نسخة من المقال للطباعة fb

مستقبل السنّة في العراق بالانفتاح على "المتنورين الشيعة

1 شباط (فبراير) 2010 , بقلم حامد الحمود

يوفر المختبر الأدوات اللازمة للعاملين في مجال الكيمياء والفيزياء والأحياء للتأكد من صحة افتراضاتهم، وهي أدوات محروم منها الباحثون في السياسة والاجتماع وحتى الاقتصاد. فالثلاثية الأخيرة تعتمد كثيرا على ما تفرزه الحروب والتقلبات السياسية والهزات الاقتصادية لمراجعة الرؤى والافتراضات لتأكيدها أو تجديدها. لذا فإن الانتخابات النيابية التي سوف تجري في العراق في السابع من آذار المقبل، والتي تأتي بعد سبع سنوات من سقوط النظام الديكتاتوري، ستشكل نتائجها فرصة لقياس مدى التحولات التي طرأت على اقتناع الناخب العراقي من ناحية مدى تأثير انتمائه الطائفي على خياراته الانتخابية والتي يمكن قياسها بنسبة الناخبين ضمن قوائم علمانية إلى هؤلاء الذين نجحوا لتمترسهم في قوائم طائفية سنية أو شيعية. وهي نتائج ليست مهمة للعراق فحسب، وإنما لكثير من الأقطار العربية، خاصة أن العراق يمثل حالة عكسية لأقطار مثل السعودية والكويت وسوريا واليمن والتي يشكل فيها الشيعة أقلية عددية. فوضع السنة في العراق هو

شبيه بوضع الشيعة في البلدان الآنفة الذكر. والانسجام بين الشيعة والسنة في العراق، أو حدوث تحولات تؤدي إلى اضمحلال الهوية الطائفية لكل منهما، مقابل بروز هوية وطنية، له أثر كبير في حدوث تحولات في هذا الاتجاه في الأقطار المجاورة للعراق.

والمراقب لسلوك القوى السياسية في العراق يرى تحولين مهمّين خلال الأشهر الأخيرة: الأول هو تراجع " ائتلاف دولة القانون " الذي يرئسه نوري المالكي من وسطيته إلى النكوص إلى " الائتلاف الوطني العراقي " الشيعي. فبعد أن نجح المالكي من التقرب من قوى سياسية سنية وأخرى علمانية بعدما تحقق استقرار نسبي في العراق، أدت التفجيرات التي هزت وسط بغداد في الأشهر الأخيرة، مسببة مقتل المئات من الأبرياء وجرحهم، إلى تآكل شعبية المالكي واضعافها والتي كان بناها على تحسين الوضع الأمني للعراقيين. فكان أن قذفته هذه التفجيرات إلى حضن الائتلاف الشيعي معلنا رجوعه إليه من أمام منزل المرجع الشيعي علي السيستاني. ويرى حميد الكفاني في "الحياة" 11/01/2010 أن المالكي اختار هذا المكان ليوحي للبسطاء من الناس أن رجوعه إلى "الائتلاف الوطني العراقي " الشيعي كان بمباركة من المرجع الشيعي الأعلى. هذا بالرغم من أن السيستاني كان أعلن أكثر من مرة أنه يقف

على مسافة متساوية من جميع القوى السياسية.

أما التحول الثاني، والذي يعكس نضجا لدى قيادات تنتمي إلى الطائفة السنية، فهو انسحاب طارق الهاشمي من "جبهة التوافق السنية" وانضمامه إلى "الكتله الوطنية العراقية" العلمانية التي يرئسها اياد علاوي و تضم مرشحين من مختلف الطوائف بعد أن تخلى عن رئاسة الحزب الإسلامي والذي يعكس توجه حركة الإخوان المسلمين في العراق. وهو إدراك مبكر من أن مستقبل أفضل للسنة في العراق لا يتحقق من خلال التقوقع في تنظيمات سياسية سنية، وإنما من خلال الانفتاح على المتنورين من الشيعة، والذي يؤمنون بأن الاستقرار والازدهار في العراق يتحقق من خلال تقوية الهوية الوطنية وإضعاف الهوية الطائفية. وقد يكون من المناسب مستقبلا أن تتخلى القوى السياسية التي تنتمي إلى الطائفة السنية عن منصب رئاسة مجلس النواب الذي خصص لها الى شيعي ينتمي لحزب علماني، كبادره لتحرير المناصب السياسيه من الانتمائات الطائفيه.

إن نتائج الانتخابات في العراق سوف تكون مؤشرا نقدر فيه عدد السنين وربما العقود التي سوف نبقى فيها نحن في هذه المنطقه تحت وطأة هذا المد الطائفي البغيض.

(رجل اعمال كويتي)

نسخة من المقال للطباعة fb