fb

صخب الرواية

28 شباط (فبراير) 2010 , بقلم محمد إسماعيل زاهر

آخر تحديث:الأحد ,28/02/2010

كتب مالكوم جونز في العدد قبل الأخير من مجلة “نيوز ويك” عن غياب رواية أمريكية عظيمة تحلل الواقع الأمريكي بتعقيداته وجنسياته المتعددة، الكاتب قفز سريعاً على أسماء هرمان ملفيل، وليم فوكنر، مارك توين، وأرنست هيمنجواي . . إلخ، بحسب جونز فإن أمريكا ببنيتها الاجتماعية أكثر تعقيداً بما لا يقارن بروسيا تولستوي أو ديستويفسكي، الثقافة الروسية أحادية بسيطة يمكن التعرف إلى فضاءاتها المختلفة بعكس نظيرتها الأمريكية متعددة الأوجه ومتباينة الجذور والمؤثرات .

يمكننا هنا أن نستعيد “موبي ديك”، “الصخب والعنف”، “هكلبري فين”، و”لمن تقرع الأجراس” وهي روايات تنتمي على التوالي إلى الروائيين الأمريكيين السابق ذكرهم لنسأل: ألم تعبر أي منها عن الواقع الأمريكي؟ وهل نتيجة المقارنة التي أجراها جونز بين الروائيين الأمريكيين والروس تعود إلى معضلة تشظّي الواقع الأمريكي أم إلى غياب موهبة فذة تماثل تولستوي أو ديستويفسكي؟ أسئلة كثيرة بإمكاننا طرحها هنا في إطار المقارنة بين الثقافتين الأمريكية والروسية: فهل من الضروري أن تبدع كل أمة سرديتها الخاصة في شكل رواية؟ وماذا عن واقع أمريكا اللاتينية، الجوار الجغرافي لأمريكا، والذي أنتج كل هذه القامات الروائية في العقود القليلة الماضية؟

أسئلة الرواية اليوم عديدة، حيث يبدو أن مقولة زمن الرواية أصبح لها ثقل مهم ليس في الموازنة بين الأجناس الأدبية وحسب، ولكن في حقل الدراسات الثقافية أيضاً، فكيف نقول عن ثقافة إنها أحادية ونصف أخرى بالتعقيد نتيجة للإبداع الروائي وحده؟ نلاحظ في هذه الحالة أن شخصيات ملفيل وفوكنر وهيمنجواي التي كانت توصف دائماً بالتعقيد النفسي والتعبير عن قلق الإنسان في اشتباكه مع وجود الآخرين وقضايا العالم من حوله لا تقاس براعة صياغتها الفنية في هذا الجانب بشخصيات تولستوي وديستويفسكي، وحتى إذا قارنا بين تعقيدات الحالة الاجتماعية في أمريكا وروسيا منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين فلن نجد المجتمع الروسي بتلك الأحادية والبساطة التي يمكن لرواية مهما كانت قيمتها أو جودتها الفنية أن تعبر عن مجمل قضاياه .

نحن هنا لا نقارن بين ثقافتين أو نوعين من الرواية لكل منهما ظروفه الخاصة ولكننا نتعاطى مع حالة أصبحت تسود الساحة الثقافية في العالم بأكمله . لقد باتت الرواية، أو هكذا يقدر لها، سيدة الأجناس الأدبية . والجدل السابق موجود أيضاً بصورة أخرى في ثقافتنا العربية .

الملاحظة المهمة في هذا الصخب حول الرواية تتمثل في أن العصر الذي يقدر فيه للرواية تسيّد المشهد الأدبي يشهد تراجعاً ملحوظاً في أعداد المواهب الروائية الفذة في العالم، فلو فتشنا في الذاكرة عن الأسماء الروائية اللامعة الآن لاستطعنا أن نحصيها على أصابع اليدين، وذلك بخلاف الفترة الممتدة من منتصف القرن التاسع عشر وحتى عقود قليلة ماضية، إذ شهد العالم عشرات المواهب الروائية التي ربما تزامن الكثير منها في العقد الواحد ويومها كان العالم لا يزال يعيش زمن الشعر!

fb