"نحيب الرافدين" للربيعي .. نشرتها "الآداب" بعنوان غلط رواية راعبة.. مخيفة عن الحرب العراقية ـ الإيرانية
23 شباط (فبراير) 2010 , بقلم ياسين رفاعيةالمستقبل - الثلاثاء 23 شباط 2010 - العدد 3576 - ثقافة و فنون - صفحة 20
"نحيب البحيرة" عنوان ليس لرواية الكاتب العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي، هو عنوان لرواية أجنبية لم اعد أذكر صاحبها، فكيف تخطىء دار كبيرة مثل الآداب فتضع عنواناً لرواية ليست رواية الكاتب المذكور، والعنوان الصحيح الذي أطّر فيه الكاتب العراقي روايته هو "نحيب الرافدين" فمن اين جاء "نحيب البحيرة" نسأل رنا سهيل ادريس ولو كان المغفور له ادريس الاب لما وقع هذا الخطأ الذي يسيء للكاتب وللدار معاً. فهذا الجزء الأول من رواية الربيعي "نحيب الرافدين" الذي سطّر فيها مأساة الشعب العراقي في فترة حرب الخليج الأولى بين العراق وايران، والقيادة الهوجاء لصدام حسين في حرب لم تكن الا للايقاع به، واعداده لحرب أخرى تنهي حياته.
تتماوه "نحيب الرافدين" مع الطبقة المثقفة المضطهدة من أجزاء المخابرات ما لم يكن الكاتب عميلاً للسلطة، أو مرغماً، من أجل لقمة الخبز ومدارس الأولاد. والربيعي احد هؤلاء الذي اكتوى من هذا التظام، مع ان ارباحاً عديدة وضعت بين يديه ليسير في ركابه. فآثر النزوح الى تونس منذ ما يقرب من عشرين عاماً، بعيداً عن العسس العراقي وعيون المخابرات التي كانت تلاحق العراقي اينما كان. فلا يجرؤ على اي كتابة تنتقد النظام..
هذه الرواية التي كان الربيعي يكتبها فصلاً بعد فصل دون التجرؤ على نشرها، جاءت الآن وثيقة دافعة لما كان يحصل في العراق خلال الحرب العراقية الايرانية من ظلم واعتقالات وقود الرجال مهما كانت اعمارهم الى الحرب، فمن يهرب أو يتأخر يغتال أمام ذويه، اما ابناء السلطة وأزلامها، فلا أحد يقترب منهم، فيما يشاهدون في المرابع الليلية يرشون حزم الدنانير على اقدام الراقصات ولو كان من الدرجة العاشرة فترى الواحد منهم لم تسمع باسم مدينته انتش واخذته الاريحية. وبدأ يرش حزم الدنانير التي تطعم حياً كاملاً في "الشعلة" أو "الثورة" أو "الطوبجي" وغيرها من احياء الفقراء، على اقدام راقصة من الدرجة العاشرة. غسان العامري بطل الرواية وراويها هي نفسه عبد الرحمن الربيعي الذي عانى ما عاناه من قسوة النظام حتى من زوجته التي ترى في صدام حسين فوق اسرتها كلها الزوج والاولاد بل كانت متنفذة الى حد اغتصبت منه البيت الذي اشتراه بعرق جبينه والقت به الى الشارع. ليل طافح
ورغم شراسة الحرب فهناك ليل طافح في المنتديات الخفية التي تقدم المومسات لابناء السلطة وضباطها و: ام كلثوم في دليلها الذي احتار وحيرها معه، وحير امه بقضها وقضيضها بشأن ما لحق بها وما سيلحق بها من مصائب. وبلد ينحر الألوف من ابنائه في حرب غامضة، لم تفلح كل الشعارات والخطب وصور الجثث والاشلاء التي يبثها التلفزيون في نشرة الاخبار المسائية من اقناع احد بها. ومع هذا لم يكن لأي عراقي قدرة على النطق اوالاحتجاج بشيء. كانت العيون وحدها تقول كل شيء. ولكن بصمت، هذا الصمت الذي ان تحول الى كلمة احتجاج فمعناه انتحار قائلها. اما عن الاسرى العائدين من الاسر تصل الى المخابرات وشايات بأنهم تعاونوا مع آسريهم. او انهم لبوا ما ارادوه منهم في شتم صدام حسين فيجري حقنهم بابر تقضي عليهم فوراً، وتسلم جثثهم الى ذويهم على اساس انهم عادوا مرضى وامراضهم من النوع الخطير.
وقد بلغت الامور في تلك المرحلة ان قاضياً يعمل سائق تكسي بعد الظهر اوممثلاً كبيراً يفتح كشك للصحف او ادباء معروفون يعملون ما يسمى احذية في الشوارع: "انها الحرب، لقد قلبت كل شيء، وما هذه الا البداية والآتي اعظم.
يغير عبد الرحمن الربيعي من بعض الاسماء المعروفة لكن المتابع للحركة الثقافية يعرفهم من اوصافهم مثل الناقد ماجد السامرائي او الشاعر عبد الوهاب البياتي والشاعر سعدي يوسف وغيرهم.. وان كان الربيعي يصف نفسه هنا بأنه شاعر.. حتى يتخفى ابداعه الروائي وان كتب شعراً ايضاً.
كانت بغداد في ذلك الوقت مدينة رعب حقيقي. وكانت المداهمات تتم في وضح النهار، والصوايخ الايرانية اصبحت تصل الى شوارع المدينة رداً على الصواريخ العراقية التي كانوا يقصفون بها طهران وقم ومدن أخرى ايرانية احدثت ارتباكاً في إيقاع الحياة. لقد تصاعدت الحرب بشكل اصبحت عبثاً لا طائل منه لكن الحرب، كانت حيرة ساخنة ايضاً لكثير من الادباء والكتاب ولم تفلح هيجانات الاعلام الرسمي من اقناع الشعب بجدواها وبمبررات قيامها اصلاً. انها الحرب المحرمة التي يجب ان لا تكون تحت اي ذريعة، ففي حمأة هذه الحرب واختلاطاتها جرى اقتراف المحرمات وانطلق كل الخبث الكامن والاحقاد المتوارثة وجشع الطبقة الصاعدة التي تمثل قطاع طرق سابقين ولصوص واشباه اميين وبائعي ضمائرهم، فأصبح الأخ يقتل اخاه والمرأة تنحر زوجها والحزبي يطأ الحزبي في عمليات مزايدة على كل شيء على الوطن على التاريخ، على الناس.
وتتداخل بين حياة غسان الذي عاش قبل ذلك حرب لبنان وبين حياته في بغداد فيجد بشاعة الحرب العراقية اشد وقعاً الماً .
وتتحدث الرواية عن مفارقات مضحكة عن قروي نظم قصيدة تافهة بصدام حسين فنشرتها له جريدة الثورة مما لفت القائد!! لها فاستحضروا الشاعر "السخيف" بطائرة خاصة واجريت له مقابلة في التلفزيون واهداه الرئيس سيارة وبضعة آلاف من الدنانير حتى صاح احد الأدباء: "اذا خلعت ثيابي وركضت في الشوارع عارياًُ وانا الطم رأسي هل سيلومني احد؟ غسان العامري بعد ان خسر بيته واسرته يتعرف في احد مهرجانات المربد على اللبنانية حنان عواد التي ظلت الى جانبه في محنته ما بين بغداد وبيروت ولندن الى ان وجدت نفسها قد هاجرت الى المكسيك. وهي معروفة من عائلة الحايك اللبنانية والنجمة السينمائية المكسيكية من اصل لبناني سلمى حايك تمت اليها بصلة قرابة كانت هذه المرأة الشفافة تكتب الشعر وحمت غسان العامري من التفكير بالانتحار وكان هذا الحب سحابة صيف كلما مرت فوق رأس غسان استعاد روحه ونفسيته ونهض من جديد: "لقد كان وجودها حياة له في تلك الايام المريدية" وكانت تنقل له قصائده التي كان يكتبها سراً وتنشرها له في الصحف اللبنانية: "وقد اوصاها وصية واحدة هي انه اذا ما حصل له شيء هو في محرقة الوطن فعليها ان تعمل على نشرها، وكان يوزعها على هيئة دواوين ويضع امام كل واحد منها اكثر من عنوان لتختار مع الناشر العنوان الملائم لها.
ومن مفارقات تلك الحرب ان اباً قتل ابنه مدعياً انه شتم الرئيس فاستقبل استقبال الفاتحين ونال لقب البطل. ولكن زوجة ابنه كشفت المأساة ان الاب حاول اغتصابها وعندما علم الابن بذلك ردع اباه. وفي التحقيق ومعرفة الحقيقة اعدم الرجل رمياً بالرصاص على باب بيته ودون محاكمة ومع ذلك كان النظام ورغم شراسته يخاف منه الكاتب فيغريه بشتى السبل حتى يسير في ركابه.
ويتفاخر التلفزيون يعرض جثث الايرانيين المشوهة كدليل على انتصار موهوم: "حتى المذيع تتلبسه حالة من السادية العجيبة وهو يروي تفاصيل المعارك والاعداء الذين يتساقطون والجرافات التي تجرف اشلاءهم لتكدسها في الحفر. واذا فكر المرء بالخروج الى الطرق الخارجية فانه لا يرى سوى سيارات تحمل جثثاً ملفوفة بالعلم العراقي وكسيت الشوارع بالمزيد من اليافطات السوداء المعلقة على الجدران وابواب البيوت وكلها تنعي شهداء هذه الحرب اللعينة.
وتتعرض الرواية الى فترة انقلاب عبد الكريم قاسم (اول انقلاب في العراق) الذي يعتبره الشيوعيون انه قتل غدراً وقد نقل الدكتور كمال السامرائي (اسم حقيقي) قائلاً: "لقد شاهدت انا وزميلي الدكتور اسماعيل ناجي الجثث فوق المشرحة (بعد الانقلاب على قاسم) وكان عبد الكريم قاسم يبدو قصيراً ونحن ننظر اليه وكان شاحب الوجه شحوباً مريعاًَ اما ملابسه فكانت خالية من بقع الدم الا من ثلاث بقع صغيرة في قمصلته العسكرية عند الصدر وكانت ملابسه نظيفة حتى ان حذاءه كان لونه قهوائياًُ يلمع اما الآخرون فكانت وجوهم مهمشة لا يعرف اصحابها".
تبدو هذه الرواية كما لو انها وثائقية لتلك الايام البشعة من انها رواية اشخاص واحداث مأساوية لهم ربما بسبب وثائقيتها كثرت الاسماء الواردة فيها فما اضاع ذلك النبض الروائي ولكن هي كتابة لروائي يحترف يعرف اين يضع جملته المؤثرة واين لا يضعها... وستذهب هذه الرواية كوثيقة اكثر فعلاً وتأثيراً من الكتب السياسية وكتب التوثيق للاحداث. عبد الرحمن مجيد الربيعي سيكون اكثر الروائيين العراقيين فهماً للحقيقة من خلال نظام لم يعاد شعبه فقط بل عادى العالم كله.. فسقط بيده قبل ان يسقط بيد الآخرين.