تحققات أمة " التوحيدية التاريخية الثلاثة /7
8 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 , بقلم عبد الامير الركابي
ـ 7 ـ
تمثل ارض السواد ، الموضع الحضاري ومكان تبلور الخصوصية العراقية وسمات العراق ، وفيه قامت الفعاليه الحضارية في الدورتين الاولى والثانية . ففي الدورة الاولى ، كانت ارض السواد هي العراق اصلا . وفي الدورة الثانية ، لعبت البصرة والكوفة الدور الحاسم في الفعا لية الحضارية ، وفي التحفيز الحضاري على مستوى العراق ككل . وكانت بغداد تابعا وليس فاعلا او مقررا ، فلقد عرف العراق الاسفل ، نهضة الادب والتقعيد الشعري واللغوي ، والفلسفة والتيارات والحركات والثورات ، المرتكزة الى اسس فكرية ومذهبية ، وعرف الاسماعيلية والتشيع بتياراته ، والتصوف ومن ثم اخوان الصفا والمعتزلة والقرامطه . وردا على تلك الفعالية التي اسهمت اصلا في انتزاع الحكم من الامويين ونقلها للعراق ، كان الحكم في بغداد ، الذي انتقل اليها اصلا من الكوفة ، ينحو المنحى المعتاد في جعل المدينة المركز ، موقع الانتاج الحضاري ، الا ان بغداد في الحقيقة لم تتحول الى مدينة ، خاضعة لارادة الدولة المنفصلة بالمطلق ، وظلت منقسمة ، تردد صدى المفهوم الاسفل ، ومفهوم اللادولة وتتبناه احيانا ، بينما لم تعرف بغداد في تاريخها العباسي ، الوحدة المفهومية التامة على هذا الصعيد ، وهو مايعود الى قوة الدفع من الاسفل . وحتى التسنن الذي يناظر البعث الحالي ، جاء هو الاخر من البصرة ، فمن هناك جاءت حركة الاشاعرة هي الاخرى .
وبصراحة فان العراق لايعرف حضارة ، او سجلا حضاريا ، او منظومة حضارية ، نابعة من المناطق العليا ، التي تحيط ببغداد او الى الاعلى من العاصمة . فالفعالية الحضارية العراقية ، تتعلق بارض السواد ، وبالشروط الانتاجية والاجتماعية المتصلة بها . كما انها تتعلق بنيويا ، بنمط من المجتمعات ، الخاصة والاستثنائية ، هي مجتمع " اللادولة " الذي تقوم فوقه دولة منفصلة ، تفتقر الى الجذور او القاعدة الاجتماعية المعتادة . والمهم في هذا المحيط ، او المجال المجتمعي والحضاري ، انه ابتكر تاريخيا نوع الرؤية ، واسس المنظور المطابق له ، والمميز لهذا الموقع بين مواقع وبلدان العالم . فالتوحيد و " النبوة " ، هما المنجزان اللذان تتجه نحوهما عادة ، الفعالية الحضارية هنا . ومن المهم في هذه القراءة ، ان نحاول اعادة هذا النوع من التعبير الى اصوله . فالافكار المتداولة عن " النبوة " والتوحيد ، تقول او هكذا تعود الناس على معاملتها ، على انها امر يتعلق بالاعتقادات المجردة والاصطفاء الرباني الفردي للنبي ، كما انهم يعتقدون ، بان علاقة الاختيار و" الاصطفاء " والوحي بين الله والنبي وهو المفهوم المتداول ، يستبعد فعليا ، لابل هو يرفض اصلا ، النظر في احتمالات خصوصية ما ، او عوامل " اصطفاء " اخرى . كمثل الاساس ، او المحيط وطبيعة المكان ، او النمط الذي تظهر فيه النبوة ، او التوحيد . ويعود هذا من جهة الى مستوى ماوصلت اليه النبوة ، خلال الفترة المعروفة حتى الان ، من تطور مرتبط بتطور اساسها الذي هي تعبير عنه . كما انها تعود الى الصعوبة ، او الاستثنيائية التي كانت تمنع العقل سابقا ، وحتى الوقت الحاضر ، من ادراك الخلفيات الكامنة ، وراء هذه الظاهرة المعقدة .
وبعد كل الجوانب التي تحدثنا عنها ، في السطور والصفحات الماضية ، والتي تبين مدى تعقيد الحالة ، او النمط الذي نحن بصدده ، اي حالة العراق وطبيعة الفعل الحضاري فيه . فقد يكون من المفهوم ، لماذا لم تتمكن البنية النبوية التوحيدية ، او بنية نظام " اللادولة " ، من التعبير عن الظروف او البنية التي تصدر عنها ، بان تلجا الى طريق التوضيح المنطقي المتسلسل . فهنالك علوم كان يجب استعمالها والتعويل عليها ، لم تكن متوفرة ، وكانت هي واجمالي الاسس الجاري البناء عليها ، هنا واليوم ن من قبيل مالا يمكن افتكاره انذاك . ولعل المقارنة بالحاضر تكون مفيدة ، فهانحن اليوم وبعد الاف السنين ، نحاول ان نضع قاعدة للفهم والادراك ، للحالة العراقية المخصوصة ، بينما ، لانكاد نامل بان تكون سلسة ومقبولة ، او انها سوف تقبل فورا ، و بمجرد اطلاع الاخرين عليها . كل هذا كان يحول دون التعبير " العقلاني " والمنطقي المتعارف عليه ، في الحالات التي تمثل الوطنيات والانماط في العصور الحديثة . وليس هذا فقط ، بل ان نموذج ونظام " اللادولة " بحد ذاته ، ينطوي على اليات فعل وتعبير ، لابد ان تكون مطابقة له ، ولالياته التي لاتنسجم مع المنهجيات ، التي انتجها الغرب مثلا ، خلال تطوره الاجتماعي الحديث .
بالمقابل فمما يثير الدهشه ، ان تكون تلك التعبيرات قد استطاعت في حينه ، ان تنتج نوعا من التعبير عن نمطها او حالتها ونموذجها ، اتسمت او اعتمدت على " الحدس " ، وتوسلت بال" الهام " ، بما انها طابقت صورتها الارضية المساواتية التشاركيه ، بخالق مطلق عادل ، فلقد تمكنت على مر الوقت ن من ان تجعل لحالتها " نظاما " وقواعد عمل تنظم الحياة ، وتتطور تباعا الى ان تصل الى الكمال النهائي . هذا النمط من الممارسه ن الذي هو نمط مطابق لحالة معاشة واقعيا .وتتشكل من علاقات عدالة خالية من التمايز ، هو نمط اجتماعي ، لم يكن ممكنا التعبير عنه بصيغته تلك ، او ان يربط بينه وبين الاجتماعي المعاش ن فاظهر من تلك الممارسة الجانب الالهي ، وركز على العقيدة ، لاعلى النموذج الذي تحول الى وعد ، واعتبر الاعلى والمطلق ، هو مصدر التشريع ، في حين ان ماحصل بالفعل ، هو ان نظاما وجد ، وهو نظام عدالة شاملة تشاركي تكوينيا ، اريد ان يقنن ، بوسائل مطابقة ، ارادوية ، ولاتتصل بمؤسسات او اجهزة ومؤسسات للتنفيذ ، بل بقوة الضمير و" الايمان " ، لان هذا المجال غير قابل اصلا ، لانتاج الاجهزة والدول ومؤسساتها ، وهذا بديهي مادام هو لاينتج " دولة " .
وينبغي ان ننتبه الى قوة ارادة التحقق في هذا الصنف من المجتمعات . فمجال او نموذج " اللادولة " النبوي ، هو مجال حيوي ، غير قابل للطمس ، او المنع عن التحقق ، فهو عالم مكتمل ، يتضمن طاقة غير محدودة للحضور ، بما هو عليه ، وبحكم طبيعته ، ومايستثيره من رغبة في السيطرة عليه ودحره ، من قبل الدولة القهارة العادية ، والقائمة على التمايز، فان رغبته في تاكيد ذاته ، وشعوره العميق بانه مجال يستحق العيش ، بما هو عليه ، ناهيك عن تكوينه العادل والتشاركي المساواتي ، بمقابل ومقارنه بالنموذج الاخر ، فان سعيه للتحقق ، يظل قائما ، ويتغذى مما يمكن اعتباره نوعا من الصراع الذي لاحل له ، وهو مانلاحظه في حالة العراق . والصراع المستديم بين هذا النمط ، ونمط الدولة الاعلى . والاهم ان هذا النمط وتعبيراته ، لم تتوقف محاولاتها لتاكيد ذاتها عند حدود او نطاق وجودها ، وحين لم يكن البقاء داخل الارض ، وضمن نطاقها ممكنا ، فان النبوة كانت تبحث عن ميادين اخرى ، تضمن بها الاستمرارية او التحقق ، بالقدر الذي يمكن ان تتحيحه مجالات جغرافية وبشريه اخرى .
هنا تاتي مسالة التفاعلية في نطاق المحيط . ويصبح المجال الذي سبق وذكرناه في موضع سابق ، اي مجال "الانماط الثلاثة والمجال الوسط " ، مجالا موحدا . وتاخذ مسالة " الطرد " او الهجرة في تاريخ النبوات ، مكانا ملحوظا ، يكاد يكون سمة لازمة ، " والهجرة " النبوية متكررة في سير الانبياء ن كانها احدى لوازم تجربتهم . كذلك تسود بعض المقولات التي تقارب القواعد ، ومنها " لاكرامة لنبي في ارضه " وكل هذا يعكس واقعة الاضطهاد المسلط على هذا النوع من التصورات ، كما يعكس في الوقت نفسه صعوبة تحقق النموذج اللادولوي .
غير انه وبالمقابل ، يظل من المثير للدهشه ، مقدار الاصرار الذي تبديه " النبوة " ، والانجازات المتناسقة والضرورية التي تمكنت من صياغتها ، برغم مايضادها واقعيا ، وبالرغم من مجافاة الحقائق المعاشة والوقائع لموضوعاتها . واذا تركنا مجال المعجزات جانبا ، وتحرينا الرواية والكتب التي حررتها هذه المدرسة ، وسعت الى جعل الناس يعتمدونها كسردية للحياة . فاننا سنتعرف بالفعل على نمط محكم من المعالجة للحياة والواقع ، يستحيل التغاضي عنها ، او رفض تخريجاتها كليا . وحين يعتقد البعض اليوم ، بان التاريخ التوراتي ، هو تاريخ غير متحقق منه ، وانه يحتاج الى الوثيقة ، فهم انما يتهمون الملايين من البشر الاحياء بالغفلة ، وحتى الغباء فمن يعتنقون احدى " القراءات الثلاثة الكبرى " على مستوى الجنس البشري ، يكادون يكونون الاغلبية ، والكنائس والجوامع ودور العبادة اليهودية ، منتشره في كل مكان وعلى امتداد القارات ، وكل هذا يجعلنا نتصور ان البشر الاحياء ، يجذبهم تصور خرافي لااساس له ، مع انه باعتناق الناس بهذه الكثافة ، قد تحول الى " واقع " انساني معاش ، هائل الحضور ، وواقعي ، اكثر من اية " واقعة مدعمة بالوثائق .
والافضل ان نصادق على ان العالم لايسير على هوى " التوثيق " ، وان هنالك في العالم شيء ليس من السهولة تفسيره ، مع انه يمثل " حقيقة " ملموسة . واذا كانت القراءات التوراتية الكبرى الثلاث ، تفتقر في اصلها الى الوثيقة المؤكدة ، الاانها لاتفتقر الى البناء الذي ينم عن " قيمة " ما واقعية . وهذه القيمة هي التي تكمن وراء هذا البناء ، الذي جرى الاصطلاح على انه " دين " ، في حين انه واقع مساواتي تشاركي قائم في الارض وموجود ، وان هذا الواقع ، هو الذي نشات من بين تضاعيفة ، الرؤية التي احيلت الى السماء ، بسبب عدم التحقق ، او استحالته في ظروف بعينها .