لعبة الاجتثاث بين نجاد وبايدن !
28 شباط (فبراير) 2010 , بقلم جمال محمد تقيبريمر هو من صادق على فكرة ولجنة اجتثاث البعث التي لم تكن وليدة ساعتها ، وهو من عين لها المتحمس احمد الجلبي رئيسا ، ويبدو انها استنفذت مفعولها امريكيا ، لذلك راح الامريكان يفكرون بتجاوزها ، لكن المخابرات الايرانية واتباعها في العراق يتشبثون بها بل يزدادون تشبثا كلما عرفوا ان للامريكان ترتيبات اخرى تنسجم مع واقع انسحابهم المقبل والذي يريدوه هادئا بترتيبات تجعل استقرار الوضع السياسي في العراق وتطبيعه مكسبا امريكيا ولو لاجل مسمى ، وتحديدا بعد انسحابهم الذي لا يعني ترك العراق لشأنه خاصة وانه قد اصبح احدى الساحات المهمة للمواجهة مع ايران نفسها ، وعلى الرغم من ان الامريكان كانوا قد نجحوا في تحويط لجنة الاجتثاث وحصر مهامها وتحجيمها واستصدار قرار من البرلمان بتحويلها الى لجنة للمساءلة والعدالة الا ان هذا التحول لم يأخذ مداه التنفيذي ولا الدستوري مما وفر فرصة سانحة للايرانيين واتباعهم في انهاضها مجددا بالاستفادة من ثغرات التحول وضيق الوقت وانفراط الفترة التشريعية للبرلمان المنتهية ولايته وذلك لتصفية الخصوم السياسيين الذين يميلون للتفاهمات الامريكية في مواجهة التجاوزات الايرانية على العراق التي تلتقي انسيابيا مع التوجه الامريكي لمحاصرة المنافذ الايرانية ، فكان ما كان من اجتثات ، الذي وصفه السفير الامريكي بانه غير شفاف وغير دستوري ووصفه مسؤول اخر بانه استجابة للتوجيهات الايرانية ، حتى ان بايدن قد علق على قرار المحكمة التمييزية الاخير قائلا بانه جاء محصلة لضغوط ايرانية تسيء للوضع العراقي الذي هو بامس الحاجة للمصالحة الوطنية ونبذ الخلافات تسهيلا لانخراط الجميع في العملية السياسية بعد نبذ العنف !
الاجتثاث الذي دار بدوافع وهندسة ايرانية مستقاة من خبرات الباسيج واطلاعات التي تراكمت لديها من عمليات اجتثاث داخلية لمجاهدي خلق وفدائيي خلق وكل القوى العلمانية الديمقراطية الايرانية صاحبة الفضل الاول في قيام الثورة وصاحبة المصلحة الحقيقية في تطويرها لارساء قواعد نظام ديمقراطي وتنموي مستقل من كل اشكال التبعيات المباشرة وغير المباشرة قي ايران ، نظام يؤمن للشعوب الايرانية التطور والاستقرار والتآخي والمساواة ، نظام يلعب دورا ايجابيا في المنطقة وبحكمة تساعد على معالجة كل المشاكل العالقة بروح بناءة تفتح افاق من التعاون المثمر بين بلدانها بما يعود بالفائدة على الجميع ، نجاد يريد اجتثاث كل عراقي لا يرضخ للهيمنة الايرانية وتغلغلها في العراق وغيره من بلدان الخليج وبحسب منطقه فان كل مناوئ للتمدد الايراني هو اما بعثي او مرتهن للتبعية الامريكية ، وكأن البعث هو السد الوحيد الذي يمكن ان يوقف التطاول الايراني عند حده وهذه لعمري اشادة وليست مذمة للبعث ! الحقيقة ان احمدي نجاد يتصرف كالقنفذ في مرابع دولة الفقيه حيث يرمي باشواكه السامة باتجاهات متعددة لتصيب من تصيب وكأن كل المحيطين به اعداء! انه ومن حيث لا يدري يخدم البعثيين العراقيين اكثر مما يضرهم حينما يربط بين العداء الساري في العراق والمنطقة لسياسة نظامه ازاء الداخل والخارج وبين البعث ، المفارقة انه هو نفسه يقيم علاقات استراتيجية مع الجناح الاخر للبعث نفسه ـ البعث السوري ـ ولا اعتقد ان اتباع نجاد في العراق يعون تماما عمق التناقض بين ما هو سياسي برغماتي وبين ماهو فكري ومبدئي في الموقف من موضوعة الاجتثاث التي يلوكون بها دون علم ، بعضهم يقول نحن نجتث البعث الصدامي فقط ، فاذا كان الامر كذلك اذا لماذا لا يسمحون بالعمل العلني لحزب البعث قيادة قطر العراق مثلا ؟ لماذا يعتبر الفكر البعثي فاشيا ونازيا وهداما وعنصريا ثم ياتون ويميزون البعث السوري وكذلك قيادة قطر العراق وهما من نفس المصدر بل هما المصدر نفسه ؟ القضية اذن ليست مبدئية او فكرية او ذات مصداقية انها مسألة دوافع سياسية وسلطوية لا اكثر ، هم يدركون ان السلطة انتزعت من البعث باحتلال اجنبي اتى بهم للحكم ومهده لهم وعندما امتلكوا ارزاق واعناق الناس صارت لهم امكانية لانتزاع البيعة بصورة انتخابات مفصلة على مقاساتهم ، وهم يدركون جيدا ان هذه البيعة لا تحصنهم باي حال من الاحوال فهم لا يتحركون بين الناس الا بحمايات عرمرمية وسيكون وجودهم على كف عفريت بعد الانسحاب الامريكي الثقيل من العراق بل ان نفس الناس الذين بايعوهم على قاعدة التقية سينقلبون عليهم بعد تغير الموازين ، يحسبون انفسهم محصنين بحزامين الاول امريكي والثاني ايراني فان غاب الامريكي ظهر الايراني ، متناسين ان شعبنا متخصص بفك اقفال اعقد الاحزمة وتحويلها الى نقمة على اصحابها ! المفارقة ايضا ان البعث يتحداهم ـ منطقيا ـ بالدخول بنفس لعبتهم الانتخابية حيث يترك لصناديق الاقتراع ان تقرر من يأتي للسلطة وبرلمانها بشرط ان لا يمنعوه منها ، وهم فعلا يخشونه وهذا يدل على مدى هشاشة وجودهم بالرغم من اعتمادهم على التقاسم الطائفي والعرقي للسلطة وبالرغم من التهديم المتعمد لكل مؤسسات الدولة الوطنية كالجيش وقوات الامن والادارة المدنية وعلى الرغم من تعرض قاعدته ومن يتعاطف معها للعزل والتصفيات الجسدية والاعتقالات والمطاردات ، وهم يدركون ان سوريا تحتضن من هم الاقرب الى نظامها اي البعثيين ، وايران تمد اذرعها الى اقاصي الحكم واحزابه لتسد الطريق على المتصدين لها في العراق وهنا تحديدا يتوالد التناقض وباتساع على ساحة العراق بين قطبي التحالف الاستراتيجي المتصدع ـ سوريا وايران ـ فساحة العراق هي العمق الاستراتيجي لسوريا ومنها وعليها تنبثق الترتيبات القادمة ! لم تكن تصريحات بترايوس مجرد بالونات هوائية عندما قال ان احمد الجلبي وبتوجيه من ايران يسير اعمال ما يسمى بلجنة المساءلة والعدالة ، فهذا نجاد بنفسه يتوعد باجتثاث ما اسماهم بالبعثيين في العراق وطبعا هو يقصد كل المعادين للتوجه الايراني في العراق ، نستنتج من ذلك كله ان كل معادي للتواجد الايراني وتغلغله في العراق هو بعثي بحسب ايران ويجب اجتثاثه حتى لو كان هذا المعادي شيعيا كأياد علاوي مثلا ، اما عمليا فاننا نلحظ ان اتباع نجاد من جماعة الاحزاب الطائفية يترجمون المنطوق الفارسي للاوامر الصادرة لهم باجتثاث كل منافس مؤثر على حصة نفوذهم حتى لو لم يكن بعثيا ! ان امريكا وايران وتوابعهما من العراقيين يتبادلان الادوار فمرة يتفقون على الاجتثاث كاسلوب لحكم العراق المقسم والمتحاصص ومرة يختلفون على تطبيقاته وحدوده ولكل منهم غاية في نفس يعقوب ! سوريا هي الخاسرة على المدى القريب والبعيد من هذه الادوار الايرانية الامريكية في العراق وهي تدرك ان انفراد ايران بالعراق وخاصة بعد الانسحاب الامريكي الثقيل منه سيؤدي الى اختلال التوازن الاقليمي والذي يؤدي عمليا الى طغيان الدور الايراني على حسابها بل سيكون ضاغطا عليها من اجل ربط مصير سياستها بالكامل بمصير السياسة الايرانية ، وهذا لا يخدم بطبيعة الحال طبيعة السياسة السورية . المصلحة الوطنية العراقية تقتضي الغاء كل انواع التمييز السياسي بحق احزابه ذات التاريخ السياسي الوطني بما فيها البعث نفسه ، اي الغاء سياسة ونهج وقانون الاجتثاث و نسخته المخففة ـ المساءلة والعدالة ـ وترك القضاء المستقل ينظر بكل التجاوزات الجرمية قبل وبعد الاحتلال ، والعمل من اجل خلق ارضية تلاقي وحوار وطني تؤدي الى مصالحة حقيقية لتجنيب العراق وشعبه اهوال الحروب الاهلية والتصفيات السياسية والانقلابات العسكرية خاصة وان الامريكان يتعجلون الخروج الثقيل فعليا ان التوافق على قانون محكم للاحزاب والاتفاق على صيغة لتاهيل الوضع القائم وطنيا بعد تنقيته من كل الشوائب والارتباطات بالاجندة الاجنبية واعتبار فصائل المقاومة الوطنية جزءا اساسيا من اي عملية توافق وطني كونها الغائب الحاضر الذي دفع بالمحتلين للتعجيل بانسحابهم من العراق وتغيير تكتيكاتهم والتي تتطلب من القوى الوطنية عموما الطرق على الحديد وهو حامي من اجل انتزاع ما في ذمة الامريكان من حقوق عراقية ما زالت بحوزتهم ، وكل هذا لايتحقق الا بالوقوف وبمسافة موضوعية من التجاوزات والاحتلالات الامريكية الايرانية دون اخذ جانب ضد اخر، والانطلاق من المصالح العليا للعراق في اي علاقة يمكن ان تقام مع هذا الطرف او ذاك ، وليس اللعب على التناقضات وجعل العراق ساحة لنفوذ طرف على حساب اخر او تركه لنفوذ الطرفين معا لان ذلك يعني الخيانة بعينها ! هامش : مؤشر زيارة نجاد الاخيرة لدمشق لا يعني بالضرورة دليل على تطابق امتدادات السياستين الايرانية والسورية وانما يمكن ان يحسب على انه محاولة للظهور بمظهر التطابق ـ المفقود ـ واذا كانت تركيا قد وقعت مع سوريا على اتفاقية التنقل بين مواطني البلدين دون الحاجة للتاشيرة فايران الان تحذو حذوها وهذا دليل على ان الاسبقيات في العلاقة ليست كما يشاع عنها !