fb

التزوير والتدليس في إنتخابات الكوتا

23 شباط (فبراير) 2010 , بقلم صباح علي الشاهر

— sabahtahir@yahoo0.co.uk

بإدعاء أن المرأة، وسابقاً العمال والفلاحين، يحتاجون إلى الدعم القانوني القسري ، لمواجهة قوّة الذين يملكون القوة والتأثير، إضافة إلى إنهم يشكلون نسب معتبرة من قوام الشعب، لذا وجب أن يمثلون بنسب محددة وثابتة، يمكن أن تزاد ولكن لا يمكن أن تنقص من عدد أعضاء البرلمان . ترى إلى أي حد كان هذا الإجراء الشعبوي متسقاً مع الديمقراطية كنظام وكمفهوم؟ ثم هل ينطوي مثل هكذا إجراء على إنصاف للطبقات أو الفئات المسحوقة من الشعب، وهل يتسق مع مفهومي العدالة والمساواة ؟ عندما يُقر المشرّع مثلاً أن نصف عدد أعضاء البرلمان ينبغي أن يكونوا حصراً من العمال والفلاحين، هل يكون هذا المشرّع قد حقق شروط العدالة والمساوة؟ وهل أنصف العمال والفلاحين الذين لا يعنيهم من يمثلهم ، وإنما يعنيهم ماذا سيُعطى لهم من مكاسب؟ من هذا الذي يُحدد حقيقة كون هؤلاء من العمال أو الفلاحين، وإذا كانوا فعلا من العمال أو من الفلاحين، فمن يضمن أنهم ممثلون حقيقيون للعمال والفلاحين. واضح أن من يحدد مثل هذه الأمور السلطة أو التنظيم الذي يهيمن على السلطة، أو الأجهزة المعنية، وليس صناديق الإقتراع لأن الناس لا ينتخبون فلاحاً أو عاملاً أو أستاذاً إنما ينتخبون مواطناً للبرلمان . العمال ينتخبون قادتهم في الإنتخابات العمالية، وكذلك الفلاحين، مثلما ينتخب المعلمون والأطباء والمحامون قادتهم في الإنتخابات النقابية والمهنية، إنتخاب القيادات المهنية والنقابية لا يتم عبر الإنتخابات البرلمانية، فالبرلمانات ليست إتحادات نقابية أو مهنية ، ولا حتى تجمع لمهنيي البلد ونقابييه، إنما هي سلطة تشريعية تمثل البلد بكل ألوانه وشرائحه وأطيافه، لذا يشارك كل أبناء الوطن في إنتخاب أعضاء هذا السيد، المشرع ، الحامي ليس لإبناء الشعب فقط، بل الحامي للأرض، اي للوطن، والمراقب بصرامة لتصرف السلطة التنفيذية . الإنتخابات البرلمانية هي إنتخابات الشعب لبرلمان يمثل كل الشعب، ربما يمثل الفلاح في هذا البرلمان أستاذا جامعياً، أو طبيباً، وربما يمثل العمال والطبقة العاملة فناناً او أديباً أو محامياً، فالأمر يعتمد اساساً على برنامج كل نائب أو كتلة نيابية، وقد يكون المقعد النيابي الذي شغله (عامل) محسوباً على من يمثلون السلطة الحاكمة أو حتى المؤسسة التي يخدم فيها هذا العامل، وقد يمثل الفلاح شيخ البلد . إذا إردنا أن يمثل العمال بنسبة مقاربة لنسبتهم فعلينا تهيئة الظروف لإشراك تكتل أو تنظيم يمثلهم بالإنتخابات، ونفس الشيء يقال بالنسبة لتمثيل الفلاحين، لا أن نقوم بإحتكار تمثيلهم عبر من لا يمثلهم . الإنتخابات الحالية في العراق تجري وفق خدعة كبرى أخرى، تفتق عنها ذهن المُحتل ، الذي لم يفطن إلى كون العراق هو البلد الأول لا في الوطن العربي ، بل في الشرق الأوسط الذي إستوزر المرأة لأول مرّة، والذي كانت النسوة فيه مساهمات نشيطات في كل الأحزاب والتنظيمات المهنية والنقابية، والذي وصلت فيه نسبة النساء العاملات في حقل التعليم والحقل الطبي والفكري والأدبي نسبة تجعل العراقي يرفع رأسه متباهيا بالأم والأخت والإبنة والزوجة . تجاهل هذا المحتل أو تناسى هذه الحقائق، وعاملنا كما لو كنا نعيش في العصور الوسطى، ففرض على قانوننا الإنتخابي ما سُماه بالكوتا النسائية في البرلمان ، وأوكل للذين لا يسمحون لزوجاتهم بمغادرة الدار لزيارة أهاليهم، والذين لا يسمحون لأنثى تقع تحت سيطرتهم بالسفر من دون محرم، و الذين جعلوا كل شيء في المرأة عورة، وألزموها لا بحجاب واحد، بل بطبقات من الحجب، واحدة فوق أخرى، على قاعدة مثنى وثلاث ورباع ، أوكل لهم المنافحة والمكافحة من أجل أن لا تقل نسبة النساء في البرلمان عن نسبة الخمسة وعشرين بالمائة ! فهل هؤلاء فعلاً أنصار المرأة ؟! ثم أي إمرأة سيقدمونها للبرلمان ؟ هل سيقدمون إمرأة تدعو لإعطاء المرأة حقها، أم سيقدمون إمرأة ترفع يدها بالقبول أو الرفض كلما رفع رئيس الكتله يده؟ القضية بكل بساطة أن نسبة 25% من أعضاء كل كتلة إنتخابية ستكون في جيب السيد رئيس الكتلة، والعضوات المرشحات للبرلمان سيتم إختيارهن لا بأعتبارهن ممثلات للمرأة، ومدفعات عن حقوقها، بل بإعتبارهن من مناصرات ومحازيب السيد رئيس الكتلة . إمرأة تقر وتعترف بأن القهر الواقع عليها هو حق وواجب شرعي، وأن الرجال حكماً أفضل من النساء، كيف لها مثلاً أن تدافع عن حقوق المرآة ؟ وكيف يمكن أن تفهم هذه الحقوق؟ ليت الأمر يقف عند هذا الحد، لكنه يتعداه إلى عملية أبشع، ألا وهي التزوير الفاضح لرأي الناخب، والتلاعب الذي يصل حد سرقة صوته الإنتخابي ، وسلبه ممن أنتخبه وإعطاءه إلى من لم ينتخبه. لقد شرعنت قواعد قانون الإنتخاب المعمول بها هذه السرقة حيث أشارت إلى أنه بعد تحديد ثلاث فائزين ذكور من كل كتلة يصار إلى إدخال إسم أنثى، بإختيارها وفق تسسل النسوة في القائمة، فإذا كان عدد النسوة مثلاً عشرة نساء، تؤخذ المرأة رقم واحد في تسلسل النسوة وتوضع في المرتبة الرابعة في تسلسل قائمة الكتلة، بغض النظر عن عدد الأصوات التي حصلت عليها، ولنفترض أنها حصلت على مئة صوت أو مئتين ، فإنها ستتقدم على الذكر الذي جاء رابعاً حسب الأصوات التي حاز عليها، حتى لو كانت هذه الأصوات 50 ألف صوت . أي تصبح نائبة ، ممثلة لنا وهي لم تحصل عملياً سوى على مائة صوت أو مائتي صوت، وإمعاناً في التدليس فإن القانون يلزم الكتلة بترحيل الأصوات التي حصل عليها مرشح آخر إلى عدد أصوات هذه النائبة الإنثوية ليصار إلى إيصالها الى القاسم الإنتخابي . ويتكررمثل التزوير والتدليس بعد كل ثلاثة فائزين ذكور . ترى على أي نحو وسياق فهم ويفهم من شرّع هذا القانون معنى الإنتخاب الحر، وكيف لنا أن نقتنع بأن الحجية أو الخانم ، تلك التي تتربع على كرسي تحت قبة البرلمان هي ممثلتنا حقاً .

fb