اعادة نشرمقال كنت في بغداد : وسمعت أخبارا عن رئيس وزراء يتوارى تحت ابط المالكي / لعبدالامير الركابي ( تحقق الجزء الاول مماورد في المقال حرفيا حسب النتائج الاولية للانتخابات فماذا عن الجزء الثاني من السيناريو الذي جاء فيه؟)
10 آذار (مارس) 2010 , بقلم عبدالامير الركابي
3/3/2010
وصلت بغداد يوم 5/2/2010 من دون ترتيبات مسبقة، اتجهت من المطار لوحدي مباشرة الى الفندق الذي اختاره لي المؤتمن على تدبير شؤوني، وقام بحجزغرفة لي في فندق متواضع في قلب بغداد، كان هو من دون اعضاء ’التيار الوطني الديمقراطي’ من اعلم مسبقا بوصولي، وكلف بمرافقتي وتأمين الاتصالات اللازمة بالآخرين، وبالقوى المنوي الالتقاء بها. قبل ذلك كان العمل قد جرى على مدى اكثر من شهرين، بين بعض القوى والشخصيات، على قاعدة مشروع مكتوب، اعده ’التيار’ ووزعه، متضمنا الدعوة الى ’جبهة للمصالحة والتحرير’. وفي هذا السياق كان لابد من توطيد تلك الاتصالات، وتوسيعها اذا امكن. وهو ماكان عليّ ان اقوم به شخصيا، وقد جاءت المناسبة، كي اقوم بذلك بغض النظر عن النقاش الذي كان قد جرى بين الاخوة، وشهدنا من خلاله تباينا بين رأيين: هل من المفيد القيام بتحرك كهذا في ظروف الانتخابات وضجة التحضير لها، أم أن الانتظار الى مابعدها سيكون افيد؟ والرأي الذي لم يكن يحبذ الذهاب في اللحظة الراهنة، كان يفترض طبعا أن الاهتمام الأكبر سيكون منصبا على موضوع الانتخابات، وان الناس عموما لن تكون مستعدة للاستماع والتعاطي مع أي مشروع خارج الانشغال الانتخابي، او يتناقض مع سياقاته، وان الحكمة تقول بانه من المستحسن الانتظار الى ان تنتهي الانتخابات، ويستقر الوضع على حالة محددة ومفهومة. غير ان فرضية ’الانشغال’ الشعبي لم يتبين انها صحيحة، وعشت اياما في بغداد والفرات الاوسط، دون ان أشعر بان لهذا الاستحقاق اي اثر فعلي، بينما تسود بين الناس حالة أقرب الى الفرجه منها لروح المشاركة الحماسيه، في حين يبدو الأمر وكان الجمهور وغالبية الناخبين يتقصدون التعامل مع مايجري امام اعينهم ببرود، وربما يكون مصدر هذا الاحساس نابع من كون التفضيلات والانحيازات شبه محسومه، ولاتستثير رغبة في المنافسه الحادة. على الارجح لان ملامحها الاساسية تبدومقررة بحكم الأمر الواقع، كما بفعل التجربة، وعوامل أخرى تبدو مريبة وغامضة بعض الشيء.
والتفضيلات والانحيازات أصبحت موزعه الى خانات، ثمة مايسترو خفي هو الذي أرساها على تلك الشاكلة، وهذه نفسها تأقلمت لكي تتحول الى ملامح عينت وجهة العملية الانتخابية المقبلة، سيتقدم على الارجح تيار المالكي وقائمته ويكون كتلة غالبة، هذا الامر يتحدث عنه الناخبون العاديون سواء باعتباره انحيازا وتفضيلا، او بصفته رفضا بلا حماسة زائدة، اوباعتباره امرا واقعا. والمواقف على هذا الصعيد باردة وعقلانية، بقدر يدعو الى الدهشه. وحين يحدث وتلح بالسؤال، يواصل اغلب من تتحدث معهم الاشارة الى اربع كتل كبرى، ويقولون بان ’دولة القانون’ ستكون متقدمه، تتلوها ’قائمة علاوي’، ثم ’الائتلاف ’ الشيعي، ثم ’التحالف الكردي’. وحين تستمع لهذا التقدير تعتقد ان الانتخابات انتهت قبل ان تبدأ، وان ضغطها او التوتر الذي من المفترض ان يرافقها، في حالة كالحالة العراقية قد رحل الى ما بعدها. فالهواجس او الشكوك والغموض، تقف بقوة وراء العملية الانتخابية، وهي تتجمع لعلها تفرز وتفحص بعد ظهور نتائجها، الاانه حتى هنا تصبح الحيرة والتوجس سيدالموقف، والجميع ’يمغمغون’ ولا يريدون الدخول في التكهنات، رغم انهم جميعا يشعرون بان شيئا ما سيحدث. ماهو وكيف، وما دلالته؟ لا أحد يريد الجزم او تبني تأويلات بعينها، وكأن الكل يفضلون ترك الامر لحين مجيء اللحظة المقررة، لعلها تكون أوضح أو أقرب الى التناول والحكم.
من الاشياء التي يهجس بها الكثيرون، احتمال استبعاد ’المالكي’ من رئاسة الوزراء وهنا يجري حديث مقتضب عن خطط، وعن رغبة خفية، ربما تكون الولايات المتحدة قد حولتها الى خارطة طريق انتخابية . فالبرلمان ’الرباعي الرؤوس’ المتوقع قيامه، يراد له ان يقبل المالكي منتصرا انتخابيا، لكنه سيكون خاسرا كحاكم او كطامح للحكم. ويكاد الكل يجمع على ان الكتل الاخرى ستشترط قبل الائتلاف مع الكتلة الأكبر، ان لايكون المالكي رئيسا مقبلا للوزراء. لكن هذه المسألة هي الاخرى توضع بعيدا خارج المشهد الآني، والبعض يقول بان هذا الامر محسوم، الا ان الجهات التي اتفقت عليه، لا تريد التلويح به الان، وتفضل ان تتركه الى وقت لاحق، حتى لايتحول الى سبب يزيد من عناد مناصري المالكي، أو يدفع الى استنفارهم، وبالاخص منهم، الكتلة الشعبيه غير المنظمه، ممن وجدوا في المالكي شخصية جلبت لهم الامان، وخلصتهم من الفوضى وتحكم المليشيات.
لكن الاحتياطات المبالغ بها من قبل الاوساط القيادية، المتفقة على ما يبدو على استبعاد المالكي، لم تلغ تماما، تداول سيناريوهات عندما يتم الامساك برأس خيط بعضها نصل مباشرة الى محرك خفي، يقال انه هو الذي رتب كل هذه الخريطة ونظمها وضبط ايقاعها. ويتحدث البعض عن مناورة كبرى، واشغال بهدف وهمي، يتمثل في وهم قضية الاجتثاث، وموضوع المطلك، وما اثير من ضجة بخصوص ’عودة البعثيين’. فالمطلعون على الخفايا يقولون بان هذه المسألة قد طرحت، واقيم اصلا التكتل ’العلماني الامريكي’ من علاوي والمطلك والهاشمي، كي تخوض الولايات المتحدة من خلاله معركة وهمية، ترضي بها الاوساط السنية من ناحية، وتغازل البعثيين وتبيعهم الوهم، من دون ان تشعر ’الشيعة’ بالخسارة، او بأي تهديد من اي نوع كان. وبدل الضغط على الكتلة الشيعية، الامر الذي قد يدفعها لمزيد من الالتحام بايران، تحاول الولايات المتحدة ان توجد آلية ضاغطة، من شأنها ان تؤسس لمشروع ’وطني شيعي’ على مستوى الدولة، يكون قادرا على استيعاب المكونات الاخرى بعد ترويضها، فالدرس الذي تتعلمه الولايات المتحدة الان في العراق، صار يتمثل في محاولة دفع الاغلبية، اي الشيعة، الى تبني خيار وطني، الشيعة مؤهلون لممارسته بحكم اغلبيتهم العددية، وهو ما يساعدهم على تجنب الضغط على الآخرين وارهابهم على المدى المتوسط والبعيد، الامر الذي لم يكن يتوفر للسنة كأقلية كانت مضطرة خلال تاريخها في قيادة الدولة الحديثة، اما الى التعكز على الاجنبي، او اللجوء الى الارهاب بحق المكون الاكبر، وهذا الخيار يشترط من الجهة المقابلة، اقتناع السنة بقانون المشاركة، الامر الذي يستحيل ان يمر من دون مناورات وادارة طويلة الامد.
ولقد سمعت من جهات نافذة في السلطة، ان المالكي لم يكن موافقا على طرح قضية الاجتثاث، وان الجلبي الذي يدعمه الصدريون، هو من لعب الدور الرئيسي في ذلك. والغريب او المثير ان البعض يصدقون بان مايقوم به الجلبي، يلقى انزعاجا ومعارضة من الامريكيين، وانه يفعل مايفعله بتصادم مع مخططاتهم، ويبدو ان مثل هذه النغمة قد وجدت صدى لدى تيار الصدر، لدرجة انه وقع في الفخ. ومقتدى الصدر مثله مثل غالبية المتصدين للعملية السياسية، والنافذين فيها، لايتمتع باية حنكة سياسية، ولاحتى بالحد الادنى من البراعة او المؤهلات. وتاريخ مقتدى والتيار الصدري بعد الغزو والاحتلال معروف، ولطالما ادى الى تبديد قوى التيار واضاع من يده فرصا ثمينه جدا . اما بطولة الجلبي، فهي محسوبة بنظر الامريكيين جيدا، فالمطلوب هو في مكان آخر، والمناورة التي انساق اليها الجلبي او تلقفها مفتخرا ومنفوخا، هي من نوع ’ تكسير فخار ببعضه’ وحين تجري الانتخابات وتعلن النتائج، سيكون هناك حساب آخر هو حساب البيدر.
في نقاش جرى في الفرات الاوسط، وفي مدينة الكوفة بالذات، حضره كوادر من الحركة النقابية مع قيادة ’التيار الوطني الديمقراطي’ في الفرت الاوسط، استمعت الى شرح يجري تداوله، عن نتيجة الانتخابات، وكيف ستنتهي الى مساومات تفرض عدم تقدم اية كتله للتحالف مع كتلة ’دولة القانون’، الا بشرط عدم التجديد للمالكي. وهذا سيكون على الاغلب ’الكود’ الذي تم اعتماده كخريطة طريق، وان الاكراد، وكتلة علاوي يحفظونه عن ظهر قلب، وسينفذونه في الوقت المناسب. وفي هذه الحالة وتأمينا للحل، سيطرح بعد النقاش اسم الشخص المرشح لرئاسة الوزراء، وهذا الشخص من اقرب المقربين للمالكي، وهو وزير في حكومته، وشيعي من سوق الشيوخ في الناصرية، ومن عائلة متدينه منها رجال دين يقدرهم الشيعه. ولهذا لن يؤدي ترشيحه الى اثارة حساسية ما لدى الشيعة او يجعلهم يتصورون انهم تلقوا طعنة ما. والأهم ان هذا الشخص ليس من نسيج المعارضة التي جاءت من الخارج، وهو لم يكن منتسبا لها. بل كان بالاصل ضابطا في الجيش العراقي ولواء مهندسا في القوة البحرية، وبعثي تحول الى حزب الدعوة قبل عام 2003، وهو يمكن ان يعتبر بمثابة مرشح تسوية، لكنه من ناحية ثانية سيكون حسب ما يرى الامريكيون من بين من لايمتون باية صلة لايران، ويرضاه البعثيون والسنة عموما، وقد يحرك موضوعيا لدى الشيعة، نوازع وطنية وعراقية اصبحت بارزة ومتبلورة بعد احداث الفكة. فهل سيكون شيروان الوائلي وزير الامن الوطني، عنوانا لمرحلة جديدة، ولبداية مغادرة ’علل الغزو’ وحماقاته وسوء مساراته ؟ وهل هو مرشح الحاجة الامريكية العراقية ’الاستعمارية’ كما يمكن ان تستقر في الوقت الحاضر وبالقدر الذي يتيحه المشهد السياسي، ونتائج الغزو والاحتلال ومسارات الاحتراب الطائفي، وما انتجه سحق الدولة الحديثة، وبروز مكونات ما قبل الدولة، وطغيانها بعد الاحتلال؟.
لا يصح الحديث عن سيناريو كهذا، دون ان نتابع التصورات والخطوات التي يمكن ان تكون قد وردت في عقل واضعي الاستراتيجية الحالية للوضع في العراق من الامريكيين وغيرهم. ومن البين تماما، ان الامريكيين قد توصلوا بعد التجربة القاسية وسلسلة ’الخراقات’، الــــى مايمكن تسميته بسلوك استعماري على الطريقة الكولينيالية، وان طبعة محسنة من سلوك الاحتلال البريطاني للعـــراق قد بدأت تطبق من الان فصاعدا. واذا كان مايجري الان عبر الانتخابات، ينم عن براعة، ظهرت متأخرة فان مثل هذا السلوك، ينبغي ان يحسب ويفحص من قبل الوطنيين العراقيين. فالنتيجة الأكبر التي ستتمخض عنها الانتخابات، هي ضخامــة الفضل الامريــكي علـــى الجميع، وقدرة غير مسبوقة على التلاعب بالوضع ومن ثم بالجميع. وحين سينظر قادة الكتل واعضاء البرلمان القادم الى انفسهم، فسيجدون السفير الامريكي سيد القصر المتفضل على الكل السنة، والبعثيين، والعلمانيين المفبركين وعلى رئيس الوزراء المقبل، وعلى الشيعة من الميالين الى التحرر من القبضة الايرانية. وهذا سيعني حتما، ان الولايات المتحدة انتقلت من الوجود او الاحتلال بلغة السحق، الى استراتيجيا تأمين المصالح سياسيا، وعبر العراقيين انفسهم. ولدينا شواهد على ان هذه الاستراتيجا آخذة بالاستقرار، وغدت مقرة في السلوك الحالي، وفي جملة من الشواهد الاخيرة، فاوباما الذي اتهمه كيسنجر مؤخرا، بالجهل، وعدم معرفة الاهمية الاستراتيجية العالمية للعراق، وافق منذ ايام على طلب الجنرال اوديرنو، بان يبقي قوة مقاتلة امريكية بعد عام 2011 في العراق. وهذا التطور )يعني على الاقل نقضا لاهم بنود الاتفاقية الامنية العراقية الامريكية القاضية بالانسحاب في 2011( يقول ان شيئا ماقد تغير، وان مانشهده من خلال الاداء الامريكي خلال الانتخابات والترتيبات الجارية لتنظيمها وتوجيهها، ليس امرا عارضا ولايقع فقط في باب التقديرات او التكهنات. يمكننا بالمقابل ان نفترض ان السياسات او الخطط التقليدية الكولونيالية في القرن الحادي والعشرين، وفي العراق اليوم، ليست مضمونة التحقق، وهي قد لاتؤمن النتائج المرجوة منها. وان تعقيدات الحالة، والواقع الاقليمي، والاحتمالات التي ينطوي عليها الوعي الوطني العراقي حاليا، خارج ’العملية السياسية الامريكية’، من شأنها ان تجعل الاحتلال يفشل في تأمين مصالحه سياسيا، مثلما فشل في تحقيقها وضمان نتائجها عسكريا. كيف ولماذا، وما الذي على الوطنية العراقية ان تفعله من الان وصاعدا؟ هذا ماسنحاول مقاربته في حديث آخر لاحق.
نقلا عن " القدس العربي " الاربعاء 3/3/2010