اقتراح قمة عربية للثقافة
27 كانون الثاني (يناير) 2010 , بقلم السيد يسين
القاهرة
مما لا شك فيه أن غياب العقل النقدي العربي، يعد أحد مظاهر الأزمة الثقافية العربية، لأن غياب هذا العقل أدى إلى سلبيات متعددة سواء في الممارسة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.
وقد يكون من العلامات الإيجابية أن النخبة الفكرية والسياسية أدركت خطورة هذه الأزمة، وضرورة مواجهتها بسياسات ثقافية متكاملة. وأريد بهذا الصدد أن أقدم إطاراً نظرياً لدراسة الظواهر الثقافية بشكل عام، من شانه أن يبرز الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر عليها، بالإيجاب أو بالسلب.
والواقع أن هناك منهجيات متعددة يزخر بها الآن ميدان التحليل الثقافي، ولكننا آثرنا أن نتبنى منهجية خاصة بـ"الأزمة الثقافية"، لأنها هي التي تصلح لتطبيقها على الوضع الراهن للثقافة العربية. وهذه المنهجية سبق أن اقترحها وطبقها عالم الاجتماع الألماني هانز بيتر درايتزل في دراسة له بعنوان "في معنى الثقافة" نشرت عام 1977 في كتاب جماعي حرره نورمان بيرنبوم بعنوان "اجتياز الأزمة".
في الإطار النظري المقترح مبدأ نظري مهم، ينطلق منه أي باحث نقدي في علم الاجتماع، وهو ضرورة تحليل العلاقات بين الثقافة وبناء القوة في المجتمع، Power Structure، ومن ناحية أخرى يحدد الإطار الوظائف المحددة للثقافة في أي مجتمع، والتي تهدف أساساً للحفاظ على أنماط الإنتاج السائدة وعلى عملية إعادة الإنتاج. وفي هذا الصدد هناك ثلاث وظائف يمكن التمييز بينها:
الوظيفة الأولى تتمثل في أن ثقافة مجتمع ما تمد أعضاءه بتبريرات لشرعية نمط الإنتاج السائدة ونمط التوزيع.
الوظيفة الثانية، أنها تمد الفرد – من خلال إجراءات وطقوس التنشئة الاجتماعية المقبولة – ببنية دافعية تربط بين هويته والنمط السائد للإنتاج.
الوظيفة الثالثة، أنها تمد أعضاء المجتمع بتفسيرات رمزية للحدود الطبيعية للحياة الإنسانية.
والفكرة الرئيسة التي ننطلق منها في بحثنا هي أن المجتمع العربي قد وصل إلى نقطة، ثبت منها أن النسق الثقافي عاجز عن القيام بهذه الوظائف، ومن هنا تأكيدنا بأننا نواجه في الوقت الراهن أزمة ثقافية عربية.
تحليل الأزمة اذا هو المدخل الذي يقترحه درايتزل للتحليل الثقافي، ولذلك نراه يتعمق في مختلف جوانب الأزمة، فيتحدث عن ثلاث أزمات: أزمة الشرعية، وأزمة الهوية، وأزمة العقلانية العملية. غير أن بعض علماء التحليل الثقافي يرون أن التركيز على مدخل الأزمة فقط، فيه قصور نظري واضح، لأنه لا يستوفي شروط النظرية النقدية.
فالنظرية النقدية – عند بريان فاي – في كتابه المهم "العلم الاجتماعي النقدي"، تهدف إلى تفسير النظام الاجتماعي بطريقة تصبح هي ذاتها الفاعل الذي يؤدي إلى تغييره. وبالتالي أي نظرية نقدية – لكي تستحق هذا الوصف – لابد أن تتضمن سلسلة مترابطة من النظريات الرئيسة والفرعية، والتي لا تقنع بوصف الأزمة أو تحليلها، وإنما ترتقي الى مستوى رسم سبل تغيير النظام الاجتماعي من خلال تعليم الجماهير. وفي ضوء هذه المسلمات يضع بريان فاي التخطيط التالي للنموذج الكامل للنظرية النقدية، والذي يتضمن أربع نظريات رئيسة:
1 نظرية عن الوعي الزائف: تذهب هذه النظرية إلى أن طرق فهم الذات بواسطة مجموعة من الناس زائفة (بمعنى عدم قدرتها على أن تضع في الاعتبار خبرات الحياة لأعضاء الجماعة أو كونها غير متسقة لأنها متناقضة داخلياً، أو للسببين معاً). وهذا التحليل يشار إليه أحياناً بـ"النقد الإيديولوجي".
2 نظرية عن الأزمة: تحدد ماهية الأزمة الاجتماعية، وتثبت كيف أن مجتمعا ما واقع في مثل هذه الأزمة. وهذا قد يقتضي دراسة ضروب عدم الرضا الاجتماعي، وأنه لا يمكن القضاء عليها، إذا ما استمر تنظيم المجتمع على ما هو عليه.
3 نظرية عن التعليم: تقدم عرضاً للشروط الضرورية والكافية لتحقيق التنوير الذي تهدف إليه النظرية. وتبرز كيف أنه بالنظر إلى الموقف الاجتماعي الراهن، فإن هذه الشروط تعد مستوفاة.
4 نظرية عن فعل التغيير: تعزل هذه الجوانب من المجتمع، والتي ينبغي تغييرها، إذا ما أريد حل الأزمة الاجتماعية، والقضاء على ضروب عدم الرضا لأعضاء الجماعة، وتقدم خطة للفعل، يحدد فيها من هم "الفاعلون" الذين سيتحملون مسؤولية التغيير الاجتماعي المأمول.
وفي تقديرنا أن النموذج النظري الذي يقدمه بريان فاي يتسم بالشمول، والترابط العضوي بين مختلف نظرياته، وأهم من ذلك أنه يؤكد على المسؤولية السياسية للعالم الاجتماعي، والذي ينبغي أن يكون ناقداً اجتماعياً حتى يستحق هذا الوصف.
وبناء على ذلك حين ندعو لنظام ثقافي عربي جديد، فهذه الدعوة في حد ذاتها، لا قيمة لها، إن لم تحدد من هم "الفاعلون الاجتماعيون" الذين سيتولون مهمة صوغ هذا النظام الجديد، وأبعد من ذلك أهمية اقتراح وتحديد استراتيجيات العمل للتغيير الاجتماعي، لمصلحة الجماهير العريضة.
ولو تأملنا النظريات المتعددة التي حددها بريان فاي لمواجهة الأزمة الثقافية للمجتمع، لوجدنا أنه تقف في صدارتها نظرية عن الوعي الزائف. وترد أهمية هذا الموضوع إلى أنه من المسلمات أن أجهزة الدولة الإيديولوجية، ونعني مؤسسات التعليم والإعلام تؤدي دوراً مهماً في نشر الوعي الزائف لدى الجماهير بشرعية النظام السياسي القائم أيا كانت طبيعته. والمهمة التي ينبغي أن يتصدى لها المثقفون النقديون في المجتمع هي تبديد هذا الوعي الزائف وتنوير الناس وإمدادهم بالوعي الحقيقي الذي يشرح لهم بناء القوة في المجتمع، وكيفية العمل لتغييره باتباع الوسائل السلمية.
غير أن ذلك يقتضي في المقام الأول إبراز ضروب عدم الرضا الاجتماعي، وردها إلى أسبابها الموضوعية، وسواء تعلق ذلك باحتكار عملية صنع القرار السياسي بواسطة قلة من النخبة السياسية الحاكمة، أو نتيجة لتطبيق استراتيجيات اقتصادية تهدف في المقام الأول إلى إثراء الطبقات العليا في المجتمع على حساب جماهير الطبقة الوسطى وجماهير الطبقات الدنيا، مما يؤدي عادة إلى فجوة طبقية واسعة، لها آثار سلبية سواء على اتجاهات الناس أو على سلوكهم الاجتماعي.
غير أن تحقيق هذه الأهداف لا يمكن – في ضوء النظرية التي نعرض لها – أن يتم بغير إقناع الناس أن هناك شروطاً ضرورية وكافية لتحقيق التنوير الذي تسعى النظرية إلى تحقيقه، وأن هذه الشروط مكتملة وجاهزة للتطبيق. ونصل أخيراً إلى فعل التغيير ذاته، ويقتضي ذلك تقديم خطة مفصلة للتغيير تحدد الجوانب الاجتماعية التي ينبغي تغييرها، وأهم من ذلك الإشارة إلى الفاعلين الذين سيتحملون مسئولية التغيير.
ولو نظرنا إلى المشهد الاجتماعي العربي الراهن لاكتشفنا أن هناك حيوية سياسية في كل البلاد العربية بدون استثناء، وأن أصوات المعارضة للأوضاع الراهنة بدأت ترتفع وتعبر عن نفسها بطرق شتى، سواء في إطار الأحزاب السياسية في البلاد التي تسمح بها، أو من طريق منظمات المجتمع المدني التي نشطت في العقود الأخيرة بصورة لافتة للنظر في المشرق والمغرب والخليج، أو من خلال شبكة الإنترنت، حيث برزت المدونات العربية التي يمارس فيها "مدونون" عرب يعدون بالآلاف النقد السياسي العنيف لممارسات النظم السياسية العربية الشمولية والسلطوية، وكذلك النقد الاجتماعي الجذري للممارسات الاجتماعية المحافظة والرجعية. أمر محمود أن تدرك النخب السياسية العربية الحاكمة أهمية بحث موضوع الثقافة في قمة عربية تعقد في إطار جامعة الدول العربية، ولكن السؤال الأهم هل أعضاء هذه النخب جاهزون للتخلي عن بعض امتيازاتهم الطبقية ونفوذهم السياسي التقليدي، لفتح الطريق أمام الجماهير العريضة للمشاركة السياسة في عملية صنع القرار من ناحية، وفي توزيع أكثر عدلاً للدخل القومي من ناحية أخرى؟
أسئلة استراتيجية لن نجد إجابة عنها إلا إذا عقدت القمة العربية الثقافية المقترحة وتابعنا مناقشاتها وقراراتها النهائية!
(باحث مصري)