حكاية الإرتزاق الإعلامي والسياسي-1-
19 كانون الثاني (يناير) 2010 , بقلم صباح علي الشاهرsabahtahir@yahoo.co.uk
قبل ما يناهز الثمانية عقود ، وعلى إمتداد عالمنا العربي كان للإعلامي ، كاتباً وصحافياً و أديباً صولة وجولة . من رحم الأدب والأدباء وبفعل جهود الكتاب والمفكرين تأسست حركات ثورية وتنظيمات وأحزاب ومنظمات جماهيرية قيّض لها فيما بعد أن تستقطب الشارع العربي من المحيط إلى الخليج، وتبعث في هذه الأمة التي عاشت ما سُمي إصطلاحاً قرون الظلام والتجهيل نزوع الإنبعاث والنهضة . تكرَّست عبر جهود هذا الرعيل الفكرية، ومواقفه المبدئية مفاهيم ومصطلحات وقيم كانت وما زالت وستبقى أساس نهضة هذه الأمه ورقيها، وفي خضم النشاط الفكري والثقافي ولد السياسي الذي إستولد بدوره الأحزاب والتظيمات بشتى صورها وأشكالها، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وطنية وقومية وأممية، ديمقراطية وإشتراكية وشيوعية . علمانية ودينية . ليس بالإمكان تجاهل الدور الكبير الذي قامت به النخب، وتحديداً أولئك المشتغلين بحقول الفكر والأدب والصحافة من دونما تجاهل أدوار غيرهم ممن كانت مساهماتهم فعاله في بدايات النشوء كالوجهاء ورؤساء العشائر، والفعاليات الإقتصادية المتنورة، والنشطاء من بسطاء الناس وعامتهم . بمبادرة من شغيلة الفكر نشأت الصحافة وأشكال الإعلام لا كمطبوع لنشر الفرمانات والتوجيهات الحكومية، كالصحف الثلاث التي نشأت في العهد العثماني قبل إعلان الدستور عام 1908، (الزوراء ) في بغداد، و(الموصل) في الموصل، و(البصرة) في البصرة، وإنما كصحافة تحمل فكراً، وتعبر عن هموم الناس ومصالحهم، ومن المثير للعجب أنه صدر في العراق بعد إعلان الدستور وخلال الفترة 1908- 1914 حوالي ( 170) صحيفة ، ويمكن بهذا الصدد الإشارة إلى صحيفة ( الإيقاظ) للأديب سليمان فيضي الصادرة عام 1909 في البصرة، حيث إمتازت هذه الصحيفة بنزوعها إلى التحرر والعدالة، علماً أن صاحبها هو أول روائي عراقي اصدر أول رواية عراقية ( الرواية الإيقاضية ) ، متزامناً مع زميلة محمد حسين هيكل صاحب أول رواية مصرية ( زينب ). كما لا يفوتنا الإشارة إلى أول صحيفة إشتراكية في العراق ، وهي صحيفة ( الصحيفة ) لصاحبها حسين الرحال ، والتي صدرت في 28 كانون الأول 1924، متزامنة أيضاً مع صحيفة ( الإشتراكي ) بإدارة سلامة موسى في مصر، وضمت عددا كبيرا من الأدباء ، شعراء وكتاب قصة، وكتاب مقالات ، كالروائي والقاص المبدع محمود أحمد السيد مبدع( جلال خالد) . لقد اصدر أغلب أدباء وشعراء العراق صحفهم الخاصة التي لعبت دورها في التنوير . من الملاحظ أن المال السياسي لم يدخل ميدان الإعلام في هذه المرحلة، إذ لم يكن الإعلامي الذي كان رأسماله قلمه وفكره بوارد أن يتخلى عن إستقلاليته لصالح ممول ، علماً أن إصدار صحيفة يوم ذاك لم يكن أمراً مُكلفاً، ولا كانت أجور الصحفيين باهضة . وكان المطبوع الذي يوزع بضعة مئات من النسخ يسدد تكلفته وربما يربح، ربحاً مناسباً ، إذا أضيف لهذا التصريف إعلان هنا أو هناك، والأهم أن الصحافة يوم ذاك لم تحسب بزنساً، وإنما هي فكر وموقف، والصحفي لم يكن رجل أعمال، وإنما يندرج ضمن شغيلة الفكر، كاتباً، مفكراً، مناضلاً، مستعداً لا للخسارة فقط، وإنما لدخول السجن جراء رأيه وإعتقاده، وندر أن تجد صحفياً عراقياً بارزاً لم تتعرض صحيفته للتعطيل من قبل الحكومات، أو لم يدخل السجن . يومها لم تكن هناك ثمة صحافة حكومية، لا توجد وزارة إعلام ، ولم ندخل بعد مرحلة الأنظمة الشمولية التي تحتكر كل شيء وتؤمم حتى الفكر . كانت هناك صحافة خاصة، مستقلة، وأخرى حزبية، معارضة للحكومة أو مساندة لها، وكان ثمة حراك سياسي مضطرم يغيّر المواقع، ويبدّل المواقف. وبالإجمال فقد كان الإعلامي صنو السياسي صاحب رأي وموقف يحسب له ألف حساب . لم يكن من الممكن عزل الصحافة والصحفي عن الأدب والأدباء، فالأديب كاتباً أم شاعراً أم قاصاً ميدانه الصحيفة ، إذ هي وسيلته الأساسية في الوصول إلى القراء ، كما أن الصحفي كان بالبداهة أديباً . لم يتخرج الصحفيون وقتها من كليات الصحافة أو معاهدها، فمثل هذه المؤسسات لم تكن قد أنشئت بعد، بل خرج الصحفي من عباءة الأديب . من عباءة القاص والشاعر، ولما كان الصحفي أديباً فقد إمتازت الكتابات الصحفية بالرقي ، مبنى ومعنى ، وكانت بعض المقالات وافتتاحيات الصحف روائع نثرية، ولم يقتصر هذا على الصحافة في العراق، بل شمل الصحافة على إمتداد الوطن العربي، فمن الكتابات الصحفية المبكرة للعراقي سليمان فيضي، وحسين الرحال، والرصافي، والجواهري، والشبيبي، والجادرجي، وحسين جميل، وذنون أيوب، ويوسف الصايغ ، إلى الفلسطيني خليل بيدس، وإبراهيم طوقان ، والنشاشيبي، إلى المصري طه حسين والعقاد، وإحسان عبد القدوس ، إلى مي زيادة ، والبعلبكي ، ودكروب ، وسهيل إدريس، وعدد يستعصي على الحصر من الصحفيين الكتاب والأدباء على إمتداد الأرض العربية الذين جعلوا من المطبوع الذي تكتحل به عيوننا صباح كل يوم غذاءاً للعقل والروح . هل ندخل في باب المبالغة أن قلنا أن نخبنا من الرواد والمؤسسين، إعلاميين وكتاب وأدباء وشغيلة فكر عموماً، قدموا لأمتنا منظوراً معمقاً وشاملاً ، يمكن أن ننطلق منه ونحن نتجه صوب المستقبل .