حكاية الإرتزاق الإعلامي والسياسي-2- بين فكي البترودولار المفترس
26 كانون الثاني (يناير) 2010 , بقلم صباح علي الشاهرمع الطفرة النفطية، وتضاعف ثروات الدول الريعية، أصبح كل شيء خاضعا لقانون السوق الذي يتحكم فيه العرض والطلب . قبل حدوث هذه الطفرة تفطن العديد من الكتاب والمفكرين إلى خطورة عصر البترول والدول البترولية، وأصدروا العديد من الدراسات والكتابات التي تُشير إلى خطورة ما سيحدث، لقد تنبأوا مبكراً بسيادة قيم عصر البترودولار ، إلا أن هذا الجهد لم يتواصل بسب ذلك التزاوج المصلحي الذي تم بين الأنظمة المستبدة، يمينية كانت أم تقدمية، ملكية أم جمهورية. لقد تغيّر حال وموقع الحاكم الثوري الذي كان يتغنى باسم الكادحين، فأصبح ينافس حكام البترودولار في البذخ والإنفاق والصرف على المؤسسات الإعلامية المأجورة، وشراء ولاء المرتزقة ممن إمتهنوا حرفة الكتابة أو الفن ، بعد أن أصبح هو ذاته مندرجاً ضمن نادي ( البترودولار) . لم يكتف الحاكم الذي كان تقدمياً بتشويه العمل الإعلامي وتخريبه ، بل عمد إلى كم الأفواه ، ومحاصرة وتهجير النخب الفكرية ذات الرأي الخاص أو المستقل. في الستينات كان حظ دول البترودولار من دعم الأدباء والصحفيين والمفكرين لا يكاد يذكر. لا بل يمكن القول أن اليساري والقومي والليبرالي من أجل أن يعزز يساريته أو ليبراليته فإنه يدبج المقالات ضد أولئك المتخمين المتخلفين الذين لا يهتمون بأمر الأمة والذين حولوا دولهم إلى شركات نفط . وكان البعض يبتز حكام الدول البترولية ، حيث كان يصدر صحفا فضائحية في لندن أو باريس، والعواصم الغربية الأخرى، موسمية أو مؤقته، مهمتها التجريح بهذا الشيخ أوذاك ، بهذه الأمير أو ذاك، ونشر الفضائح التي كان أغلبها مفبركاً قصد الإبتزاز، وبالفعل فبعد صدور عدد أو عددين من هذا المطبوع يكون هذا الصحفي الفضائحي المبتز قد تسلم شيكاً بالمقسوم، فيقوم بإيقاف إصدار المطبوع، ويعاود إصداره إذا لم يستلم المقسوم بين فينة وأخرى. لقد كان سادة وشيوخ النفط ملطشة، كما كانت مفردة ( البترودولار سبة )! . لقد أحصيت العديد من أعمدة الكتاب في الصحف اليسارية والقومية ، تلك التي لا شغل لها سوى تناول حكام البترودولار، فوجدت أنها تكاد توازي تلك الأعمدة التي تتحدث عن شؤؤن الحياة والمجتمع . الغريب في الأمر أن هذه الأعمدة تلاشت مع تلاشي هذه الصحف، وتحوّل كتابها فيما بعد إلى مداحين من طراز خاص، ومشعوذين، لاشغل لهم سوى التغني بحنكة وعدالة وحكمة من كانوا يسخرون منهم قبل بضع سنوات . ماذا حدث ، وما الذي تغير ؟ الذي حدث أن ميزانية هذا الدول والدويلات تضاعفت، ربما عشرات المرات ، وأن ثمة من أشار على زعماء هذه الدول بأن يخصصوا جزءاً من هذه الملايين أو المليارات لإ راحة بالهم، وأبدال حملة التجريح بحملة شفافة من المدح الذي إن لم يكن صريحاً فمبطناً ، أو على الأقل إيقاف هذا الرصد لسلوكيات وتصرفات أولي الأمر، وجعل الكتاب يكتبون في كل الساحات ما خلا ساحة الإمارة أو المملكة، أو الجمهورية النفطية . في أواخر الستينات ، وأوائل السبعينات دخل البترودولار عالم الإعلام والصحافة، يومها لم تكن الفضائيات قد وجدت . تم تأسيس دور نشر وصحف باذخة الغنى والإقتدار، معززة برصيد مفتوح ، وتم تشغيل أعداد كبيرة من الصحفيين في هذه الصحف، أكثر من الحاجة، وبرواتب ومكافآت لم يعتد الكتاب على مثلها من قبل ، وبالترافق مع هذا تم شراء صحف أخرى ، ناجحة ومشهورة، كما تم التوسع في إصدار المجلات الفنية ومجلات المودة ، وتلك المهتمة بشؤون المرأة بشكل مبالغ به ، وبطباعة أنيقة ، غاية في الجودة والإتقان وعالية الكلفة، بحيث أنه بكلفة غلاف مجلة واحدة يمكن طبع رواية أو ديوان شعر . وفجأة إرتفعت أسعار الطباعة، وأسعار الورق، ولم يعد بإمكان الكاتب نشر نتاجه، وإذا أفلح في نشر كتابه فكيف يسوّقّه علماً بأن أجور النقل إرتفعت كثير جداً ، ومع مرور السنوات أصبح من المتعذر على الأديب ، قاصاً أم شاعراً نشر نتاجه من دونما مساعدة من هذه المؤسسة أو تلك ، علماً بأن أغلب المؤسسات الصحفية أصبحت مملوكة لأباطرة رأس المال، ولعمالقة يملكون ليس وسائل النشر والتوزيع فحسب ، بل يملكون كل شيء تقريباً ، بحيث لا يهمهم إن خسروا في مجال الإعلام ، إذ من السهل عليهم تغطية هذه الخسارة من إرباحهم التي لا حصر لها في المجالات الأخرى، ومن الدعم الذي يتلقونه من حكومات البترودولار. وشهد عقد الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي الهيمنة شبه الكلية على ميادين الإعلام كافة، المقروءة والمسموعة والمرئية، ودشن البترودولار أولى القنوات الفضائية، والتي أصبحت فيما بعد عشرات القنوات، في شتى المجالات، إخبارية ومنوعة، فنية ودينية، إقتصادية ورياضية، ومع بداية القرن الحادي والعشرين تم دخول ميدان الإنتاج الفني و السينمائي ، حيث أصبح الإنتاج الفني والسينمائي هو الآخر باهض الثمن يعجز عنه المنتج الصغير غير المدعوم، مما جعل هذا الميدان أيضاً ينحشر بين فكي البترودولار المفترس . وبهذا تم التحكم كلياً، لا بالإعلام بكل صنوفه ، ولا بحركة الإنتاج الفكري والأدبي، وإنما بالفن برمته، بدءاً بالفديو كليب، إلى الحفلات الغنائية، والمسلسلات التلفزيونية ، والأعمال السينمائية ،