fb

صراع الأضداد على أرض العراق وضرورة إنضاج مشروع وطني عابر للطوائف

4 آذار (مارس) 2010 , بقلم عبداللطيف السعدون

المراقب للمشهد العراقي الراهن ينتابه القلق من احتمال تدهور الأوضاع لما هو أسوء ، خاصة وأن قوى دولية وإقليمية فتحت خزائنها أمام الكثير من رجال السياسة والإعلام في هذا البلد ، واستولدت كيانات لخوض الانتخابات ، وقبل ذلك كانت قد خلقت ، بقدرة الأموال التي ضختها ، أحزابا ومنظمات وصحفا وفضائيات ومواقع الكترونية ساهمت وتساهم عن قصد وسبق إصرار واضحين في تجذير " الفوضى الخلاقة " التي بشرت بها أبناء المنطقة السيئة الذكر كونداليزا رايس ، وتدمير أية محاولة لتأسيس مشروع وطني جامع وعابر للطوائف والاثنيات ، وللأسف فان قوى معروفة بعلمانيتها ووطنيتها وحتى بمقاومتها للعملية السياسية العرجاء التي شرعنها الاحتلال دخلت هذا " البازار " على قاعدة ما لا يدرك كله لا يترك جله " ، وجعلت المواطن الذي سحقته سنوات الاحتلال حائرا في ما يمكن أن يقيم حياته ويضمن مستقبله الذي أصبح في مهب الريح !

لا نقول هذا اعتباطا ، ولدينا أكثر من شاهد من أهلها ، فقد جاء على لسان أحد قياديي ما يسمى ب ( ائتلاف دولة القانون ) وهو حيدر العبادي في مقابلة له مع ( قناة العربية ) أن دولة أوروبية ( لم يسمها ) منحت الائتلاف ربع مليار دولار لتغطية حملته الانتخابية ، ولم يكشف لنا العبادي الدافع الذي جعل تلك الدولة الأوروبية تغدق بهذا الكرم الحاتمي لو لم يكن لها في اللعبة ألف ناقة وألف جمل !

كما قيل أن دولتين خليجيتين إحداهما كبرى والأخرى صغرى لم تترددا في تغطية الحملة الانتخابية للقائمة العراقية ربما بما يزيد على المبلغ الذي دفع ل ( ائتلاف دولة القانون ) ، أما ( الائتلاف العراقي الموحد ) فمعروف أن إيران تكفلت بتغطية حملته الانتخابية بكاملها والتي قدر معنيون تكلفتها الأولية بنصف مليار دولار !

وقالت مصادر بريطانية إن رئيس الوزراء المالكي أمر بصرف مئة وأربعين مليون دولار من المال العام إلى قائمة كردية منافسة للحزبين الكرديين المعروفين ، كما قالت قيادة القوات الأميركية في جنوب العراق أن أربعة ملايين دولار قد دخلت محافظتي ذي قار وميسان لأغراض انتخابية ( تبين فيما بعد أن الملايين الأربعة مزيفة ) !

وتردد أن تركيا دفعت مبالغ طائلة لقوائم محسوبة لها ولمرشحين محسوبين عليها ، ودعك عن القوائم الأصغر والأصغر التي ترضى بالقليل ، ودعك أيضا عن المرشحين الذين يقبلون بما يقيم أودهم وأود مناصريهم !

ولن ننسى الفضائيات والصحف والمواقع الإلكترونية ، والكتاب الذين كان بعضهم إلى ما قبل أسابيع يشتم الاحتلال والعملية السياسية ويصف المشاركين فيها بالعملاء واللصوص فإذا به اليوم ينقلب على قفاه ، و بلغت الوقاحة بموقع الكتروني معروف بكتاباته الفسيفسائية لأن ينشر صور ممثلي ائتلافات وتحالفات معينة داعيا الناخبين العراقيين لعدم التصويت لهم باعتبارهم رؤؤس الفساد والفتنة ، مهددا باستمرار حملته إلى يوم الانتخابات ، ثم يعود بعد أيام ليوقف حملته ويرفع صور " رؤؤس الفساد والفتنة " بعد أن اكتشف أنهم " وطنيون مخلصون وفاعلو خير " !

كل ذلك لم يعد سرا بل أصبح الحديث فيه علنا في كل مكان من العراق ، مما حدا بمسؤولين رسميين إلى محاولة النأي بأنفسهم وبالجهات التي يمثلونها عن تلك الفضائح ، من ذلك ما قاله علي الدباغ مستشار رئيس الوزراء من " أن هناك تجاذبات بين دول إقليمية ( لم يسمها ) لتشكيل الطبقة السياسية الحاكمة في العراق لرعاية مصالحها البعيدة عن مصالح شعبه ! " ، كما دفع بالعراقيين لأن يكونوا أكثر قلقا من تداعيات ما يجري ومضاعفاته يؤيد ذلك ما كشفه استطلاع نظمه " المركز الوطني العراقي للإعلام " والذي يرأسه أحد مستشاري رئيس الوزراء المالكي من أن 72 بالمئة من العراقيين الذين شملهم الاستطلاع أعربوا عن قلقهم من خطورة تمويل الحملات الانتخابية من الخارج ، حيث تكون مصادر التمويل مشكوكا في أهدافها !

ومما يزيد الطين بلة ويحفر عمقا في مجرى عملية " الفوضى الخلاقة " التي أشرنا إليها أن جناحا في فصيل سياسي ذي تأثير فاعل على مجرى الأحداث كان إلى وقت قريب رافضا للعملية السياسية على نحو مطلق ، نجده يراجع موقفه فجأة ليقرر دخول العملية السياسية من الشباك ، حيث أكد الناطق الرسمي باسمه " دعم كل من يريد أن يدخل العملية السياسية ويقاوم الاحتلال سياسيا " وقد أورد الناطق اسمي أياد علاوي وصالح المطلك كمثال على ذلك ، وهو قرار بدا غريبا لنا ، ولكل الذين يتمنون أن لا تخضع القوى الوطنية المعارضة قراراتها للمزاجية والمنافع الآنية بحجة أو بأخرى ، كي لا تتداخل الخنادق للدرجة التي يصعب فيها على المواطن المقهور أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود !

وإذا كان الدخول للعملية السياسية مقبولا باعتباره موقفا تكتيكيا فقد كان الأجدر بهذا الفصيل أن يناقش ذلك مع من يفترض أن يكونوا حلفاء طبيعيين له من قوى المقاومة والصمود كي يصل الجميع إلى إنضاج عملية سياسية وطنية بديلة تنطلق من إستراتيجية واضحة ، وتسعى لإطلاق مشروع وطني جامع وعابر للطوائف يتكفل بطرح البدائل والتعامل مع المتغيرات على نحو سليم . وهو ما دعا إليه العديد من الحريصين على مستقبل العراق وشعبه ، وأكده كاتب هذه السطور في أكثر من مقام ومقال .

نحن إذن أمام ظاهرة خطيرة ليست في جوانبها السياسية فحسب وإنما في جوانبها الأخلاقية أيضا ، وهي ظاهرة قد تعيد " المسألة العراقية " إلى المربع الأول خاصة وأن هناك الكثير من الإشكاليات مابزال ماثلا للعيان لعل أبرزها عدم إقرار الولايات المتحدة بفشل مشروعها " الديمقراطي " في العراق ، واستمرار هيمنة الرؤى الطائفية والاثنية لدى معظم أطراف العمل السياسي ، وبينها أطراف " معارضة " وحتى " مقاومة " ، وضمور الخطاب العلماني والحداثي لدى قوى وفصائل وطنية وركوبها موجة الخطاب السلفي الأصولي ، وكذلك نشوء مراكز قوى ومافيات تدعمها وتغذيها دول وأجهزة مخابرات خارجية وبروز صراع أضداد على الأرض العراقية يضاعف من حدة الحالة الماثلة وتداعياتها السلبية .

وإذا ما أضفنا إلى كل ذلك فشل " المقاومة المسلحة " و " المقاومة السياسية " معا في سعيهما لبلورة قيادة موحدة تتجاوز حساسيات الماضي وادعاءات " التمثيل الشرعي والوحيد " وتتخطى منطق الطائفة والعشيرة و" من سبق من ؟ " ، وانعكاس ذلك على أدائها وفاعليتها في مواجهة الاحتلال أدركنا حجم الكارثة التي تحيق بالبلاد وبالعباد أيضا . إن إطلاق مشروع وطني جامع وعابر للطوائف والاثنيات يظل في هذه المرحلة الأمر الأكثر أهمية ، بل انه يشكل ضرورة قصوى ، وواجب كل الأطراف والحركات المقاومة والمعارضة التصدي لهذه المهمة والسعي لإنضاج مشروع كهذا وبلورته وإيجاد المنابر التي تدعو إليه سياسيا وفكريا .

صحيح أنها مهمة صعبة ومعقدة لكن الطريق إلى روما يبدأ بخطوة ، وعلينا أن نضع أقدامنا معا على هذا الطريق !

fb