fb

قراءة في مذكرات غالب الشابندر " خسرت حياتي" ح1 : زئير موفق الربيعي الكاذب

16 أيلول (سبتمبر) 2012 , بقلم المحرر الثقافي في البديل العراقي

كتب المحرر الثقافي في البديل العراقي:

يفتقر النثر السياسي العراقي إلى تقليد كتابة المذكرات على نطاق واسع، فليس ثمة في هذا الباب من الكتابة إلا عدد محدود من كتب المذكرات قد لا تتجاوز أصابع اليدين وأغلبها قديم نسبيا كتب قبل عدة عقود من قبل ساسة ومسؤولين حكوميين ورجال دولة وصحفيين كتبوا عن بعض هؤلاء. وكتابة المذكرات ، والخاصة بالسياسيين على جهة التخصيص، لون مهم من ألوان الكتابة كونها تعكس بشكل من الأشكال، حتى وإن بدا شديد الذاتية كما هو في طبيعته، الحياة السياسية والاجتماعية في البلد الذي ينتمي إليه الكاتب. وفي هذه الكتابات يتعرف القارئ والجمهور العام على أشياء سكت عنها الإعلام في حينها أو أنه لم يطل الوقوف عندها . وفي أغلب الحالات لاتخلو المذكرات السياسية من طابع المبالغة والذاتية التي تنتج صورا مشوهة أو قليلة الصدقية لذات الكاتب أو لخصومه وحلفائه أو مجايليه عموما .

الحالة التي نحن بصددها تختلف هي الأخرى عن المذكرات السياسية أو "مذكرات السياسيين" إن شئتَ، لكونها تأتي في وقت يعيش فيه العراق مرحلة صعبة وخطيرة على جميع الصعد : فهو خارج لتوه من مرحلة احتلال أجنبي كارثي مباشر، بعد عقود من حكم دكتاتوري همجي و دموي، ومقود في الوقت الراهن من قبل حكم فاسد قائم على أحط انواع الأنظمة السياسية ألا وهو نظام المحاصصة الطائفية والعرقية، وتهيمن على هذا الحكم أحزاب الإسلام السياسي الشيعي التي تتشارك مع أحزاب من طينتها الطائفية أو العرقية ذاتها ممثلة بالتحالف الكردستاني و قائمة " العراقية" وسبق لهذه الجهات جميعا أن كانت – ولا تزال حتى الآن – متحالفة مع الاحتلال الأجنبي ودولته الولايات المتحدة الأميركية بل ومتنافسة في ما بينها على تقديم أكبر الخدمات والامتيازات للولايات المتحدة.

السيد غالب الشابندر ، صاحب المذكرات التي نشرت منها أكثر من اربعين حلقة حتى الآن، ويبدو أنه مستمر في نشرها ، والتي تحمل عنوانا صادما وغارقا في الذاتية هو "خسرت حياتي " ، هذا السيد هو كاتب إسلامي شيعي اعتبرته بعض الأوساط قياديا أو مقربا من قيادة حزب الدعوة الإسلامية بزعامة المالكي فيما يصر هو على تقديم نفسه ككاتب إسلامي مستقل ومعتدل ينفي عن نفسه الطائفية فيما يتهمه خصومه من أنصار البعث أو الطائفيين من الجهة المقابلة بأنه كاتب طائفي بامتياز ويدللون على هذه التهمة بأمثلة من كتاباته ومن أشهر ما قيل في هذا الخصوص هو مقالة كتبها ورفض فيها قيام قناة العراقية الحكومية بنقل احتفالات بمناسبة دينية شيعية هي "عيد الغدير"، رافضا تطييف نشاط القناة. ولكن خصومه في "موقع ذو توجهات بعثية يدعى موسوعة الرشيد" يأخذون عليه طائفية السبب الذي أورده لهذا الرفض، وهو عدم رغبته بأن تضطر القناة المذكورة الى الاحتفال بأعياد الطوائف الأخرى فتحتفل بمناسبات تخص ميلاد الخليفة عمر بن الخطاب ومعاوية ابن ابي سفيان. وينسبون للشابندر قوله (اليوم "الغدير" وغداً يطلب السنة بتخصيص يوم كامل في القناة لولادة عمر وغدا يطالب السلفيون بيوم احتفال بمناسبة ولادة معاوية بن أبي سفيان وهكذا ) ولا ندري في الواقع لماذا يرفض كاتب إسلامي يزعم الاعتدال كالشابندر الاحتفال بمناسبة ولادة خليفة عظيم كعمر بن الخطاب " رض" ويساويه بتاجر عادى وناجز الإسلام والمسلمين ولم يعلن إسلامه إلا بعد فتح مكة كمعاوية بن أبي سفيان الذي انشق بعد إسلامه على مركز الخلافة في عهد الخليفة الرابع علي بن أبي طالب "ع" وقاتل جيشه في صفين واستقل بحكم بلاد الشام ثم استولد الحكم الوراثي العضوض.

ولأننا نحاول أن لا نسقط مواقف مسبقة وأحكاما جاهزة عليه أو على مذكراته فسنكتفي بهذا المثال و لن نقارب هذا المسعى بل سيكون مسعانا الأول والأهم هو قراءة ونقد النصوص من داخلها على اعتبار نقدي نؤمن به وهو أن الكاتب يُقيَّم معياريا من خلال نصوصه وما كتبه هو لا مما قيل عنه وأشيع سواء صح ذلك أم لم يصح . هدفنا من هذه المحاولة أو القراءة فهم المسار الحقيقي لأفكار الرجل وممارساته وأفكار وممارسات المدرسة الفكرية والسياسية والحزبية التي يحسب عليها عادة آخذين بنظر الاعتبار أن كتابه " خسرت حياتي " والذي يشي بشحنة من مزيج النقد والندم والغضب والخيبة...الخ هو في المطاف الأخير كلام لرجل عن نفسه وفكره وتجربته من وجهة نظره هو ذاته .

يعنون الشابندر الحلقة الأولى من مذكراته، التي سنحرص على اقتباسها كاملة في هذه القراءة الاستعراضية بعنوان"ساعة في حضرة السلطان موفق الربيعي !" . في هذه الحلقة يمكن أن نضع اليد على السبب الحقيقي الذي يقول الكاتب أنه دفعه لكتابة هذه المذكرات والذي يمكن تلخيصه بالخيبة الشاملة فهو يبدأ كلامه بالقول ( وأنا اشعر باليأس المطلق من كل شيء قررتُ أن اصرف بقايا عمري التي أتمنى أن لا تتعدى لحظات باتجاهين ، الأول : أن أعمل على تنضيد ما عندي من منتَج ثقافي وفكري حول الكثير من القضايا لعل تتوفر فرصة لطبعها ، والثاني :أن استعرض بعض تجاربي مع الآخرين، خاصة من أصدقاء العمر والعقيدة والسياسة ، وإن كانت متواضعة ، لربما فيها فائدة للقراء ،وقد اخترتُ عنوان : خسرتُ عمري لسرديات الاتجاه الثاني ، وستخضع اختياراتي للظروف المحيطة بي .) ينتقل الكاتب بسرعة من هذه المقدمة المقتضبة والتي كان الإسهاب فيها ضروريا الى رواية حادثة وقعت له ويعتبرها كما يبدو مهمة وذات دلالات فيقول ( كنت في زيارة للعراق قبل خمس سنوات تقريبا ، وقد قادتني الصدف أو المقادير التعسة أن أكون ضيفا على أحد الاصدقاء في المنطقة الخضراء، وذات الصدف أو المقادير التعسة قادتنى إلى طلب من بعض الاصدقاء بزيارة

مستشار الأمن القومي العراقي ( موفق الربيعي ) للاستئناس والتلاطف وليس لأي داع آخر. لبيت الدعوة وتوجهنا نحو القصر المنيف لحضرة المستشار القومي موفق الربيعي ، كان في استقبالنا بعض العاملين في خدمته ، وما هي إلاّ دقائق حتى هبط علينا المستشار، وبعد تبادل السلام العادي بينه وبين الضيوف بما فيهم كاتب هذه السطور،( يقصد بمن فيهم اسم الموصول للعاقل وليس ما الخاصة بغير العاقل / م ث ) توجه أحد الحاضرين بالسؤال عن صحة المستشار إذ بدت عليه بعض معالم الهزال الجسمي ، وهل هو يعاني من مرض ( لا سمح الله ) ،فكان جواب المستشار ما نصه تقريبا : نعم ، أنا مريض ، ومرضي هو العراق !لم اكترث لا للسؤال ولا للجواب ، خاصة للجواب ، لأني اعرف جيدا بان موفق الربيعي قليلا ما يصدق في كلامه .) وفي هذه الفقرة نفهم أن المستهدف بالحادثة ودلالاتها ونقدها هو المدعو موفق الربيعي أحد أخطر الشخصيات السياسية التي عملت في خدمة الاحتلال الأمريكي وتحديدا في الشأن الأمني والمخابراتي حتى نال منصب مستشار الأمني القومي بأمر من حاكم العراق المدني الأميركي بول بريمر .. ويبدو من السياق أن الشابند دعي من قبل أصدقاء للذهاب الى منزل الربيعي ولم يكن ذهابه تلبية لدعوة من هذا الأخير. كما نعلم أن الكاتب يحمل موقفا سلبيا من صاحب الدعوة و قد وجه له اتهاما صريحا بالكذب.

يواصل الشابندر روايته فيقول ( وفي الاثناء تحدث المستشار عن همومه العراقية الكبرى، وفيما انتهى من كلامه ،توجهت له وبكل بساطة بسؤال عن سفرته مع بعض السياسيين العراقيين الى المملكة العربية السعودية، حيث قلت له ما معناه" لا أعتقد كان من الصحيح أن تصطحب معك في هذه الزيارة شخصية حزبية معروفة بتوجهها الرديكالي" وإن تتحول الى أمريكي اكثر من الأمريكان، فيما بعد ولي معه سجال قادم ،وأخرى محسوبة علنا على دولة لها علاقات متشنجة مع المملكة العربية السعودية ...) ثم يتساءل محاولا إدخال نوع من الشد والحبكة في حكايته فيقول ( ما الذي حدث ؟) ويتطوع للإجابة فيقول ( التفت إليّ وكنت جالسا عن يمينه ، وصرخ بي بكل ما يملك من قوة (صوتية ) حيث قال لي ما نصّه : أسكت ، لا "وإلا" أمسح بكَ الأرض ! أي والله ، هكذا قال لي مستشار الامن القومي العراقي ، ذلك المناضل الكبير الدكتور موفق الربيعي ، الذي تشهد سجون صدام حسين ببطولاته النادرة .) والواقع فإن عبارات من قبيل " أمسح بك الأرض " لا يمكن توقعها من شخص يحمل صفة أو مهنة طبيب ولكنها تدل على الدرك الأخلاقي الذي يمكن أن ينحدر إليه من اشتغلوا في خدمة محتلي بلادهم هذا إذا صدقنا رواية الشابندر وليس ثمة ما يجعلنا نرفض تصديقها . يستمر الكاتب في رواته متهما خصمه ومضيفه الربيعي بأنه جبان بل " أجبن خلق الله" بحسب عبارته لنقرأ ( لم أكترث لكلامه ، لعلمي بان السيد موفق الربيعي ليس بهذه الشجاعة بكل صراحة ، بل هو أجبن خلق الله ربما ، وابتسمت بشكل استهجاني ، وقلت كلمة كانت صعبة بحقه كما يراها ، وقلتها بهدوء ، ورفعت ساقي اليسرى الى اليمنى وأنا مستمر بابتسامتي الاستهجانية.) واضح من خلال كلمات الكاتب مقدار الغيظ بل والحقد الذي يعتمل في نفسه ضد خصمه ولكننا للأسف لا نعرف السبب الحقيقي خلف ذلك وهل يتعلق بحرص من الكاتب على سلامة الدور والعمل الذي يقوم به الربيعي فسجل عليه خطأ اصطحابه لشخص وصفه بالرديكالي الى السعودية ؟ ومن هو هذا الشخص ؟ وهل يرفض الكاتب تحول الربيعي إلى أميركي أكثر من الأميركيين ؟ وكيف تجلى له ذلك وما الأدلة عليه ؟

يواصل الشابندر سرد حكايته فيقول ( بعد هذه ( الزأرة ) الاسدية المقدامة من مستشار الامن القومي ، راح يتكلم عن قضية إعدام صدام حسين ، وكان مما قاله والله على ما اقول شهيد ، بأنه اتصل بالسيد رئيس الوزراء نوري المالكي تلفونيا ، وقال له ما معناه ( أبو إسراء لازم نعدم صدام حسين ! وحسب الربيعي نفسه ، بان الحجي أبا إسراء أجابه : تتصور لازم نعدمه ؟ ثم اردف نعم هذا قرار لا رجع فيه ... هنا قال الربيعي : قلت لابو اسراء ، شوف ( مو تتراجع ) يجب إعدام صدام حسين ... هنا قلتُ له : يبدو أنك صاحب القرار الحقيقي في إعدام صدام حسين وليس سيادة رئيس الوزاء ؟ تراجع خائفا وقال : ـ لا ، لا ، هو رئيس السلطة التنفيذية ... مرّت فترة سكوت ، ثم قال ( أنا أعرف غالب الشابندر مخلص في نقده للحكومة وبإمكاني الآن أن اعتقله لو لا إيماني بإخلاصه ! قالها بهدوء ، وهو يصوب نظره للآخرين ، ويتجنب نظره باتجاهي ، ابتسمت ايضا ..) يمكن للقارئ أن يفهم من كلام الشابندر أنه يحاول توريط الربيعي بما يغيض المالكي بصدد موضوع إعدام صدام حسين ولكن الآخر تراجع مذعورا من هذا التوريط لابل امتدح إخلاص من هدده قبل دقائق بأن يمسحه بالأرض أي صاحب المذكرات . ومن خلال اللقاء والتصريحات الكثيرة التي أدلى بها المدعو موفق الربيعي وبصدد موضوع إعدام الدكتاتور السابق يمكن لنا أن نصدق بسهولة ما ينس إليه بهذا الخصوص أما مسألة تحذيره للمالكي من التراجع عن تنفيذ الإعدام فهو أمر يحتاج الى دليل لأهميته. ويستمر الشابندر في روايته فيقول ( ومن ثم قال الربيعي : أنا يوميا أقرأ اربع تقارير ، ومن ضمنها نقد غالب للحكومة ، وبإمكاني الآن أن اعتقله ! لم يطل البقاء ، بل تأزم الموقف في داخل غرفة اللقاء، وكان القرار أن تنتهي الزيارة ، خرجنا ، وكنت أول الخارجين ، خارج غرفة اللقاء كنت قد نأيت بنفسي بعيدا ، ولكن الاخوة الزائرين تحلقوا حوله مودعين ، وفي الاثناء توجه معهم حتى أدركني وانا كنت أنتظر الاخوة الحاضرين ، هنا قال ( أنا ادين للاخ غالب لأنه هو الذي ( خلّصني ) من ورطة الاسلام السياسي عبر كتاباته. لم أجب بكلمة واحدة ، ولكن قال في الأثناء ، حسب ما اتخطر ، بان اباه رحمه الله شيعيا، وامه رحمها الله سنية ، وبالتالي هو يمثل رمز الشعب العراقي ! ضحكت ... ومضيت ... هل انتهت القصة ؟ لا ، فهناك بقايا ، لعل من فصولها المهمة قصة إعلان شيعة العراق ، وقصة الكراس الشهير ، سياستان ومنهجان للمستشار ، ياتي وقتهما بإذن الله ، .. وفي حلقات أخرى مع اصدقاء آخرين ... ) وهكذا يختم الشابندر الحلقة الأولى من مذكراته وكأن ما حدث ليس أكثر من مشادة بسيطة بين أصدقاء أو رفاق درب كثيرا ما تحدث وتنتهي بالضحك والتمادح الكاذب. ولكن لا يغرنا ذلك فخلف الكلمات التي قيلت ثمة الكثير من الأفكار منها أن الكاتب وعلى لسان خصمه سجل نفسه ناقدا للحكومة – المقصود حكومة المحاصصة الطائفية العرقية التي شكلها الاحتلال – ولكنه ناقد ومخلص أيضا ولولا ذلك الإخلاص لكان الربيعي قد اعتقله ! نسجل أيضا أن كاتب المذكرات يحاول أن يبدو كالمسكين والزاهد في المناصب والوجاهة و النائي بنفسه عن المشاكل والأزمات ولكنه أيضا يؤكد لنا انه يسعى إليها بقدميه وأخيرا فالخصم " الربيعي" يعترف له بفضله عليه بأنه "خلصه من ورطة الإسلام السياسي عبر كتاباته" وأغلب الظن أن موفق الربيعي كان صادقا هنا بعكس ما يقوله زميله الشابندر فمن يتولى أهم منصب تجسسي ومخابراتي لدى دولة الاحتلال لا حاجة له لا بالإسلام السياسي و لا الاقتصادي! وإلى لقاء آخر قريب مع الشابندر غالب في مذكراته " خسرت حياتي وسيكتب في الحلقة القادمة عن خضير الخزاعي النائب حاليا لرئيس الجمهورية !

نعيد نشر نص الحلقة كاملة هنا كما نشرت لأننا كنا قد صححنا بعض العبارات والكلمات فيها لغويا وأسلوبيا خلال اقتباساتنا منها:

الحلقة الأولى : ساعة في حضرة السلطان موفق الربيعي !

وأنا اشعر بالياس المطلق من كل شيء قررتُ أن اصرف بقايا عمري التي أتمنى أن لا تتعدى لحظات باتجاهين ، الأول : أن أعمل على تنضيد ما عندي من منتَج ثقافي وفكري حول الكثير من القضايا لعل تتوفر فرصة لطبعها ، والثاني :أن استعرض بعض تجاربي مع الآخرين ، خاصة من أصدقاء العمر والعقيدة والسياسة ، وإن كانت متواضعة ، لربما فيها فائدة للقراء ،وقد اخترتُ عنوان : خسرتُ عمري لسرديات الاتجاه الثاني ، وستخضع اختياراتي للظروف المحيطة بي .

كنت في زيارة للعراق قبل خمس سنوات تقريبا ، وقد قادتني الصدف أو المقادير التعسة أن أكون ضيفا على أحد الاصدقاء في المنطقة الخضراء، وذات الصدف أو المقادير التعسة قادتنى إلى طلب من بعض الاصدقاء بزيارة مستشار الأمن القومي العراقي ( موفق الربيعي ) للإستئناس والتلاطف وليس لأي داع آخر.

لبيت الدعوة وتوجهنا نحو القصر المنيف لحضرة المستشار القومي موفق الربيعي ، كان في استقبالنا بعض العاملين في خدمته ، وما هي إلاّ دقائق حتى هبط علينا المستشار، وبعد تبادل السلام العادي بينه وبين الضيوف بما فيهم كاتب هذه السطور، توجه أحد الحاضرين بالسؤال عن صحة المستشار إذ بدت عليه بعض معالم الهزال الجسمي ، وهل هو يعاني من مرض ( لاسمح الله ) ،فكان جواب المستشار ما نصه تقريبا : ـ ـ نعم ، أنا مريض ، ومرضي هو العراق !

لم اكترث لا للسؤال ولا للجواب ، خاصة للجواب ، لأني اعرف جيدا بان موفق الربيعي قليلا ما يصدق في كلامه . وفي الاثناء تحدث المستشار عن همومه العراقية الكبرى، وفيما انتهى من كلامه ،توجهت له وبكل بساطة بسؤال عن سفرته مع بعض السياسيين العراقيين الى المملكة العربية السعودية، حيث قلت له ما معناه: ـ ــ لا أعتقد كان من الصحيح أن تصطحب معك في هذه الزيارة شخصية حزبية معروفة بتوجها الرديكالي ــ وإن تحول الى أمريكي اكثر من الأمريكان فيما بعد ولي معه سجال قادم ــ ،وأخرى محسوبة علنا على دولة لها علاقات متشنجة مع المملكة العربية السعودية ...

ما الذي حدث ؟ التفت إليّ وكنت جالسا عن يمينه ، وصرخ بي بكل ما يملك من قوة (صوتية ) حيث قال لي ما نصّه : ـ إسكت ، لا أمسح بكَ الأرض ! أي والله ، هكذا قال لي مستشار الامن القومي العراقي ، ذلك المناضل الكبير الدكتور موفق الربيعي ، الذي تشهد سجون صدام حسين ببطولاته النادرة . لم أكترث لكلامه ، لعلمي بان السيد موفق الربيعي ليس بهذه الشجاعة بكل صراحة ، بل هو أجبن خلق الله ربما ، وابتسمت بشكل استهجاني ، وقلت كلمة كانت صعبة بحقه كما يراها ، وقلتها بهدوء ، ورفعت ساقي اليسرى الى اليمنى وأنا مستمر بابتسامتي الاستهجانية. بعد هذه ( الزأرة ) الاسدية المقدامة من مستشار الامن القومي ، راح يتكلم عن قضية إعدام صدام حسين ، وكان مما قاله والله على ما اقول شهيد ، بأنه اتصل بالسيد رئيس الوزراء نوري المالكي تلفونيا ، وقال له ما معناه : ـ أبو إسراء لازم نعدم صدام حسين ! وحسب الربيعي نفسه ، بان الحجي أبا إسراء أجابه : تتصور لازم نعدمه ؟ ثم اردف نعم هذا قرار لا رجع فيه ... هنا قال الربيعي : قلت لابو اسراء ، شوف ( مو تتراجع ) يجب إعدام صدام حسين ... هنا قلتُ له : يبدو أنك صاحب القرار الحقيقي في إعدام صدام حسين وليس سيادة رئيس الوزاء ؟ تراجع خائفا وقال : ـ لا ، لا ، هو رئيس السلطة التنفيذية ... مرّت فترة سكوت ، ثم قال : ــ ـ أنا أعرف غالب الشابندر مخلص في نقده للحكومة وبأمكاني الآن أن اعتقله لو لا إيماني باخلاصه ! قالها بهدوء ، وهو يصوب نظره للآخرين ، ويتجنب نظره باتجاهي ، ابتسمت ايضا .. ومن ثم قال : أنا يوميا أقرأ اربع تقارير ، ومن ضمنها نقد غالب للحكومة ، وبأمكاني الآن أن اعتقله ! لم يطل البقاء ، بل تأزم الموقف في داخل غرفة اللقاء ، وكان القرار أن تنتهي الزيارة ، خرجنا ، وكنت أول الخارجين ، خارج غرفة اللقاء كنت قد نأيت بنفسي بعيدا ، ولكن الاخوة الزائرين تحلقوا حوله مودعين ، وفي الاثناء توجه معهم حتى أدركني وانا كنت أنتظر الاخوة الحاضرين ، هنا قال :ــ ــ أنا ادين للاخ غالب لأنه هو الذي ( خلّصني ) من ورطة الاسلام السياسي عبر كتاباته . لم أجب بكلمة واحدة ، ولكن قال في الأثناء ، حسب ما اتخطر ، بان اباه رحمه الله شيعيا ، وامه رحمها الله سنية ، وبالتالي هو يمثل رمز الشعب العراقي ! ضحكت ... ومضيت ... هل انتهت القصة ؟ لا ، فهناك بقايا ، لعل من فصولها المهمة قصة إعلان شيعة العراق ، وقصة الكراس الشهير ، سياستان ومنهجان للمستشار ، ياتي وقتهما بإذن الله ، .. وفي حلقات أخرى مع اصدقاء آخرين ...

fb