fb

تحققات أمة " التوحيدية التاريخية الثلاثة /ج4و5و6 وملحق

13 أيلول (سبتمبر) 2011 , بقلم عبدالامير الركابي

وقد يظن هذا التيار ، بان القوميين او الماركسيين وغيرهم ، كانوا اقل قناعة ، او حتى اخلاصا ، في بعض الحالات ، لماكانوا يرونه ويعتقدونه جازمين ، بشان الامة ، او الشعب ، او الطبقات العراقية العتيدة . او انهم لم يكونوا يملكون التبريرات النظرية والتاريخية ، والفذلكات والتكتيكات التي توحي ، او تجعل من الواقع طوعا لمايعتقدون ويرون ، او وهذا هو الاهم ، ان هؤلاء لم يكونوا مخلصين ، او مندفعين بقوة الحرص على بلادهم ، والرغبة في رؤيتها على افضل حال . وهؤلاء هم في اقل تقدير الكتلة الاكبر ، من بين اولئك الذين اسسوا تلك التيارات ، واعتنقوا تلك الافكار والعقائد .

تحققات أمة " التوحيدية التاريخية الثلاثة /ج4

ـ 4 ـ

"مراعاة لظروف النشر في الفيسبوك ، واجواء التلقي فيه ، راينا ان ننشر المقال ادناه في حلقات راجين من الاخوة المهتمين ، تقدير الضرورات وانتظار نهاية المقال قبل الادلاء بارائهم وتعليقاتهم ان احبوا وشكرا "

يميل البعض ممن يتحسسون الازمة الوطنية الحالية ، الى تبني فكرة الامة الاوربية ، وهم يعتقدون بان مثل هذا الخيار يمثل ، الحل الاقرب والمنطقي ، للخروج ب " الامة العراقية " من حالة التمزق والتبعثر ، او الصراع بين المكونات الاجتماعية ، بعد انهيار الدولة المسماة حديثة . ولاينتبه هؤلاء المهتمون ، الى حقيقة جوهرية ، بحيث يبداون من تناولها والسعي لمعالجتها اولا . تلك هي مسالة " الاستعارة " النظرية والسياسية والفكرية ، وبعتقد هؤلاء ان القول بوجود الامة والمواطنة والدولة المدنية ، وغيرها من المفاهيم الشائعة والمتداولة الان ، هي امر بديهي ، وانها لاتتضمن نفس الطابع الذي كان للافكار والمشاريع القومية ، او الطبقية ، او الليبرالية بوجه عام ، مماكان سائدا وشائعا في العراق ، خلال القرن الماضي ، وثبت فشله وتناقضه مع موجبات البنية الوطنية العراقية .

وقد يظن هذا التيار ، بان القوميين او الماركسيين وغيرهم ، كانوا اقل قناعة ، او حتى اخلاصا ، في بعض الحالات ، لماكانوا يرونه ويعتقدونه جازمين ، بشان الامة ، او الشعب ، او الطبقات العراقية العتيدة . او انهم لم يكونوا يملكون التبريرات النظرية والتاريخية ، والفذلكات والتكتيكات التي توحي ، او تجعل من الواقع طوعا لمايعتقدون ويرون ، او وهذا هو الاهم ، ان هؤلاء لم يكونوا مخلصين ، او مندفعين بقوة الحرص على بلادهم ، والرغبة في رؤيتها على افضل حال . وهؤلاء هم في اقل تقدير الكتلة الاكبر ، من بين اولئك الذين اسسوا تلك التيارات ، واعتنقوا تلك الافكار والعقائد .

ليس هذا وحسب ، بل ان هؤلاء وهم كثرة كاثرة ، وقوى فعالة ، كان لها وزن وتاثير في الحياة السياسية والفكرية ، وحتى الاجتماعية ، قد كانوا في الحقيقة ، في غاية الاقتناع بان مايقولنه ومايفعلونه ، انما هو منطبق تمام الانطباق على الواقع ، وان الجهل والتخلف احيانا ، او الرجعية والشعوبية احيانا ، وقلة الوعي ، هي فقط الحائل بين تلك الافكار والتيارات ، وبين ان تسود وتنتصر ، ويتبناها المجتمع على اوسع نطاق لازم .

الاهم من هذا وذاك ، هو السبب الذي جعل هذه الافكار تترعرع في واقع العراق ، وتتطور وتصبح هي سيدة الحياة والخيارات السياسية والفكرية . بعض المتحمسين او من يحكمون على الظواهر بمنطق الارادة يحملون مفاهيم تصور الحياة ونمو الافكار وتطورها وكانها من قبيل الرغبة ابداها اشخاص بعينهم خطئا فصارت ، وهم بهذا يغفلون واقعة او مسؤولية الواقع نفسه ، فلماذا يسمح او يتيح واقع بعينه لافكار بذاتها ان تتغلغل فيه وتصبح متداخلة مع نسيجه وتؤدي فيه ادوارا ما خلال فترات ليست بالقصيرة ، مع كل مايترتب على ذلك من نتائج ومن تضحيات ، ومن مواقف ليست عابرة . ثم لماذا لم يدفع واقع العراق وقتها ، الى تبلور وظهور تيارات واتجاهات مطابقة لحاجة العراق ، ومايحاكي تكوينه وقتها .

من هذه الناحية ، يدخل علينا اصحاب تلك الافكار المستعارة ، بواحدة من اكثر الحجج مقبولية واقترابا من الحقيقة الواقعية والعلمية . فلاشك ابدا في ان قبول الواقع العراقي ، للافكار القومية ، والطبقية ، والليبرالية الحديثة ، كان قد حدث تلبية لضرورات قائمة في واقع العراق لحظتها . وفي ابسط تقدير ، هي نابعة من ضعف ، او عدم تبلور " الوطنية العراقية " في انذاك . فمن يقولون بان الافكار القومية والبعثية او الناصرية انتقلت الى العراق من خارجه ، لايسالون عن السبب الذي جعل العراق ، لايكون في حينه هو من يصدر الافكار والتيارات الى غيره وليس العكس ؟ .

لابد ان سببا ما بعينه ، هو الذي خلق هذه المعادلة الراجحه ، في ميدان الخيارات والتوجهات الفكرية والسياسية ، لصالح الغرب وبعض البلدان العربية . ولانجد توصيفا لهذا المظهر او سببا ، غير تاخر وعدم نضج وتبلور العراق وطنيا خلال هذه الفترة . ولنذكر هنا مسالة غاية في الاهمية والدلالة . فالجزيرة العربية مثلا ، واجهت في العصر الحديث ، نفس الاعتبارات والظروف عالميا وعربيا ، الا انها لم تعرف البعث ، او الحركة القومية بطبعتها الناصرية ، او الليبرالية والدولة الحديثة . وان حدث ووجدت ، ففي اضيق الحدود وعلى هامش الهامش ، ومن دون قدرة على التاثير ، بينما ظل الطابع الغالب على هذا الموضع هو الاسلام السلفي والقبلية . هذا بينما يمثل الاسلام السلفي في العراق ، خيارا في منتهى الضعف ، ولايكاد يذكر وعلى هامش الهامش ، مع ان " الوها بية " نشات في العراق ، ومحمد بن عبدالوهاب هو طالب علم ، درس في بغداد ، وهنا اطلع على السلفية الحنبلية ، قبل ان يطورها .

اذن ليس ماحصل في العراق ، من تبن واسع للافكار القومية والطبقية ، عائد الى رغبة تلك التيارات ، او قوة جهودها . بل كانت هنالك ضرورات اوجبتها ، وجعلتها ممكنة الحضور والفعل ، حتى وهي غير مطابقة ، ولا متداخلة بنيويا مع الحقيقة الوطنية والخصائص التاريخية . وهنا يبرز لنا السؤال البديهي التالي ، ولو من منطق التحسب للمستقبل ، وابقاء روح وجذوة الحركة التاريخية الوطنية والثقة بها مستمرة . فهل كان تبني العراق ونخبه وتياراته الفاعلة ، للافكار المستعارة ، من خارج بنية العراق ، بمثابة ضرورة اجبارية عابرة ، ام انه من قبيل الحلول والاستبدال ، الذي يعني حصرا وتحديدا سيادة تلك الافكار ، وتحولها الى افكار واتجاهات نهائية .

حول هذا السؤال تجري اليوم في العراق على الارجح ، مخاضات ومعركة محورية ، عليها يبنى من دون ادنى شك ، كل مايتعلق بالخيارات الوطنية العراقية حاضرا ومستقبلا . فالخيارات التي تجابهنا اليوم ، هي واحد من اثنين : فاما ان تستمر قوى وتيارات ماقبل الدولة السائدة حاليا ، في الهيمنة لفترة قد تطول اكثر مما هو متوقع ، برغم تشوهها وبقوة استغلالها لموارد الدولة ، والدعم من الخارج ، واما ان تتمكن القوى المستعارة ، من استعادة موقعها من جديد ، وتنجح في تعديل مساراتها ، وتطوير سلوكها ، وطريقة تفكيرها ، بما يلائم التطورات والتجربة الماضية وعثراتها . فهل يبدو في الافق ياترى من خيار غير هذين ، او بالاحرى ، ماذا قد تبقى لنا من خيارات اخرى ، يمكننا ان نكتشفها ونقرر اعتمادها ؟

الا يمكن بعد كل ماتقدم ، ان نفترض بان هنالك احتمال او خيار ، هو الارجح او الاقوى والصعب ، هو خيار " الوطنية العراقية " اي ان يتجه الوضع في العراق ، وميول القوى الحية ، الى اكتشاف خاصيات البلاد الوطنية التاريخية ، فتصوغها في مباديء ، ونهج ، وتيار ، وتكون هي وطنية العراق التي كانت غائبة خلال العصر الحديث ، وطمست لصالح المنظور والمفاهيم المعاصرة والحديثة ، سواء بتجلياتها الغربية المباشرة ا والعربية . الا يجوز ان يكون تطور العراق اليوم ، قد سار من ماقبل " الدولة والافكار الحديثة " ، الى مرحلة طغيان " الدولة والافكار الحديثة المستعارة " ، الى " الوطن كونية العراقية " ، او وطنية مابعد الدولة الحديثة ، وهذه هي قمة تطور وتبلور العراق في الحاضر ، وفي الدورة الحضارية الثالثة التي نعيش في غمرتها الان .

تحققات امة " التوحيدية التاريخية " الثلاثة ـ 5 ـ

ليست مناسبة ، او حالة طغيان الافكار والمشاريع المستعارة من خارج البيئة العراقية على هذه البيئة ، بالامر الجديد او غير المسبوق . وليس هذا المظهر عائد فقط الى العصر الحديث وحده ، ففيما عدا الدورة الحضارية الاولى ، اي الفترة مابين ظهور الحضارة السومرية وسقوط بابل ، عرف العراق من قبل حالة من سطوة وغلبة الافكار الوافدة اليه من خارج بيئته . حتى وان كان هو اصلها ، ومصدرها الاول . فالدورة الحضارية الثانية كما نعرف ، حصلت بسبب وبتحفيز من الثورة الاسلامية ، والفتح العربي الاسلامي ، هو الذي اعاد اليات العملية الحضارية والتاريخية العراقية ، الى العمل من جديد . وحين نقرا واقع العراق ابان الفترة الاسلامية ، نتعرف بسهولة على الجانب المتعلق بالصراع ، او التناقض الصارخ ، بين الافكار والرؤية " الوافدة " العربية الاسلامية الجزيرية ، وبين المفهوم العراقي الذي راح يتبلور ، بعد ان تعرق العرب الوافدون الى العراق ، واكتسبوا خاصياته فصاروا عراقيين وابناء بيئة اخرى هي بيئة العراق . وهذا الجانب الهام للغاية ، ينكره وانكره المؤرخون العرب وغيرهم ، وهوما كرس ، سطوة المنظور الجزيري على التاريخ العربي . واريد هنا ان اطرح تساؤلا ، وابحث عن احتمالات تتصل بتلك القضية الخطيرة والمفصلية . فماذا ، على سبيل المثال ، لو انتصرت في حينه " الحركة القرمطية " في العراق ، واسقطت الدولة العباسية ، ومنع الاتراك من الهيمنة على مركز الخلافة ، وتسييد نمط ، ومفاهيم مناقضة للدينامية العراقية ؟ وهل كانت السردية العربية للتاريخ ، تبقى على ماهي عليه الان . وكيف نتصورالوضع في مثل هذه الحال عموما ، وعلى مستوى الاسلام وثورته ؟ لاشك بان عدم حصول مثل هذا التطور الذي لم يكن مستبعدا ، كان هزيمة ، سواء للوطنية او المنظور العراقي للابراهيمية ، او للاسلام ، بما في ذلك طبعته الجزيرية العربية ، واليوم يعدد المؤرخون والمستشرقون اشكال الانتفاضات والثورات العراقية المتتابعة ابان الحكم الاموي . ويتابع البعض منهم تطور التيارات والافكار وما يسمونه المذاهب ، من الشراة / يطلق عليهم التاريخ الرسمي اسم الخوارج / الى الاسماعيلية واخوان الصفا ، الى القرمطية .الا انهم لايلاحظون المسالة الاهم في هذا الحراك التاريخي المتصل ، وينكرون بناء عليه ، مسالة اساسيه ، هي مسالة التناقض بين المفهوم الجزيري للابراهيمية ، والمتحقق في الاسلام والثورة المحمدية الكبرى ، وبين المفهوم " الابراهيمي " الاصل الذي تجدد بعد الفتح ، وهو النابع من الشروط العراقية ، التي اليها يرجع الفضل في اكتشاف " التوحيد " ، مع ما يكمن وراء هذه البنية من امكانات هائلة وجديرة باضفاء الحيوية ، او الدفعة المفهومية الثانية على الاسلام ، انطلاقا من ارض الابراهيمية الاولى . وفي كل مرة من هذه المرات او المناسبات الكبرى ، يظهر من هو مؤمن ، بالخيارات الوافدة والافكار والمشاريع المطروحة والسائدة ، وتلك " حقيقة " او جناية متكررة تدعو الى اعتماد الوافد مع شيء من التعديل او التحسين . والنقص الفادح هنا ، يظل يتاتى من ان اللحظة المطلوبة والفاصلة لم تات بعد ، وتلك هي التي تتضمن الشرط اللازم ، لظهور المفهوم ، او عناصر " الوطنية " ، او الهوية الضرورية الجامعة ، قبل تحقق الدولة المطابقة ، او التي تنشا وتتبلور من داخل النصاب الوطني ، وكتعبير عضوي عنه . واليوم ايضا تبرز امامنا نزعة قوية ، تميل الى تسييد " البداهة السائدة " عن الدولة ، من دون ان يعطي من يتبنونها ، الفرصة للهوية العراقية ان تتبلور اولا ، قبل الحديث عن الدولة ، او شكل النظام الذي يطابقها . فمن قال ، ولماذا تتم المصادرة مسبقا ، على شكل النظام ، بينما نحن لانعرف ماهي صيغة وتفاصيل واجمالي بناء الوطنية العراقية بعد .؟ اليس هذا مما يخالف العلم ، ومايغلق الطريق على الاحتمالات ، خاصة واننا نتحدث في باب تكثر فيه المفاجات مثل علم الاجتماع . هذا من ناحية ، ومن ناحية اخرى ، الا يستحق الامر اليوم ، ان نتساءل عن جدوى ، او صلاحية نظام " الدولة الامه " بالمفهوم الغربي ؟ ولماذا ياترى تتم استعارته مسبقا ، وهو يمر بفترة تازم وانتكاس ، تتعاظم يوميا ، وقد تتمخض عن انهيارات ، بدات الاوساط الفكرية في الغرب ، تشير اليها وتنوه بها ، هذه نقطة ، والنقطة الاخرى التي تخطر على البال هنا ، هي ماندعوه بنظام او قانون " التبادل التجاوز " بين الحضارة الاوربية ، والحضارة على الضفة الاخرى من البحر المتوسط التي نحن منها . اذ ان تاريخ تبادل وتفاعل هاتين الحضارتين ، اتسم دائما بالتداخل والتصادم ، ومن ثم التفاعل والتجاوز . وهو ماظل يحكم علاقة هاتين الحضارتين بالتوالي . ترى الا يجوز ، او الا يحق لنا ان نفترض باننا نعيش اليوم لحظة ، او حالة من هذه الحالات ، حيث يبدا تراجع الحضارة والنموذج الاوربي الغربي ، بعد ان ادى دورة واستفد اغراضه ، بينما ياخذ النموذج العراقي بالصعود والتحقق ؟ وهل من الطبيعي ، ان نبادر الى اغلاق مثل هذا الاحتمال في بلد مثل العراق ، ساهم على مدى التاريخ الطويل ، في اغناء التصورات والخيارات الانسانية ، ومازال الى اليوم يمثل في وجدان البشر ، اهم اثر حققه موضع في العالم ، فالمسيحية واليهودية والاسلام ، كلها منجز اصله عراقي، وهو المفهوم الذي يحكم وجدان غالبية بني البشرحتى اللحظة الراهنة . وقد يكون من الضروري والهام ، ان نلفت بهذه المناسبة الانظار ، الى ان المفهوم المحلي في العراق لايطابق كتصور او كاساس تصور ، تكوين هذا البلد ، ولايتناسب مع مهمته ودوره النابع من طبيعته ، وان القبول بالتعبير او الرؤية المحلية ، مثلها مثل التعبير المستعار ، ينمان عن نكوص عن الحقيقة المتضمنة في البنية العراقية ، وهذا ماينبغي ان نقراه وننتبه له ، من ضمن وفي راس تحرياتنا عن خاصيات الوطنية العراقية ، وهو مايتطلب تحرير الفكر العراقي ، من هيمنة النزعة المحلية التي اكره عليها ، كما من الشعور غير المقبول بالدونية امام اية افكار واردة . وبهذا يتم الغاء المدخل الاول لتحكم افكار ، وتصورات الخارج وهيمنتها ، على المنظور العراقي .

تحققات أمة " التوحيدية التاريخية " الثلاثة

ـ 6 ـ

صعدت " امة التوحيدية التاريخية " في ميدان الحضارة مرتين ، وغابت او انهارت وتردت اوضاعها لمرتين . النهوض الاول يتمثل في ظهور الحضارة الانسانية الاولى ، ودخول الانسان التاريخ . وهذه الفترة شهدت منجزات كبرى وتاسيسية ، اهمها وارقاها تلك التي عرفها العراق ، وتمثلت بمنجز هذه الحضارة الشامل ، المادي والروحي . فهنا جرت العقلنة الاولى للوجود والكون ، ووضعت اسس رؤية الانسان لعلاقتة بوجوده ، ولاداعي بالطبع لان نعدد المنجزات التي حققها العراقيون ، واهدوها الى الانسانية والتاريخ ، فهي مسطرة في الكتب والابحاث الا اننا نلاحظ :

1 ـ ان الواقع الحضاري في هذه المنطقة ، تحكمة دورات . فقد مرت هذه بحالات صعود ، ثم حالات انتكاس ، تترافق في العادة مع فقدان الذاتية الحضارية ، والوقوع تحت سطوة الامبراطوريات القريبه الاوربية منها والشرقية المجاورة .

2 ـ ان هذه الحضارة تتمتع بخاصية الديمومة عبر الانبعاث ، فهي لاتتوقف او تنتهي او تنهض لمرة واحدة ثم تختفي . بل تتراجع ثم ماتلبث ان تعاود الحضور والتجدد .

3 ـ ان هذه الحضارة متصلة بحالة وبنهوض العراق . باعتبارة الارفع دينامية والاعقد تكوينا ، فلا نهوض في المنطقة له طابع التعبير عن جماع طاقة والياتها الا مع نهوض العراق . وقد يظهر هنا او هناك بعض الحضور ، او الادوار ذات الطابع الدفاعي او الحضاري السلبي ، الا انه يظل بدلا عن ضائع ، الا عندما يكون العراق في حالة ازدهار وحياة . حدث هذا الامر مع سقوط بابل وتوقف وانهيار الدورة الحضارية العراقية الاولى ، حيث وقعت المنطقة برمتها ، تحت سطوة الامبراطوريات الفارسية واليونانية ،.وحدث مرة اخرى بعد سقوط بغداد العباسيين ، في القرن الثالث عشر . فلم تقم للمنطقة قائمة بعدها ، وتعاقبت عليها سطوة المماليك والاتراك ، ومن ثم الغرب الاوربي الناهض ، بينما ظهرت حالات من محاولة التعبير عن حقيقة وجماع طاقة الامة ، ومنها ماسمي بعصر النهضة قبل اكثر من قرنين ، والدور المصري والساحلي الحديث ، مما ثبت ماثبت فشله .

4ـ ان عامل الفعالية الرئيسي في حياة هذه المنطقة ، والمتطابق مع كينونتها والمحرك لالياتها ، هي "النبوة التوحيدية " فالنبوة بصيغتها التوحيدية الابراهيمية المتصلة ، من النبي ابراهيم الى النبي محمد / ص / هي قوة الفعل ، التي تعبر عن روح هذه الامة ، وميزت حضارتها وطابعها الاساسي ، والتي اسهمت في منحها خاصياتها .

5 ـ وعليه فان ادق تسمية يمكن اطلاقها لوصف هذا الحيز ، او التكوين الحضاري التاريخي ، هي تسمية " امة التوحيدية التاريخية " ، وهذه قد تجلت او تحققت في الماضي لمرتين . في المرة الاولى ، حيث تداخل المنجز المادي بالمنجز الروحي العراقي، وافرز " الابراهيمية " ، وفي المرة الثانية ، عندما قامت الثورة الابراهيمة الاخيرة / الخاتمة / في جزيرة العرب ، وعادت المنطقة الى النهوض ، وتاكيد ذاتيتها ، وتحقيق الفتح والانتشار ، واقامة امبراطورية ، كانت قلب العالم ، وظلت فاعلة ومؤثرة لبضعة قرون ، انطلاقا من مركزها بغداد ، الى ان انهارت عاصمتها الزاهرة ، وانتهت دورتها تلك ، ودخلت قرونا من تراجع الحيوية والفعل المتناسق ، فوقعت تحت سطوة وسيطرة الامم الاخرى ، وشاع التردي والتراجع والظلمة .

6 ـ يختلف التحقق الاول ، عن التحقق الثاني ، في ان الاول كان فعلا نبويا ، يفتقر الى الاداة التي تجعله مشروعا اجتماعيا وحياتيا . فاقتصر على كونه دعوة متواصلة ، تتوالى فيها النبوات بالتتابع ، وقد وجدت خارج ارضها ، واستمرت تمارس الانعزال ، بغرض الحفاظ على مثلها التي حملتها من الارض التي انبثقت فيها ." هذا هو تفسير سلوك العبرانيين حينما انتقلوا من العراق الى الشام ومصر فقد ظلوا يرفضون الاندماج في الشعوب الاخرى ، الادنى منهم تطورا في مجال علوم التوحيد "، ومن المهم ان ندرك عمق الماساة التي واجهها ابراهيم والابراهيمية منذ نشاتها ز عندما لم تتمكن من التحول الى مشروع يتم تبنيه اجتماعيا في العراق . فطردت لتمارس منذ تلك اللحظة " طلب الوعد خارج الارض " ، وهو الشعار الذي تم فيما بعد تزويره ، على يد المحرفين من اليهود ، هذا بينما تهيا للابراهيمية الخاتمة مع الدعوة المحمدية ، الاداة اللازمة للتطبيق والانتشار ، فصار العرب الجزيريون وقبائلهم ، هم " مادة الدعوة " ، وهذا هو تفسير او معنى " كنتم خير امة اخرجت للناس " . فخرج هؤلاء واستوطنوا المجال المعروف اليوم بالعالم العربي ، بينما تمكنوا من نشر ديانتهم بين امم وشعوب ابعد ، الى الشرق والغرب ، ماتزال تدين بتك الديانة حتى الان .

7 ـ ماذا تمثل الابراهيمية ، باعتبارها رؤية كونية في تاريخ المنطقة ، خلال الفترة اللاحقة او التي اعقبت الدورة الحضارية الاولى ؟ لقد مثلت هذه القوة المعبرة عن ذاتية الامة " امة التوحيدية التاريخية " في حلمها وطموحها الى العودة للنهوض مرة اخرى ، تحت سطوة الامبراطوريات المسيطرة الفارسية والرومانية ورغما عنها ، فكانت هذه تمثل الفكرة ، او الرؤية النابعة من تضاعيف هذه المنطقة ، والتي ابقت بوجودها وتجددها ، وتوالي انبيائها ، على الجذوة والحضور " الوطني " ، ومنعت ذوبان هذه المنطقة ، او توقف الاليات الحية والفاعلة في قلبها . فظلت هي اشبه بالجمرة المتقدة والمتجدده ، تنتظر اللحظة السانحة والمؤاتية ، ىالتي تتحول فيها الى نهضة مستعادة وهو ماحث في االقرن السابع في جزيرة العرب ، عندما عادت الاليات التاريخية من جديد الى الانبعاث ، وتراجعت سطوة الامبراطوريات ، وانهارت تحت ضربات النهوض الجديد .

8 ـ يسود اليوم في العالم ، مفهوم احادي عن وحدة الاليات الحضارية ، وتحقق الحضارات ونهوضها ، مستوحى لابل هو مستنسخ من الاليات الغربية الاوربية . وهو مايلتزم به الكثيرون ، ويعتبرونه او يستعملونه كمقياس لما هو صحيح ، وماهو خاطيء . ماهو منطبق على " الحقيقة " و" العلم " ، وماهو خارجها ، وبعيد عن العلم او غير متفق مع اشتراطاته . وهذا النمط من الافكار ، لايمكن ان يعي او يقبل وجود اليات اخرى لتشكل الامم وتطورها ، وهو يصر على تطبيق تلك الاليات الراهنة المستعارة ، على واقع وحقائق اخرى مغايرة ومختلفة . فما ترونه من التفاعل والترابط ووحدة الفعالية والتحقق الحضاري في منطقة التوحيدية التاريخية ، لاتقبله النظريات والمناهج الغربية ، التي يعتبرها البعض هي " العلم " ، بينما تقول حقائق ومسارات التشكل والتاريخ الحضاري في هذه المنطقة ، ان هنالك علم آخر ، وان قوانين الغرب تنطبق عليه ، وعلى تاريخه الخاص فقط ، وانها ليست العلم بالمطلق . وهذه التفاعلات ، والتداخل والتناغم مابين اجزاء منطقة التوحيدية التاريخيه ، مابين العراق وساحل الشام ومصر والجزيرة العربية ، تؤكد انها وحدة حضارية ، وانها ساحة تفاعل وتكامل عضوي وتاريخي ، له سماته وقوانينه .

واخيرا تبقى المسالة الاهم ، مما هو جديرة بالانتباه والتفسير . تلك هي مسالة النبوة و" التوحيد " ، واثرة ومدى فاعليته في تاريخ هذه المنطقة من جهة ، ولماذا كان هذا التعبير هو الابرز ، والاكثر فعالية وتاثيرا في المسار الحضاري لهذا العالم الحضاري بالذات . واخير ، ماهو دور النبوة اليوم . وهل هي قد ختمت فعلا ؟ وهل هي خاضعة لسنن التطور والتغيير ، بحيث يتجدد دورها في الحاضر، وتقود هي الثورة القادمة ام لا ؟ .

ملحق

العراقيون ومفهوم الله توضيح ملحق بالتحققات الثلاثة

حين بدات نشر سلسلة مقالاتي عن " تحققات امة " التوحيدية التاريخية " الثلاثة " ، لم يغب عن ذهني ، احتمال تعرض مايرد فيها من اراء ، الى الكثير من سوء الفهم ، وبالاخص من نمط او مجموعة ممن يسمون انفسهم ب " الاسلاميين " ، وهؤلاء هم السائدون اليوم في واقع العراق ، والذين يمارسون معتقداتهم المناقضة للدين وللاسلام ، وللعلاقة بين الله والانسان ، ويفرضونها على الناس ، اقصد الذين يحولون " الله " ، سبحانه وتعالى الى صنم ، والى مصدر من مصادر الجمود والموت . وذلك في الحقيقة من نتائج سنين طويلة ، لابل قرون عدة ، من التردي والتراجع في مفهوم الدين والعقيدة الاساس ، والتي حكمت تاريخ هذه المنطقة . اي منطقة " التوحيدية التاريخية " ، ومنحتها سماتها وكانت هي وماتزال ، محور اسهامها في التاريخ الانساني . ويباهي اليوم بعض ، او كثرة كاثرة من هؤلاء بما يوردونه من تحريمات ، ومايفرضونه من مسبقات وتقديسات على الناس وعلى عقولهم . وهو مايعود الى بقايا الفترات المماليكية والتركية في تاريخ المنطقة ، لا الى حيويتها التي عرفتها في القرون الاولى ، حيث ظهرت المذاهب والمدارس ، مثل اخوان الصفا ، والاسماعيليين ، والمتصوفة ، والقرامطة وغيرهم ، مما لاداعي لذكرهم وتعدادهم لكثرتهم . وقتها كانت العلاقة بالله مختلفة ، عما نراه ونلمسه اليوم بعد قرون التردي والموت الحضاري والخروج من التاريخ . فلم يكن الناس وقتها ، وفي عز الاسلام واندفاعته ، يخافون من مناقشة العقيدة في اصولها . ولم تكن حتى مااطلقوا عليه الزندقة وقتها ، قليلة ، اما اليوم فان هؤلاء يرفضون النقاش ، ويبداون من فرضية ان الله هو صنم عليكم ان تعبدوه بلا سؤال ، وهم يخوفون الاطفال بصورة الله في الصغر ، ويحولونه سبحانه ، الى بعبع . لا الى قضية متطورة ومتحركة ، ومجال من مجالات ممارسة الحياة ، والتفاعل مع الكون . لقد قال الامام علي بن ابي طالب مرة متحدثا الى الله " عبدتك لاخوفا من نارك ولا طمعا في جنتك " وقال الحلاج ماقال وكل هذه مظاهر ندية ، وشكل مختلف وحر من اشكال العبادة . وهذه هي العلاقة الحقة التي تجمع الانسان بالله . وليست الصنمية التي يقول بها اعداء الايمان الحق . لقد رد احد الاخوة علي يقول ، بانني قلت بان اسم الله اخترعه العراقيون ، وانه " ايل " الذي لم يكن له قبلها وجود ، لافي مصر ولافي اي مكان من العالم ، وهو مايعتقد الاخ بانه يخالف اسس الايمان . وانا اسال الاخ الكريم لماذا وجد الانبياء والكتب السماوية ؟ اليس لكي يعرف البشر ان لهم خالقا اسمه الله ؟ ولماذا قرر الخالق هذا الطريق ؟ هل لان الناس يعرفونه ، ام لانهم لايعرفونه ؟ لقد تحققت المعرفة بالله ، عبر قرون من النضال والنبوات ، وماتزال هذه المعركة مستمرة الى الان وستتواصل ، وهي تتمثل اليوم في مفهومين من العلاقة بالله ، مفهوم الصنمية التي تسمي نفسها اسلام ، وهي مضادة كليا للاسلام وروحه . ومسالة العلاقة التفاعلية بالخالق ، اي علاقة ابراهيم به حين قال له مشككا " ولكن ليطمئن قلبي " . لم يكن الله معروفا ، وكان البشر يعيشون بلا ايمان بالخالق عند بداية الحضارة ، والعراقيون هم اول من اكتشف وجوده ، واطلقوا عليه اسمه " ايل " ، وكان يمكن ان يطلق عليه اي اسم اخر غيره . يومها لم يكن الانبياء قد عرفوا ، ولاالكتب قد اوحي بها ، الى ان اكتملت النبوة ، وظهر التوحيد ، وخرج ابراهيم يدعو الى هذه الحقيقة ، التي لم تكن موجودة في مصر ، ولا في اي مكان في العالم . ونحن نعرف اليوم بان سلسلة من الانبياء ، قد تعاقبوا على نهج الابراهيمة العراقية ، وصولا الى النبي محمد / ص / ، وكل هذا يعود الفضل فية للعراق وللعراقيين ، وهو لم يتحقق بسهولة ويسر ، بل عبر نضالات قرون وقرون في الغربة ، وبين اناس وثنيين ، لهم معتقداتهم ووجهات نظرهم الراسخه . يريد بعض الصنميين ، ان يخوفوننا من تناول تاريخ العلاقة بالله ، وهم يحاولون ان يفرضوا على العراقيين طريقة في التعامل مع مفهوم الله ، هي طريقة الاخرين ، لقد اكتشف العراقيون " الله " ، ليس لانهم حولوه الى صنم ، بل لانهم كانوا شكاكين ومتقدي الذهن، وماحققوه وقتها من معرفة ، في المجال الكوني والالهي ، يتفوق على اي منجز اخر حققوه واهدوه الى العالم . ولهذا فان علاقتهم بهذا المفهوم هي علاقة عضوية . والعراقيون لايشعرون بغربة عن الله ، فهو منتجهم وجزء اساسي من تكوين ثقافتهم . وهم يناقشون ويحاججون فيه ، باعتباره قضية حياتيه متصلة بوجودهم ، وهذه العلاقة هم طرف فاعل فيها ، اما الصنمية فهي وافدة عليهم ، وتليق بغيرهم ، ممن تعرفوا على مفهوم " الله " كقضية وافدة ، جاءت من خارجهم . وهولاء ، من الطبيعي ان يتمسكوا بها ، تمسكا حرفيا وصنميا . هذا مع العلم ان بعض الشعوب تميل الى عبادة الاصنام ، بينما العراق كان مليئا بالنصب والاسود والحيوانات الطائرة ، ولم تعبد ، بل تجاوز العراق هذا النوع من العبادة ، مبكرا ، ولم تكن هي الاهتمام الاكبر ، بينما كان "ايل " هو الاله الاكبر هنا في ارض الرافدين . الصنمية عرفت في جزيرة العرب . ولدى شعوب اخرى ، وكانت متوغلة في نفوس وعقلية ، وطريقة تفكير العرب الروحية . وحين انتصر الاسلام ، ظلت هذه الطريقة فاعلة في علاقتهم بالدين الجديد وبالله ، الامر الذي رفضه العراقيون ، وسعوا الى الانقلاب عليه ، بمجرد وصول الاسلام الى العراق . واليوم فان مفهوم الله ، مرشح لان يكون قوة تحريك ، ومصدر ابداع ومحاججه وبحث ، حتى في ادق الدقائق . انه بالاحرى بحاجة الى تجديد ، وثورة ، تنهي مفهوم الصنمية الذي يسمي نفسه ايمانا ، وهو في الحقيقة مخالف كليا للايمان وروحه ، خاصة في العراق ن الذي يظل هو مقياس اي ايمان حق ، بحكم الريادة والبكورة ، لابل اكثر من ذلك ، مصدر ومكان اي ثورة تجديدية ابراهيمة ننتظر انبثاقها اليوم ، وتغير مفهوم الله والدين والنبوة ، وتخلصهما من الصنمية ، كشرط لاستئناف ثورة ابراهيمية جديدة .

fb