمعة 8 كانون الثاني 2010 - العدد 3531 - ثقافة و فنون - صفحة 20
في إطار "بيروت عاصمة عالمية للكتاب"، يحيي المركز الثقافي الاسباني "ثرفانتس" وبعثة المفوضية الاوروبية والمركز الثقافي الايطالي ومعهد "غوتيه" والقنصلية البريطانية في بيروت، بالتعاون مع سينما متروبوليس، تظاهرة كتابات على الشاشة" بين 11 و17 كانون الثاني/يناير في متروبوليس.
بين الأدب والسينما علاقة عضوية قد تكون الأعمق قياساً على الصلات التي تربط بين الفنون الأخرى وبين الأدب او بين الفنون نفسها. ربما يكون المسرح المنافس للسينما في علاقته بالأدب ولكن لذلك اسبابه المنطقية. فالمسرح انطلق من النص الأدبي لأن الكتابة المسرحية كانت ولاتزال أحد الانواع الادبية الاساسية. أما السينما، فوجدت بصرف النظر عن الأدب، بل ان "نصوصها" الأولى كانت مستقاة من الواقع وبعيدة من التأليف. على ان الاقتباس الأدبي في السينما ترافق مع بداياتها حيث أنجز جورج ميلييس، أحد رواد الفن السابع، أربعة أفلام بين 1899 و1901 مقتبسة عن مصادر أدبية هي: "سندريللا" و"اللحية الزرقاء" Blue Beard و"جاندارك" و"عمود النار" The Pillar of Fire، الأول والثاني اقتباس لتشارلز بيرو والأخير عن رواية هـ. رايدر هاغارد "هي" She. واليوم ثمة احصاءات تشير الى ان ثلاثين بالمئة من الأفلام مستقاة من مصادر أدبية وان ثمانين بالمئة من الكتب المصنفة "أكثر مبيعاً" تم اقتباسها في السينما. تختزل تلك الارقام والحقائق التاريخية حال الاقتباسات السينمائية للأعمال الأدبية. ان العلاقة المستمرة بين السينما والأدب، مع الاشارة الى ان السينما هي التي تحرك ذلك التواصل غالباً، تحظى بالكثير من الاهتمام والجدل. فمعظم الجامعات التي تدرس الادب والسينما قد أفردت مواد خاصة لطلابها تُعنى بموضوع السينما والادب. وعلى صعيد أكثر عمومية وشعبية، تخصص جوائز الاكاديمية جائزة منفردة للاعمال السينمائية المقتبسة وتميزها عن تلك الاصيلة. على الرغم من التاريخ الطويل للاقتباسات السينمائية من الادب، لاتزال العلاقة بين الاثنين خاضعة لأحكام جاهزة ليس أقلها اعتبار الاقتباس السينمائي في بعض الاحيان "انتهاكاً" للعمل الأدبي وتعيين الأخير في مرتبة متفوقة على العمل السينمائي وفق علاقة هرمية، تكرس الادب عملاً جاداً والسينما فناً جماهيرياً شعبياً. وعلى الرغم من الاهتمام الذي تحوزه العلاقة بين السينما والأدب، غالباً ما تنحصر دراسته او تحليله في دائرة ضيقة من المقارنة والمفاضلة بين الحقلين، الادبي والسينمائي، وتحت مظلة أوسع هي "الولاء". نقوم معظم الدراسات او المقاربات لهذا الموضوع على فكرة ولاء الفيلم للمصدر الأدبي. فهناك من يعتبر ان ولاء الفيلم لمصدره الادبي مسألة جوهرية في عملية الاقتباس. وهناك في المقلب الآخر من يجد ان التحرر من ذلك الولاء هو الخطوة الاولى على طريق تميز الفيلم السينمائي عن العمل الأدبي. في مطلق الأحوال، تتمحور الدراسات التي تُعنى بالاقتباس السينمائي للأدب حول مجموعة أفكار متداولة منها: العلاقة بين الفيلم والنص الأدبي في وصف الأول "تصوير" الرواية او امتداد لها او تعليق عليها او مادة تنطلق منها لتبلغ حالة مختلفة تماماً. وبالطبع، يدخل في لب النقاش الكلام على "الخيال" اللامحدود في الرواية والمحدود في الفيلم في وصف الكلمة (في الادب) مشرعة على صور مفتوحة بينما الصورة (في السينما) قائمة على دلالات محددة. كذلك يتضمن النقد لعملية الإقتباس الاشارة الى الفوارق بين العملية الابداعية الفردية في الادب وتلك الجماعية في السينما، وامتثال الاخيرة لمعايير الانتاج والجمهور في مقابل تفلت الاولى منها في ما هي مسألة مفتوحة على النقاش. في مطلق الأحوال، تصب كل تلك المقاربات في مكان واحد هو المقارنة بين السينما والأدب والميل الى اصطفاء الأخير في مرتبة أرفع. على الرغم من ذلك، لم تتوقف الاقتباسات الأدبية في السينما ولم يتوقف الأدب عن إلهام السينمائيين لاستنباط روائع سينمائية من معينه الذي لا ينضب. انها مناسبة لاستعادة بعضها مع كل ما يرافقها من نقاشات ونقد خلال اسبوع كامل من العروض السينمائية التي تتيحها تظاهرة "كتابات على الشاشة"، ابتداءً من يوم الاثنين المقبل الحادي عشر من كانون الثاني/يناير وحتى السابع عشر منه. والتظاهرة فرصة لاستعادة بعض الافلام السينمائية المقتبس من الادب بتوقيع أحد عشر مخرجاً من اسبانيا وفرنسا وايطاليا وبريطانيا والمانيا ومصر، ولعلها فرصة نادرة تحديداً لمشاهدة ثلاثة أعمال كلاسيكية على الشاشة الكبيرة هي Great Expectations (1947) لدايفيد لين وLe Mepris (1963) لجان-لوك غودار وFontane Effi Briest لراينر فيرنر فاسبيندر.
في البرنامج الذي يتضمن عرضين يوميين (باستثناء يومي الاثنين والخميس 11 و14 كانون الثاني حيث سيعرض فيلم واحد السابعة والنصف مساءً) في السابعة والنصف والعاشرة ليلاً، فيلمان اسبانيان هما Soldados de Salamina وHonor de Caballeria. والمعروف عن السينما الاسبانية ولعها بالاقتباسات الأدبية التي تتيح بشكل او بآخر استعادة الماضي وإعادة بناء صورة مجتمع لاسيما في الفترة اللاحقة لسقوط ديكتاتورية فرانكو. الفيلم الأول، "جنود سالامينا" من اخراج دايفيد ترويبا وانتاج العام 2003، مقتبس عن رواية خافيير سيركاس الاكثر مبيعاً التي تدور حول بروفيسورة جامعية هي "لولا"، التي تنبأ لها الجميع بمستقبل أدبي باهر. ولكن أشياء كثيرة تحول دون تفجر مواهبها الى ان تتعثر ذات يوم بحكاية كاتب فاشي معروف، اعتقل ابان الحرب الاهلية قبل ان يطلق احد الجنود سراحه رافضاً قتله. تنشغل "لولا" بالحكاية وتبدأ بحثها حول الجندي المجهول.
"شرف الفرسان" (2006) هو عنوان الفيلم الأول لالبرت سيرا الذي يقتبس أشهر الاعمال الادبية الاسبانية على الاطلاق "دون كيخوتي" لميغيل دي سرفانتس. في فيلم يسكنه الصمت، يتأمل المخرج الشاب في العلاقة بين "كيخوتي" وخادمه "سانشو" بينما يهيم الاثنان في الحقول بحثاً عن مغامرة جديدة لا تأتي ولكن الروابط بينهما تشتد.
من فرنسا، اختار المبرمجون عملين، أحدهما كلاسيكي والثاني معاصر. الاول من توقيع السينمائي جان-لوك غودار ويقف بين أشهر أعماله وهو Le Mepris. على الرغم من مقولته التي اتخذ منها القيمون على التظاهرة عنواناً للمقدمة- مع انها تنفي في جوهرها اساس التظاهرة- "ما نفع السينما إذا جاءت بعد الأدب؟"، فإن غودار اقتبس في فيلمه ذاك عام 1963 رواية الايطالي ألبرتو مورافيا الصادرة عام 1954 التي أتاحت له بث أفكاره حول السينما السائدة وقدراتها التسليعية، فضلاً عن موضوعاته الأثيرة حول العلاقات والزواج والمرأة. تدور الحكاية حول منتج أميركي، يوكل المخرج النمسوي المعروف فريتز لانغ باخراج اقتباس سينمائي لملحمة "الأوديسية". ولكن المنتج لا تعجبه وجهة نظر المخرج وتعاطيه مع المشروع كفيلم فني، فيوكل روائياً وكاتب سيناريو إعادة كتابة السيناريو. من هناك، ينسحب الصدام بين "فنية" للمشروع "تجاريته" على علاقات الشخصيات. الفيلم الفرنسي الآخر في البرنامج هو Villa Amalia من اخراج بينوا جاكو وانتاج العام 2009. الاحداث مقتبسة عن رواية بالعنوان نفسه لباسكال كوينار، صدرت عام 2006 ، محورها المؤلفة الموسيقية "آن" التي تكتشف ان زوجها يقيم علاقة مع امرأة أخرى فتقرر الانفصال عنه وقطع كل صلة لها في بلدها. هكذا تبيع منزلها وتترك وظيفتها وتسافر الى جزيرة ايطالية حيث تقطن "فيللا أماليا" بعد ان تقوم بتجديدها. هناك تبدأ حياة جديدة محورها ثلاثة أشخاص: الطبيب لونار وابنته لينا والامرأة الشابة جوليا.
لعل الفيلم الأبرز في البرنامج هو شريط دايفيد لين Great Expectations وذلك لاقتسام الاثنين، اي الفيلم والمصدر الادبي، الشهرة. والمصدر هنا هي رواية تشارلز ديكينز التي تحمل الاسم نفسه ونُشرت للمرة الاولى في حلقات بين 1860 و1861 وحازت أكثر من 250 اقتباساً بين المسرح والسينما، لعل أقربها الى ذاكرة مشاهدي السينما ذاك الذي أخرجه ألفونسو كوارون عام 1998 مع غوينيث بالترو وايثان هوك. بالنسبة الى لين، كانت الرواية الاولى بين اقتباسين لديكنز، الثانية كانت "أوليفر تويست". في شقه الحكائي، يدور الفيلم حول سيدة مسنة متسلطة ذاقت مرارة الحب في شبابها مما يدفعها الى تربية حفيدتها فائقة الجمال لتنتقم من كل الرجال وأولهم "بيب" الذي يقع في غرامها منذ الطفولة. يتابع الفيلم حكايتهما على مدى أكثر من ربع قرن.
من بريطانيا أيضاً، يُعرض فيلم Boy A (2007) لجون كرولي المقتبس عن رواية بالعنوان نفسه لجوناثان تريغل. تدور الحكاية حول شاب يخرج من السجن بعد قضائه عقوبة طويلة بسبب ارتكابه جريمة قتل وهو لمايزل طفلاً. يمنح الشاب اسماً جديداً ويتمكن بمساعدة أحدهم من ايجاد عمل واصدقاء. ولكن الماضي يثقل كاهله.
تشكل رواية Effi Briest لتيودور فونتين التي تُعتبر تحفته الأدبية الكبرى محور الفيلمين الالمانيين اللذين تستضيفهما التظاهرة. صدرت الرواية عام 1894 وكانت الاولى في ثلاثية حول الزواج في القرن التاسع عشر، متبوعة بروايتين لقيتا شهرة كبرى بين القراء هما "آنا كارينينا" و"مدام بوفاري". حظيت الرواية بأكثر من اقتباس، كان أشهرها فيلم راينر فيرنر فاسبيندر Fontane Effi Briest عام 1974، أحد الاقتباسين المعروضين في التظاهرة. أما الاقتباس الثاني، Effi Briest، فمن انتاج 2008 وإخراج هيرمين هنتغيبورث.
في الفيلم الايطالي kaos (1983)، يقتبس الاخوان باولو وفيتوريو تافياني أربعة روايات للويجي بيرانديللو من سلسلته المؤلفة من خمسة عشر جزءاً بعنوان Nouvelle per un Anno، تدور أحداثها حيث ولد في القرن التاسع عشر.
اما ميشيل بلاسيدو فيقدم في فيلمه Romanzo Criminale (2004) اقتباساً لرواية جيانكارلو دي كاتالادو، المأخوذة بدورها من قصة واقعية لعصابة "ماليانا" احد أكثر مؤسسات الجريمة المنظمة سطوة في ايطاليا بين مطلع السبعينات واوائل التسعينات. يُختتم البرنامج بفيلم يسري نصر الله "باب الشمس" (2004) المقتبس عن رواية الياس خوري بالعنوان نفسه الصادرة عام 1998. الفيلم تجربة ربما تكون الاولى من نوعها في السينما العربية. فيلم سينمائي يقع في اربع ساعات ونصف الساعة. ولكنه تحقق بالفعل على ايدي ثلاثة اشخاص: المخرج يسري نصر الله، الكاتب الياس خوري والكاتب والمخرج محمد سويد، بمبادرة انتاجية من "آرتي" ومن المنتج الفرنسي الراحل هامبير بلزان. ارتأى الثلاثي ان يأتي الفيلم في جزءين: "الرحيل" و"العودة". وآثر المخرج ان يكون لكل جزء اسلوبه السينمائي الخاص. يقترب "الرحيل" من الصورة التي تسكن المخيلة العربية عن فلسطين ويمتاز بنفس ملحمي في تصويره تهجير الفلسطينيين من اراضيهم عام 1948، متيحاً لعودة فلسطين الذاكرة أن تتجلى بمنحاها الملحمي، المتخيّل في كثير من أجزائه. أما الجزء الثاني فيقترب من تفكيك "الأسطورة" المتمثلة بالشخصية المحورية "يونس"، ممهداً لظهور بطل من نوع آخر، من لحم ودم وانكسارات وانتصارات وضعف وخوف، هو "خليل" الدكتور المزيّف والعاشق المصدوم.
وبقدر ما يقوم الجزء الأول على السرد القصصي الذي يتخلله بعض الانتقال في الزمن إلى المستقبل ومنه إلى الماضي، يتخذ الجزء الثاني ومنذ مشهده الافتتاحي مقاربة أكثر عصرية للموضوع وأكثر واقعية وصولاً إلى تحديد مصير "خليل" الشخصية الفلسطينية المعاصرة والبطل بمعايير مختلفة.
يحبك الفيلم خطوطاً روائية متعددة، ابرزها حكايات ثلاث: حكاية "يونس" في فلسطين عندما كان مقاتلاً ضد الجيش الانكليزي في السادسة عشرة وعندما تزوج من "نهيلة" قبل ان تبلغ الثالثة عشرة؛ حكاية "يونس" بعد انتقاله الى لبنان وعودته كل حين الى الجليل الى مغارة "باب الشمس" للقاء حبيبته وزوجته "نهيلة"؛ حكاية "خليل" الشاب الفلسطيني المقيم في مخيم شاتيلا ببيروت وقصة حبه لـ"شمس" وعلاقته بـ"يونس" الغائب في غيبوبة في غرفة مستشفى. تتشابك هذه الحكايات والازمنة من خلال ما يستعيده "خليل" من قصص على مسمع "يونس" النائم ظناً منه انه بذلك يساعده على مقاومة النسيان. صُوِّر الفيلم بين لبنان وسوريا والاردن مع فريق تمثيلي عربي ضخم، تولت الممثلة والمخرجة هيام عباس تدريبه على اللهجة الفلسطينية. وعباس التي تلعب دور "ام يونس"، تقف قبالة التونسية ريم تركي في دور "نهيلة" والممثلين السوريين عروة النيربية في دور "يونس" وباسل خياط في دور "خليل" وحلا عمران في دور "شمس" ونادرة عمران في دور "ام حسن".
لا تكمن حصوصية "باب الشمس" في انه قائم على اقتباس ادبي بل في شكل ذلك الاقتباس وطول الفيلم وانخراط كاتب النص الاصلي في عملية كتابة السيناريو. اما الاقتباس في السينما العربية فيتجلى في أبرز وجوهه في السينما المصرية تحديداً لاسيما في الافلام المأخوذة عن روايات نجيب محفوظ واحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ومؤخراً ابراهيم أصلان وسواهم. ولعل اقتباسات محفوظ حظيت بالجزء الاكبر من النقد والاهتمام على امتداد عقود طويلة لاسيما لانخراط البحث حولها في نقاش حول القيمة السينمائية في اعمال محفوظ الادبية. لاشك في ان المناسبات، ومنها "بيروت عاصمة عالمية للكتاب"، ليست سوى حجة لاقامة تظاهرات سينمائية تندرج تحت ثيمات متنوعة. ولكن يصدف ان موضوع الاقتباسات الادبية في السينما من الموضوعات غير المطروقة كثيراً في النقد والبحث السينمائيين باستثناء الاعمال السينمائية المقتبسة من أدب نجيب محفوظ عربياً. لذلك تحمل تظاهرة "كتابات على الشاشة" قيمة مضافة في تحريكها نقاشاً نائماً يستحق الخوض في أروقته.