fb

مصطلح" امة التوحيدية التاريخية " بدلا من " الامة العربية "

22 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 , بقلم عبدالامير الركابي

يعود مفهوم " الامة العربية " المتداول ، الى العصر الحديث تحديدا . فهو ليس مصطلحا تداوله العرب في الماضي . ومثل هذا الاشكال ، اي اشكال عدم وجود مفهوم الامة العربية في التاريخ واللغة العربية وادبياتها ، واجه الكتاب والمنظرين العرب المعاصرين ، والبعض من هؤلاء ، الفوا كتبا في المجال المذكور ، محاولين كالعادة ، تطويع التاريخ لصالح الحاضر ومقتضياته ومستجداته . والمعلوم ان تاريخ العرب يرتبط مع تاريخ الدعوة الاسلامية ، وانتشارها في المنطقة . ومع الفتح والتوطن العربي في المناطق التي تعرف اليوم ب" العالم العربي " . وممارسات العرب تقول ، بانهم توطنوا خارج محيطهم من ناحية ، كما سعوا جهدهم الى تعريب الاماكن والمواضع التي توطنوا فيها . الا ان التوطن كان لابد ان يغلب بحكم مفعول الزمن والمعايشة ، على مساعي التعريب . فالعروبة الجزيرية ، كانت نتاج شروط انتفت بخروج العرب من الجزيرة العربية ، واصبح المتوطنون ، عراقيون وشاميون ومصريون وشمال افريقيين . ومافعلوه وهم في هذه المناطق ، هو نتاجات عراقية عربية وشامية عربية ..او مصرية عربية .. الخ ..

بالامكان طبعا ان نفترض ، بان العروبة بعد الانتشار والتوطن ، هي تلك التي تتوزع على البلدان العربية ، حسب خصائصها وماتتميز به تكوينيا وبنيويا ، عن الجزيرة العربية ، اي ان العروبة ماعادت العروبة الجزيرية الاولى ، السابقة على الفتح والتوطن . فهنالك الان عروبات شامية وعراقية ومصرية ومغربية . وهذه العروبات ، بالاضافة للعروبة الجزيرية ، صارت قائمة منذ القرن السابع ومابعده الى اليوم . اي منذ قرابة 1400 عاما ، وهي تمثل تاريخا اخر ، هو تاريخ مابعد العروبة الجزيرية . فهل العروبة هي مادة وارومة ، ام قضية قوم ، تحكمهم شروط وتاريخ وصيرورة ؟ .

بناء على التقسيم اعلاه ، يمكن ان نلاحظ مسالتين هامتين ، الاولى هي عملية او محاولة فرض استمرارية عروبة الجزيرة العربية على مابعدها . والثانية تتمثل ، في عدم تبلور العروبة الثانية في صيغة عربية جديدة ، تتناسب وحال العرب بعد التوطن ، اي بعد 1400 عام من خروجهم من الجزيرة ، وخضوعهم او تفاعلهم مع شروط اخرى . فالجهود ظلت تبذل بلا توقف ، من اجل اخضاع العروبة لتاريخ وثقافة الجزيرة العربية ، وقد لعب الاسلام وثورته ، دورا حاسما في فرض تلك النزعة ، التي استمرت قوية وفعالة الى الان . ذلك في حين ان اشكال التفاعل الجديدة ، والمقاومة التي ابدتها المواضع العربية ، وقام بها العرب المتحولون انفسهم ، ضد تلك النزعة . لم تؤد بعد الى بروز عروبة اخرى ، تكون نتيجة تفاعلات حقبة مابعد التوطن ، وانتشار العرب في المساحة الجغرافية والبنيوية الجديدة ، برغم طول الوقت وتبدل الظروف .

من الاسباب التي تحول دون حصول مثل هذه النقلة في التاريخ العربي . ان من نسميهم العرب ، او " الامة العربية " ، لم يكتشفوا بعد ، القانون الرئيسي الفاعل في تاريخهم ، وفي تشكلهم كامة فاعلة في التاريخ . فتسمية " الامة العربية " الحديثة مثلا ، هي تسمية منقولة اعتباطا ، ومن دون استناد الى الخاصيات المكونة للامة المقصودة تاريخيا . وهو تعبير اتاحته ظروف الاحتكاك بالغرب الحديث والمعاصر ، وعوامل استعجالية ، قررتها حالة الفراغ في السلطة ، التي لاحت في المنطقة ، على مشارف انهيار السلطنة العثمانية . فقد لعب ابناء الاعيان ، دورا اساسيا في بلورة معالم " شرعية " ، كانت ضرورية لاقامة حكومات من ابناء المنطقة ، تنهض بمهمة ادارة البلدان العربية ، بعد مجيء الاستعمار الاوربي ، ونهاية الامبراطورية العثمانية ، ولكي لاتقع المنطقة تحت الحكم الاستعماري المباشر .

ضمن مثل هذا السياق ، ظهرت موجة الحديث عن العرب والعروبة ، وصولا الى مفهوم " الامة " وايديلوجيتها . ومع كل التجارب التي خيضت باسم هذا الشعار ، او " المفهوم " ، الاان حاجة الامة العربية الى المفهوم العروبي القومي ، ظلت على ماهي عليه . فالمفهوم الذي تم تداوله في العقود القريبة ، لم يلب الحاجة الى رؤية قومية ، تطابق تاريخ واليات وخصوصيات المنطقة . وبينما ظل هؤلاء على سبيل المثال يتهمون سواهم ، وبالاخص الماركسيين منهم ، بالتغرب ، ومحاولة نقل وتوطين الافكار المستوردة . كانوا هم يفرضون على العرب ، مفهوما غير مطابق لتاريخ وكينونة امة العرب .

فالعرب ليسوا " امة " بالمعنى الغربي الحديث . اي القومي العنصري ، اللغوي ، التاريخي ،الجغرافي ، الاقتصادي ، الديني ، وغير ذلك من اسباب وعوامل تشكل الامم في عالمنا الحديث . وما يحكم تاريخ وتشكل هذه المنطقة ، غير تلك العوامل او العناصر . فهي قد ارتبط تشكلها ، بفعل عنصر وعامل رئيسي ، هو الذي يجوز لنا ان ننسبها اليه . ذلك هو عنصر " التوحيدية التاريخية " . فهذه المنطقة ، هي التي اكتشفت التوحيد ، وحققت به رؤيتها الكونية الخاصة والمميزة . وهي التي عمل التوحيد في داخلها ، كقوة فعل " تاريخية " ، ظلت هي الوحيدة الفعالة ، تحت حضور وسطوة الامبراطوريات الفارسية والرومانية . فتناسل المفهوم المذكور نبوات متتابعة ، الى ان انتقل الى الجزيرة العربية ، وتحقق بالاسلام والفتح ، الذي اعاد تحرير المنطقة ، وضخ فيها عوامل النهوض . فانتعشت فيها لقرون دورة حضارية ثانية ، بعد الدورة الاولى ، التي عرفت الحضارات القديمة ومنجزاتها الكبرى التاسيسية ، ومنها الابراهيمية او " التوحيدية التاريخية " .

لم يصنع او يكتشف العرب " التوحيدية التاريخية " ، بل هي التي صنعتهم وانهضتهم . وثورتهم التوحيدية الابراهيمية الخاتمة ، تؤكد اولوية مكانة " التوحيدية التاريخية " وليس العروبة . وحين انتشر العرب في المنطقة التي توطنوا فيها ، وسادوا ثقافيا وعدديا . فقد فعلوا ذلك ب" التوحيدية التاريخية " ، وليس بالعروبة . فشرط نهوض العروبة كان ، تجاوز " الجاهلية العربية " ، والانتقال الى " التوحيدية " . وكل هذا يعيد تاكيد حقيقة اولوية " التوحيدية " ، على اي عامل ، او عنصر تاريخي اخر في التاريخ ، في التشكل العربي ، وتشكل هذه المنطقة على الاجمال ، ومنحها خاصياتها ، وطابعها الحضاري المعبر عن شخصيتها.

كيف تجلى او تبلور وظهر هذا العامل او العنصر في التاريخ . في اية شروط ، وكيف سارت المنطقة عبر الحقب والمراحل ، بينما العامل انف الذكر ، حاضر ومستمر وفعال ، واشتغل كمحفز ومحرك . وطاغ ، مثلما كان هو التعبير الابرز لهذه المنطقة من العالم ، ومنها انتشر الى المعمورة ، وشكل اهم ملامحها . وهل هو مايزال فعالا الى اليوم . او يمكن ان يتجدد ، بحيث يعيد لهذا الجزء من العالم نهوضه وحيويته . هذه الاسئلة تقتضي منا تحريات شاملة وضخمة ، نكتفي منها الان ، بتاكيد ان هذه المنطقة تكون اكثر قربا من حقيقتها التاريخية ، اذا اطلقت عليها تسمية " امة التوحيدية التاريخية " ، وليس التسمية الشائعة الان ، اي " الامة العربية " اولا . وثانيا ، ان لهذه المنطقة قوانينها في النهوض والفعل في التاريخ ، وهذه تتصل بتطورات وفعل " التوحيدية التاريخية " ، التي صارت مرتبطة الان ، بحلول الدورة النبوية الثانية ، بعد الدورة الحدسية الالهامية ، التي ختمت بالاسلام الجزيري ، ورسالة النبي محمد / ص / .

fb