نسخة من المقال للطباعة fb

كتابات العار/عزيز الحاج وخضير طاهروعبدالخالق حسين

3 شباط (فبراير) 2010

يمكن للبعض من الكتاب على مايبدو ان يصلوا الى درك من الانحطاط يفوق القدرة على التخيل بحيث يتحولون االى مدافعين عن محتلي بلدهم ، لابل وان يجعلوا من القتلة والمجرمين شهداء ابرار ، هذه محاولة فريدة في التاريخ وفي ميدان الثقافة والفكر والسياسة ، وهي خطيرة لانها تتجرا على المقدس ، ولعل تلويث معنى الشهادة ومفهوم الحرية والتحرير هو مايحاول هؤلاء ان يشقوا فيه طريقا مستحيلا ، وكل هذا يجري في العراق ، البلد الاكثر توثبا وتطلعا للحرية على مر التاريخ.

لن يتمكن هؤلاء من قتل معنى الثقافة ، ولن ينجحوا في تلطيخها بالنجاسة والعار ابدا وترسانة المدافعين عن الاحتلال ومحاولة اسباغ معنى عليه تبوء بالفشل لانها اصلا تدعي انها تقف بصف الحرية ، ولاحظوا ان هؤلاء يدعون ان غزو العراق كان " تحريرا " اي انهم يريدون القول بانهم يدافعون عن " مفهوم " آخر اكتشفوه فجاة للاحتلال ، وليس عن الاحتلال فثمة احتلال " محرر " كما يدعون ويجاهدون دون جدوى لاثبات مايعلمون انه عار .

غير ان الوقئع الصارخة تكذب هؤلاء ، وكل يوم يمر تتحول مجهوداتهم الى هباء والى مجرد عار صرف يتحمل وزره اولئك الذين عبروا ويعبرون عنه ، والطبيعي ان يكون هؤلاء ابعدمايكونون عن كسب تاييد او ثقة احد ، فهم انماط رثة ومستهلكة ، تاريخها مليء بالعفن والتقلبات ، ومايقوله الناس عنهم ، هو انهم قد انحدروا اخيرا نحو هاويةلاقرار لها من الخزي والمتاجرة بالافكار، لعل المستقبل يعيد علينا قراءة لهذه الظاهرة الفريدة هي الاخرى ، ونتذكر او نكمل عراقيا ماكتبة سارتر عن المتعاون .

نضع هنا امامكم مقال عزيز الحاج / تتذكرونه ؟ / وشخص يدعى خضير طاهر / المنشورة صورته هنا /وقد وصلتنا اخيرا مقالة ثالثة من المستنقع نفسه نضيفها للعيننتين وليصبح لدينا نموذج ، ندعو كل المثقفين ومن يؤمنون بدور الفكر والمعرفة وارتباطهما بقيم الحرية والمقاومة لان يقولوا كلمتهم بشانها بعد ان وجهت لقدسية الكلمة هذه الطعنة الخسيسية وفي العراق بالذات .

البديل العراقي

مرحى لتوني بلير، وألف تحية.. عزيز الحاج

GMT 15:04:00 2010 الأحد 31 يناير

"حملة صيد": هكذا وصف أمير طاهري، بعد أسبوعين من سقوط صدام، وبعد كشف عدد من المقابر الجماعية، المناورات والمساعي التي كانت تجري في مجلس العموم البريطاني، وفي الصحافة الغربية، للتشكيك بالموقفين الأميركي والبريطاني في شن حرب تحرير العراق. نفس اللوبي الذي أجهد نفسه قبل الحرب، ليل نهار، لإنقاذ نظام صدام، ولكنه باء بالفشل، دون أن يكف عن محاولات مساعي "الانتقام" لسقوط صدام.

نفس حجج أمس التي كانت رائجة في الساحات السياسية الغربية وفي وسائل الإعلام الغربية والعربية وغيرها: "قرار انفرادي"؛ " أين أسلحة الدمار الشامل"؟!

قلنا مرارا إن حرب العراق وحدها، لا غير"، هي التي "أبلست" بوش دوليا وإسلاميا وعربيا، فوصفوه بالوحش وعاشق القوة والبغيض، ألخ. فقبل حرب العراق، جرت حرب أفغانستان، وأيضا، بدون قرار من مجلس الأمن، وكانت محل إجماع أميركي وأطلسي. وقبل أفغانستان، وزمن بيل كلينتون، نشبت حروب البوسنة وكوسوفو، لا بقرار من مجلس الأمن، بل بمبادرة الأطلسي، وقد أنقذت الحربان المسلمين من الطغيان الدموي "الصليبي"!!، دون أن تعترض قوى اليسار الغربي أو العرب والمسلمون، إلا بعض الأصوات.

لقد مرت مآسي كثيرة من قبل كانت تهدد شعوبا بالفناء، كمأساة روندا، دون أن يحرك مجلس الأمن همته لإنقاذها، ولا يمكن انتظار موافقة كل الدول الكبرى لإنقاذ شعب يتعرض للمجازر الجماعية تحت نظام شمولي دموي. فمن القوى الكبرى من ترضخ فقط لمصالحها التجارية الضيقة، وتقف بلامبالاة تجاه مصالح الأمن الدولي أو عمليات الإبادة، كما فعلت الصين، ولا تزال تفعل، في النووي الإيراني. ولا يمكن أن يظل أمن العالم مهددا بالقنبلة الإيرانية لأن الصين تستطيع استعمال الفيتو في مجلس الأمن.

لقد تحدي نظام صدام حوالي 18 قرارا من مجلس الأمن حول الأسلحة المحظورة، وطرد المفتشين أكثر من مرة، فضلا عن الانتهاك الواسع لحقوق الإنسان، وتهديد أمن المنطقة. وتلاعب صدام ببرنامج النفط مقابل الغذاء لملأ رصيد العائلة في البنوك الخارجية ولرشوة دول وساسة ووسائل إعلام بالكوبونات إياها. وراح يبني القصور الفخمة في كل مكان من العراق، فيما هو يحفر المقابر الجماعية. وقد استعمل صدام أسلحة كيميائية في حلبجة، وكان النظام ينتج الأسلحة الجرثومية، التي كان النظام ينكر وجودها، ولكن حسين كامل فضحها من عمان، فاضطرت الحكومة العراقية، في منتصف التسعينيات، إلى اخذ المفتشين الدوليين لمزرعة خارج بغداد، ودلتهم على كمية كبيرة من ذلك السلاح، مدعية أن حسين كامل هو الآمر بإنتاجها من وراء ظهر القيادة الحاكمة!! وفي 1997 صرح رئيس لجنة إزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية لصحيفة الشرق الأوسط، [ عدد 26 يناير 1997 ]، بما يلي: " إننا نتعامل معهم، [ أي حكومة صدام]، منذ خمس سنوات. لكن سياسة العراق، وعن إدراك، هي بعدم التخلص من الأسلحة الممنوعة. والعراق قال عام 1994 إن كل شيء، [ يقصد المعلومات المطلوبة ]، قد قدم، ثم اكتشفنا أن برنامجا بيولوجيا كاملا لم يكشف عنه، وهذا يثبت أن العراق كان يضلل اللجنة عن قصد.."

هذا كلام لم يقله، لا بوش ولا بلير، وليسا هما من أصدرا لوحدهما قرارات مجلس الأمن وفق البند السابق حول الأسلحة، وحتى آخر لحظة، وكذلك القرار حول حقوق الإنسان في العراق. كانت تلك قرارات جماعية، وكلها كانت تتهم النظام بالتضليل وبعمليات إخفاء الأسلحة، وكانت جميعا تشك في وجود مشروع نووي سري بقصد عسكري. ولكن دولا، كفرنسا وروسيا وألمانيا والصين، وبمساعدة آخر رئيس لفريق المفتشين، بليكس، والدكتور البرادعي إياه- [هو نفسه من يرشحونه لرئاسة مصر!]- ظلت تراوغ وتطالب بفترة جديدة لامتحان نوايا صدام ودون مبالاة بمأساة شعبنا وبتحدي ذلك النظام للقرارات الدولية. تلكم هي الظروف التي قرر فيها بوش وبلير شن حرب تحرير العراق. وللتذكير، فإن بيل كلينتون كان قد أصدر "قانون تحرير العراق"، وخصص أمولا لمساعدة أحزاب وأطراف في المعارضة العراقية. وقد فشلت محاولات عراقية عدة لإسقاط ذلك النظام، إذ كان مستحيلا أن تسقطه لوحدها.

أميركا وبريطانيا قررتا الحرب دفاعا عن أمنهما ومصالحهما في المنطقة، ولكن قرارهما كان يتفق مع مصالح شعبنا، وذلك بصرف النظر عما آل إليه الوضع العراقي بعد سبع سنوات، فنحن هنا نناقش قرار الحرب وتبريره. لقد كان قرارا عادلا وضروريا، من الناحيتين الإنسانية والقانونية ـ قانونيا، كتنفيذ لقرارات دولية سابقة، [ لاسيما القرار 1441 ]، كانت تبيح استخدام الحل العسكري لحمل النظام على الانصياع للإرادة الدولية بتنفيذ قراراتها بعد فشل الجهود الدبلوماسية كلها على مدى سنوات.

أما الموقف الحقيقي لشعبنا، فقد عكسته في اليوم الأول إزاحة وتحطيم تمثال الصنم الطاغية. أما اليوم، فإن أطرافا وقوى سياسية عراقية عديدة راحت تتنكر لفضل من ساعدوا شعبنا في المحنة، وتنكر الحقيقة، وتغالط، وتزايد وطنيا، وتهاجم الحرب بحجة أنها أضرت بالعراق. وصحيفة "الحياة" لتاريخ 31 كانون الثاني 2010 تحمل تصريحات غريبة بهذا المآل لممثلين عن حزب الدعوة- تنظيم العراق، و"جبهة التوافق"، و"إتلاف القائمة العراقية"، وفي العدد السابق نشرت تصريحات تندد ببلير والحرب جُمعت من بعض أنصار مقتدى الصدر في مدينة الثورة،[ مدينة الصدر]. وهناك من ينتقدون الحكومات العراقية المتعاقبة بعد صدام لأنها لم تقم بتشكيل "هيئات قضائية لمحاكمة المتسببين في الحرب..."!! ومن المتسبب يا سادة غير ذلك النظام نفسه؟ أفصحوا قليلا! هل تراكم تبرؤونه؟! أما الأخطر، فهي حملات تشويش من أوساط في الحكومة عن "تواطؤ" أميركي مع البعثيين الصداميين، وترويج أخبار وحكايات عن وجود مؤامرة انقلاب عسكرية باتفاق مع واشنطن، وهي مناورة موجهة ضد منافسي المالكي في الانتخابات، كوزير الدفاع ووزير الداخلية والدكتور علاوي. فيا للعرفان بالجميل!!!! - [ انظر عدد "الحياة" ليوم 31 منه حول أخبار النوايا الانقلابية المفبركة]. أما بعض وسائل الإعلام العربية، فانتهزت الفرصة وراحت تندد بالحرب وببلير، ومنها من راحت تحلل حركات أصابع بلير وهل كان متوترا أم لا- إلى آخر هذه الترهات. وليس موقف هؤلاء بالغريب، فهو القديم والمتكرر لحد القرف. ولنا عودة للموضوع

تحية لشهداء وكالة المخابرات الأميركية الذين حاربوا الإرهاب

خضير طاهر

GMT 1100 2010 الإثنين 18 يناير

صعدت الى السماء أرواح كوكبة من شهداء وكالة المخابرات الأميركية الذين سقطوا نتيجة جريمة غدر جبانة من قبل أحد الإرهابيين الذي ذهب الى الجحيم حيث سيواجه الله تعالى بوجه أسود وهو يحمل وزر مناصرة مشروع التخريب والقتل الذي جاءت به القاعدة لتسيء به وتشوه صورة الله عز وجل أله المحبة والسلام العادل الذي يحب جميع البشر وليس فقط المسلمين.

وكوكبة شهداء المخابرات الأميركية كانوا متواجدين على أرض أفغانستان لتأدية أقدس واجب وطني واخلاقي وانساني وديني، في محاربة الأشرار والتصدي بشجاعة لهمجية الإرهاب وسحقه في مهده قبل أنتشار وبائه الى العالم، فهؤلاء الشهداء لم يكونوا يدافعوا عن الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، بل دافعوا نيابة عن جميع الشعوب وساهموا في الحفاظ على حياة البشر من القتل، وحموا منجزات الحضارة من الخراب والدمار الذي يهددها من الإرهاب.

فالمجاهد الحقيقي هو من يقوم بعمل يرضي به الله وينفع الناس، ورجال المخابرات الأميركية ومن معهم من عناصر الجيش وغيرهم من الأجهزة الأمنية ممن يتواجدون في العراق وافغانستان وداخل أميركا.. هؤلاء بحق هم المجاهدون الحقيقون الذين يتعبدون ويتقربون كل لحظة الى الله بعظيم أعمالهم النبيلة الشريفة التي تلاحق جراثيم الشر والخراب الساعية الى قتل البشر وتدمير الحياة بطرق تعتبر أفضل من يعبر عن رغبات الشيطان الذي وسوس لهم وزين لهم جرائمهم وقام بتلبيسها بلباس الدين، وحاشا لله ان تقبل عدالته بقتل البشر من ركاب الطائرات أو سكان مركز التجاري العالمي في نيويورك أو قتل الجنود ورجال المخابرات الأميركية الذين يقومون بعمل شريف ليل نهار من اجل نشر الأمن والأستقرار والسلام على عموم وجه الأرض.

فإلى جميع الشجعان من أفراد الجيش والأجهزة الأمنية الأميركية والعالمية التي تتعاون معهم الذين يؤدون واجبا ألهياً مقدسا في تطهير الأرض من جراثيم التخلف والهمجية والوحشية والإرهاب... والى جميع شهداء الجيش الأميركي والأجهزة الأمنية ومن معهم من جميع الشعوب.. نرسل تحية اعتزاز ومحبة ونعرب عن فخرنا بهم وبشجاعتهم، ونسأل الله تعالى أن يتغمد برحمته شهداء وكالة المخابرات الأمريكية ويدخلهم فسيح جناته.

http://www.elaph.com/Web/opinion/20...

توني بلير، المنتصر دائماً

د.عبدالخالق حسين

منذ أن قرر الرئيسان السابقان، البريطاني توني بلير، والأمريكي جورج دبليو بوش، على تحرير العراق وأفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، حاول خصوم بلير في بريطانيا، وخاصة من اليساريين، وحتى من داخل حزبه (العمال)، تشويه صورته والإساءة إلى سمعته بتلفيق شتى الاتهامات ضده، والمطالبة بإجراء تحقيقات متتالية حول شرعية دخول بريطانيا مع أمريكا في الحرب التي أطاحت بنظام البعث الفاشي في العراق، للانتقام منه، وذلك لاعتقادهم الخاطئ أن صدام حسين كان يسارياً لكونه كان معادياً لأمريكا الإمبريالية "عدوة الشعوب" حسب اعتقادهم. فاتهموه بالكذب على البرلمان والشعب البريطاني وخدعهما بالإدعاء عن إمتلاك صدام حسين لسلاح الدمار الشامل. وكان آخر هذه المحاولات لجنة تشيلكوت التي روجوا لها كثيرا منذ مدة، والتي استجوبت العشرات من الشخصيات المتنفذة ذات العلاقة، السياسية والدبلوماسية والقانونية وغيرهم. وكان يوم 29/1/2010 هو اليوم التاريخي المشهود "الملحمة" حسب تعبير صحيفة الغاردين، والذي كان خصوم بلير ينتظرونه على أحر من الجمر، آملين في تصفيته معنوياً وأخلاقياً وسياسياً بالضربة القاضية، فجلبوا نحو مائتين من أعدائه في تظاهرة احتجاجية ضده أمام البناية التي أجري فيها الاستجواب، ولكن كالعادة، خيَّب بلير أملهم، فخرج من ذالك الاستجواب الذي دام ست ساعات، منتصراً، شامخاً وصامداً صمود الأبطال، باعتراف نقاده.

شيء عن فلسفة التاريخ

لو كان الفيلسوف الألماني العظيم، هيغل حياً في عصرنا الراهن، لاتخذ من توني بلير وجورج دبيلو بوش دليلاً قاطعاً على صحة نظريته حول وجود القوة الروحية المطلقة المحركة للتاريخ البشري. ففي كتابه القيم الموسوم: (محاضرات في فلسفة التاريخ) يعتقد هيغل أن القوة المحركة للتاريخ تتمثل في الفكر المطلق أو الروح المطلق. في حين يتفق ماركس مع هيغل أن التاريخ تقدمي ومتحرك إلى الأمام بشكل حتمي في مساره العام وعلى المدى الطويل، وعن القوة المحركة له خارجة عن وعي الناس، إلا إنه (ماركس) يختلف عن أستاذه في تحديد هذه القوة، إذ يعتقد أن القوة المحركة للتاريخ هي مادية تتمثل في وسائل الإنتاج ونمطه، أي العامل الاقتصادي.

ولذلك، فعندما غزا نابليون بونابرت ألمانيا، وشاهده هيغل يتفقد جنوده وهو على صهوة حصانه، علق بسرورر رغم احتالال مدينته قائلاً: (اليوم شاهدت روح التاريخ على ظهر حصان)، لأن هيغل كان يؤمن أن نابليون وأمثاله هم الذين يمثلون روح التاريخ البشري فيحركونه إلى الأمام. ومهما قيل عن دوافع نابليون من حروبه، إلا إنه كان مدركاً لمهمته، إذ كان هو نفسه من نتاج المرحلة ليقوم بالمهمة التاريخية المطلوبة، فقام بغزو أوربا ونقل إليها مبادئ الثورة الفرنسية (الاخاء والعدالة والمساواة)، وأشعل في شعوبها روح الثورة والتمرد على التخلف والاقطاع، اقتداءً بالثورة الفرنسية. وهكذا اشتعلت أوربا عن آخرها في ثورة عارمة، وحروب أهلية طاحنة ضد الانظمة الاقطاعية المتخلفة، والانتقال إلى مرحلة تقدمية ديمقراطية جديدة. ونابليون هذا هو نفسه الذي وقف مخاطباً جيوشه التي كانت تدك أسوار القاهرة في أول حملة على منطقة الشرق سنة 1798، قائلاً :«انتم اليوم أيها الجنود الأشاوس تقومون برسالة جليلة في قلب الشرق، فأنتم تجلبون أنوار الحضارة والتمدن للشرق الغارق في ظلمات الجهل والتخلف». لذلك فنابليون أراد فعلاً نشر أنوار الحضارة، فالحملة الفرنسية كان لها دور رئيسي مهم جداً في النهضة المصرية الحديثة.

مهمة بلير وبوش التاريخية

وعلى هذا الأساس أعتقد جازماً أن بلير وبوش هما من نتاج مرحلة العولمة التاريخية، فرضهما قانون (الضرورة والصدفة) لإنقاذ شعوب منطقة الشرق الأوسط من انظمتها الهمجية المستبدة المتخلفة، وإدخالها في عصر الحضارة الحديثة. وكان قيام منظمة القاعدة الإرهابية بأحداث 11 سبتمبر 2001 هو ضمن مفارقات التاريخ التي جعلت الدولة العظمى تعيد النظر في حساباتها، وتغير موقفها من دعمها للأنظمة المستبدة التي ترعى الإرهاب إلى شن الحرب عليها وإسقاطها والعمل على قيام أنظمة ديمقراطية مكانها. وهكذا فإن ما قام به بن لادن، زعيم القاعدة، كان وفق (ربَّ ضارة نافعة) وقانون (الضرورة والصدفة)، حيث فرضت الضرورة على الدولة العظمى في عصر العولمة، عدم ترك الشعوب الضعيفة المقهورة تحت رحمة الطغاة من أمثال الملاّ عمر وصدام حسين وغيرهما، بحجة أن معانات هذه الشعوب هي شؤون داخلية، وبأن عليها أن تحرر نفسها بنفسها كما يعتقد البعض، فجرائم هذه الأنظمة لا تؤذي شعوبها فحسب، بل وتؤذي أمريكا نفسها، بل والعالم كله، إذ كيف لهذه الشعوب أن تحرر نفسها بنفسها بعد أن جردها الطغاة من كل سلاح المقاومة، وجعلوها لا حول لها ولا قوة؟

وبعد إسقاط الفاشية في العراق، ثارت ثائرة القوى المعادية لبوش وبلير، من اليمين واليسار المتطرفين الذين أعتقدوا خاطئاً بأن صدام حسين هو يساري وإشتراكي، لا لشيء إلا لأنه كان معادياً لأمريكا، رغم أنه دمر القوى اليسارية في العراق بسراديب التعذيب المظلمة وأحواض الأسيد المذيبة للأجساد البشرية. ومن هنا تنطبق عليهم مقولة لينين: (إن اليسار المتطرف واليمين المتطرف يلتقيان في نهاية المطاف ولكن عند حوافر الفرس). وهكذا التقى اليساريون في أوربا مع أعتى القوى اليمينية الرجعية بما فيها التنظيمات الإسلامية المتطرفة، بل وحتى مع قوى الإرهاب البعثي- القاعدي في العراق، كرهاً لأمريكا، واعتبروا هذا الإرهاب "مقاومة وطنية شريفة" قاموا بدعمها مادياً وتمجيدها معنوياً.

بلير ولجنة الاستجواب والصحافة البريطانية

كان خصوم بلير يتوقعون له الهزيمة في هذا الاستجواب، وأن يعترف بـ"الخطأ" ويعتذر، ولكن كما ذكرنا آنفاً، خيّبَ أملهم، إذ أصر بكل قوة أن قراره في إسقاط صدام كان صحيحاً، والشعب العراقي والعالم اليوم أفضل بدون صدام، وأن الشيء الوحيد الذي لم يتوقعه هو دور إيران والقاعدة التخريبي في زعزعة العراق بعد التحرير. وأنه غير نادم على ما قام به، ولو أتيحت له الفرصة مجدداً لعمل الشيء نفسه.

دام الاستجواب ست ساعات، وخرج منها بلير منتصراً باعتراف العديد من خصومه في الصحافة البريطانية، (أدناه مقتطفات منها) وأنه كان يعمل وفق قناعاته وضميره دون أن يتأثر بابتزاز الشارع له، خاصة عندما يكون المرء في موقع المسؤولية الخطيرة كرئيس دولة كبرى مثل بريطانيا، يرى أمن بلاده مهدداً من قبل حكومة مارقة تخطط لامتلاك سلاح الدمار الشامل. فكما علقت صحيفة الاندبندنت المناهضة لتحرير العراق وبلير وبوش، كتبت على لسان بلير مانشيتاً يقول: "لا اعتذار.. لا ندم .. واذا عاد الامر لي، فان ايران ستكون الخطوة القادمة". وهنا تكمن عظمة بلير وشجاعته وصراحته وإلتزامه بالواقعية، وما تتطلبه سلامة الحضارة البشرية من إجراءات شجاعة لحمايتها من تهديدات بلطجية الدول المارقة من أمثال صدام حسين بالأمس، والرئيس الإيراني، محمود أحمدي نجاد، اليوم.

وترى صحيفة التايمز في افتتاحيتها التي حملت عنوان "قضية 2010 " :"انه اتضح بعد ست ساعات من الاستجواب ان توني بلير مازال مع قرار حرب العراق وانه يعتقد ان الحرب كانت شرعية وان السلام لم يتحقق كما يأمل تماما. كما انه ذكر بقدراته الكبيرة، اذ لم يكن فصيحا ودقيقا وعميق التفكير حسب، بل اظهر رغبة تثير الاعجاب في تحمل مسؤولية قراره."

وفي تقريرها الرئيسي على صفحتها الاولى، تشير الغارديان الى أن بلير خرج من ما أسمته "ملحمة" الساعات الست من التحقيق امام لجنة تشيلكوت بأصراره على انه "غير نادم" على الاطاحة بصدام حسين، قائلا ان العالم بات اكثر أمنا وأن العراق قد استبدل "يقينية القمع" بـ "لا يقينية السياسة الديمقراطية".

موقف أعداء العراق من التحرير

المشكلة أن أعداء التغيير في العراق يتحججون بما يجري فيه من إرهاب ومشاكل وعقبات أمام نمو الديمقراطية، فيلقون اللوم في كل هذا على بلير وبوش، بل وحتى أولئك الذين كانوا مع تحرير العراق، ينتقدونهما على عدم التخطيط الكافي لما بعد التحرير. فيرد عليهم بلير، أنه لم يكن هناك شح في التخطيط، ولكن البعض من التخطيط كان خاطئاً، إذ لم يتوقعوا التحرك الإيراني والقاعدة بهذه الضراوة لتخريب العراق الجديد. لا شك أن القيام بعمل هائل كتحرير العراق من أعتى نظام طاغوتي، لا بد وأن تبرز أمامه مشاكل غير متوقعة.

وسبب آخر للتذمر من بوش وبلير، أن البعض، وحتى من بعض الناس المؤيدين لإسقاط البعث، كانوا يتصورون أن العراق سيقفز مباشرة بعد تحريره، من استبداد البعث الفاشي إلى ديمقراطية الدول الغربية العريقة. وهذا مستحيل ومخالف لقوانين التطور الاجتماعي. وبما أن هذا التحول السريع لم يحصل مباشرة بعد سقوط حكم البعث، راح هؤلاء ومعهم البعثيون وأنصارهم، يروِّجون أن الشعب العراقي غير مهيأ للديمقراطية، وأن أمريكا فشلت في العراق. وهذا طبعاً مجرد تمنيات ورغبات، فالمشروع الأمريكي في تحرير العراق وبناء دولة ديمقراطية حقق نجاحاً كبيراً، حيث تحقق العديد من الإنجازات الكبرى في هذا المضمار، مثل: الدستور الدائم، والانتخابات العديدة، والبرلمان، وهناك عشرات الأحزاب ومئات الكيانات السياسية، ومئات الصحف، وعشرات الإذاعات والمحطات التلفزيونية الفضائية، معظمها تابعة للقطاع الخاص، وليس للحكومة أية وصاية عليها أو على حرية التعبير والتفكير. كما وهناك المئات من منظمات المجتمع المدني، والشعب مازال يتعلم قواعد الديمقراطية، والإرهاب في تراجع. وهذا انتصار للشعب العراقي كما هو انتصار لبير وبوش.

ومن المفيد هنا أن نذكِّر القراء الكرام بما قاله الرئيس بوش بهذا الخصوص: "لقد مرت فترة كان العديد يقولون أن الثقافتين اليابانية والألمانية ليستا قادرتين على استدامة القيم الديموقراطية، لقد كانوا على خطأ والبعض يقول الشيء ذاته عن العراق، وهؤلاء أيضا مخطئون". ويؤكد "أننا لم نخلف وراءنا جيوش احتلال وإنما تركنا دساتير وهيئات برلمانية ولم نخلف أعداء دائمين بل وجدنا أصدقاء وحلفاء جدد". كما وقال في مكان آخر: "ان الديموقراطيات الناجحة تحتاج الى وقت كي تنمو كما فعلنا نحن. لقد استغرقت رحلتنا نحو الاندماج والعدالة 200 سنة".

المهم هنا أن نجح الشعب العراقي، وبدعم من أصدقائه، في أزاحة العقبة الكبرى (حكم البعث) عن طريق الديمقراطية والحداثة، وراح يحث الخطى لبناء دولته العصرية الديمقراطية كتحدياً الصعاب. هذا الكلام من الصعب أن يفهمه ويقبله الذين تبرمجت عقولهم بالآيديولوجيات الشمولية التي أكل الدهر عليها وشرب، فهم سجناء كهوفهم المظلمة، ولا يستطيعون التفكير خارج صناديقهم المقفلة، ومصابون بعمى الألوان، فلا يفرقون بين التحرير والاحتلال.

أجل، بلير المنتصر دائماً، لقد انتصر في تبوئ قيادة أعرق حزب ديمقراطي بريطاني يهتم بالعدالة الإجتماعية والحرية، وحقق الكثير من الانجازات للشعب البريطاني خلال رئاسته للحكومة لعشر سنوات، ولأول مرة أستطاع أن يفوز حزبه بقيادته لثلاث دورات برلمانية متتالية، وانتصر مع بوش في إسقاط أشرس وأعتى الأنظمة الرجعية الفاشية في العالم، حكم طالبان في أفغانستان والبعث الفاشي الصدامي في العراق. وحتى في استقالته من قيادة الحزب والحكومة في حزيران 2007، كان منتصراً حيث خرج مرفوع الرأس، ولأول مرة في تاريخ بريطانيا يصفق النواب ويقومون له احتراماً عندما غادر البرلمان بعد إلقاء خطبة الوداع. وآخر نصر حققه هو في يوم "ملحمة الساعات الست" في 29/1/2010، التي أفحم فيها لجنة تشيلكوت بكل رباطة جأش وصمود وصراحة وشجاعة وإصرار على صحة قراره في إسقاط الفاشية في العراق، وخرج منها منتصراً مرفوع الرأس باعتراف خصوصمه "لا اعتذار.. لا ندم .. واذا عاد الامر لي، فإن ايران ستكون الخطوة القادمة".

وكعراقي، اقتلعني البعث مع خمسة ملايين عراقيين آخرين، من وطني، أشعر بعظيم الامتنان إلى الرئيسين، بلير وبوش على إسقاطهما للنظام الفاشي العاهر، وتحرير العراق، ومنح شعبه الأمل في مستقبل مشرق بالديمقراطية والاستقرار والازدهار.

فألف تحية للسيد توني بلير، متمنياً له المزيد من الانتصارات.

نسخة من المقال للطباعة fb