الـعـراق الكبــيـــــر، العـــــــــراق الخطيـــــر مرجعية النجف، النفط، رئاسة الوزراء
5 آذار (مارس) 2010 , بقلم جهاد الزين
بسبب سوق النفط العراقي الواعد، والخطة البادئة الطموحة على مدى سنوات قليلة لجعل الإنتاج اليومي يصل الى اثني عشر مليون برميل يوميا، لا شك ان لصوص العراق ينتظرهم مستقبل جيد. لكن بالمقابل، وللسبب نفسه، قد يكون امام فئات كبيرة من الشعب العراقي مستقبل جيد جداً ايضاً اذا توفرت آلية سياسية وأمنية ليس فقط لاستقرار النظام الجديد وإنما آلية اقل فساداً زبائنياً مما ظهر في بغداد بعد العام 2003، تلت عقوداً من استفراد طغمة وحشية بالسلطة والنهب الذي لا يستطيع أحد أن يحاسب عليه. على الأقل الآن أصبحت المحاسبة ممكنة ولو جزئياً رغم القصور الهائل، بل الفضائحي في هذا المجال.
أنظار العالم والمنطقة تتجه الى العراق هذا الاسبوع ليس بسبب النفط وإنما بسبب الإنتخابات المفترض أن تجري يوم الاحد المقبل والتي سيتقرر على أساسها من سيتولى رئاسة الوزراء، المركز الأهم في الدولة العراقية الجديدة... مع هذا فان النفط بذاته يمنح أهمية استراتيجية فائقة للنظام الجديد تتجاوز تأثيراته الوضع الداخلي.
الإستنتاج الاول، الذي يسبق كل إستنتاج آخر، والذي يمكن الانطلاق منه على ضوء وجود خطة الإنتاج النفطي هذه، هو ان العراق ليس مرشحاً قطعاً للدخول في النسيان الاقليمي والدولي بعد الانسحاب الاميركي العسكري منه في الصيف المقبل، بل على العكس سينتقل الصراع (او الوفاق) عليه الى مرحلة جديدة دولياً واقليمياً.
فـ 12 مليون برميل نفط يومياً، أي ما يتجاوز الانتاج النفطي السعودي الحالي وهو الأضخم داخل منطمة "أوبك" بحوالي ثلاثة ملايين برميل، ستكون له آثاره التدريجية على الدوائر الاقليمية والعربية والدولية البالغة الخطورة. (الانتاج العراقي الحالي 2,5 ملايين برميل والسعودي بين 9 الى 9.5 مليون برميل يومياً).
معظم شركات النفط الغربية الكبرى دخل في مفاوضات وبعضها في اتفاقات مع الحكومة العراقية مؤخراً عبر وزير النفط الكفوء جداً حسين الشهرستاني: "البريتش بتروليوم" البريطانية، ال"إكسون موبيل" الاميركية، ال"رويال داتش" الهولندية. ايضا "اللاك اويل" الروسية و"التشاينا ناشيونال بتروليوم" الصينية (أين "التوتال" الفرنسية؟ قياساً على غياب اسم هذه الشركة في تقرير "الايكونومست" في 18 شباط المنصرم).
أسئلة استراتيجية تفرضها الخطة العراقية تتجاوز المجال النفطي نفسه أو تختلط به: فأي نوع من التنافس الضمني سيبدأ بين العراق والسعودية داخل "الأوبك" وهما البلدان – النظامان اللذان لم يدخلا أصلا بعد 2003 حتى اليوم في علاقات "طبيعية" إذا لم نقل أكثر من ذلك، فكيف بالحساسيات الدقيقة الاخرى في نظام اقليمي عربي جديد لم يتشكل بعد منذ انتهاء السابق مع سقوط صدام حسين عام 2003؟
ماذا أيضا عن "التنافس" التلقائي مع ايران الذي سيحدثه احتمال العودة القوية للنفط العراقي في السوق العالمي. فحتى بالنسبة لايران الجمهورية الاسلامية التي ستكون علاقاتها بل نفوذها داخل العراق معطى ثابتاً بل راسخاً منذ ما بعد 2003، فان انتاجاً نفطياً عراقياً كبيراً سيؤدي الى قدر جدي من تضارب المصالح حتى بين دولتين صديقتين. فالسياسة النفطية الايرانية تقوم تقليديا منذ عهد الامام الخميني بالتركيز على معادلة: "انتاج أقل، أسعار أعلى". في حين ان الخطة العراقية المشار اليها تركز اساساً على الزيادة الكمية (دون ان يعني ذلك طبعاً اهمال السعر!).
سؤال آخر تنشغل به القوى الغربية وهو مدى تأثير احتمال تخفيف الصين إعتمادها على النفط الايراني على مواقفها الرافضة لأي تصعيد نوعي في العقوبات الاميركية على ايران؟
• • •
هذا هو العراق... خطير التأثير أيا تكن ملفاته: في النفط وهو في تاريخ الشرق الاوسط أساسي في اللعبة النفطية الكبرى منذ اكتشاف أول بئر منتج للنفط في خوزستان الايرانية المحاذية لمنطقة البصرة وذات الأغلبية الاثنية العربية (مع اسمها "العروبي": عربستان). خطير في ولادة اول نظام سياسي عربي بعد 2003 تتحول فيه الأكثرية الشيعية الاثنا عشرية الى الموقع الاول في السلطة السياسية المركزية في بغداد. كان اليمن الشمالي الدولة العربية الشيعية الوحيدة في عهد الائمة آل حميد الدين (الشيعية الزيدية). لكن الدولة الوحيدة في العالم منذ قرون التي يمكن اعتبارها دولة شيعية قلبا وقالبا ايا يكن نظامها السياسي هي ايران تأتي بعدها اذربيجان كدولة ذات اكثرية شيعية تقليدية، اما العراق الجديد، فهو ليس اليوم "دولة شيعية" ولن يكون كذلك في اي يوم في حدوده الحالية، انما التطور غير المسبوق الذي حصل هو في نشوء نظام سياسي تحتل فيه التعبيرات السياسية الشيعية المركز الاول في القرار السلطوي مثلما كان وضع "المارونية السياسية" في لبنان قبل اتفاق الطائف مع فارق ان الأفق الديموغرافي لـ"الاولوية المارونية" في الدولة اللبنانية منذ تأسيسها عام 1920 (تاريخ تأسيس الكيانات العراقي والاردني لا السوري!) أصبح أفقاً مغلقاً فتراجع من أكثرية مسيحية راجحة الى أقلية كبيرة في حين أن الأفق الديموغرافي لشيعة العراق مفتوح على أكثرية متزايدة على الارجح. وهذا وجه للتشابه بين المجموعتين لا يعني تعميمه على الوجوه الأخرى المختلفة كثيراً.
لكن الخصوصية المميزة التي حملها معه هذا الوضع العراقي الجديد بعد 2003 وأثبتت أهميتها الفائقة، بل فرادتها الفائقة هي دور "المرجعية الدينية العليا" للمسلمين الشيعة في العالم الموجودة دائماً في مدينة النجف. فهذا الدور يظهر أكثر فأكثر انه يمثل نقطة الاتزان الخلفية العميقة للدولة العراقية الجديدة لا نقطة الخلل فيها كما اعتقد البعض في البداية. دور مدهش في الشعار - البرنامج الاساسي الذي يتجسد عبره: إنه "فصل الدين عن الدولة". نحن هنا أمام مفارقة مهمة للعراق الآتي: مرجعية دينية في بعدها السياسي الوطني (أي العراق) تلعب دورها كصمام أمان للتوازن العام للدولة العراقية الجديدة... توازن الميزان الجماعي للنظام الجديد. لكن نحن هنا لسنا أمام "نظام ديني" كما في ايران ولاية الفقيه. وإنما العكس في نظام فصل الدين عن الدولة، معضلته، مثل لبنان، ليست دينية وإنما في مدى مقدرته على استقرار العلاقات الطائفية مضافاً اليها بالاختلاف عن لبنان العلاقات القومية.
كل هذا التوصيف لا يصح بدون الممارسة التي قدمها في السنوات الماضية المرجع الأكبر للشيعة السيد علي السيستاني. وهو أكملها في العام المنصرم كأحد التعبيرات عن نمط بعيد النظر في "إدارة" ليس الدولة وإنما أسس التوازن الوطني للنظام، بإصراره - أي السيد السيستاني - على آلية "القائمة المفتوحة" للانتخابات التي بمجرد إقرارها فرضت نمطاً قائماً على التنوع كضرورة في التحالفات كما في النتائج، داخل الأكثرية الشيعية وداخل المكونات الاخرى. قبل ذلك الشواهد كثيرة على الاتزان الدقيق و"الرؤيوي" لهذه المرجعية: رفض استقبال أي مسؤول أميركي مباشرة في الوقت الذي لم يكن ممكناً فيه لكل النظام الجديد أن ينشأ عام 2003 بدون الدور العسكري الاميركي. أو كيفية إصرار السيد السيستاني في السنتين الاوليين على أولوية الاستفتاء على الدستور العراقي في مرحلة كان عديدون يخلطون فيها الأولويات في معرفة الضرورة الشعبية الحاسمة لشرعية النظام.
مرجعية دينية من مدرسة فصل الدين عن الدولة في نهاية المطاف، في زمن سيطرة الأصوليات على المنطقة. هذه هي المساهمة المهمة التي يمكن للتجربة العراقية الجديدة أن تقدمها إذا نجت من مخاطر الضغطين الأمني والانفصالي (الكردي). لهذا يمكن للانتخابات المقبلة يوم الاحد إذا حصلت على صدقيتها الكافية في آلية الاقتراع والنتائج أن تكون المعبر المشروع والمؤثر في المحيط العربي لمركز الثقل الأهم في الدولة العراقية الجديدة، تبعا لميزان الصلاحيات التي أرساها الدستور: مركز رئيس الوزراء رغم أهمية مجلس الرئاسة "الاعتراضية"... دون الحاجة الى الحديث عن البرلمان لأن أكثريته أصلاً هي التي تقرر رئاسة الوزراء والوزراء.
العراق الكبير... حجما في مستقبله ما بعد الانتقالي. العراق الخطير تأثيراً على نسيج المنطقة وجغرافيتها وثقافتها السياسيتين... وعلى اقتصاد هذه المنطقة الأخطر: النفط. العراق إذن مرة أخرى في اقانيم صيغته الأهم: المرجعية، النفط، الحكومة. جهاد الزين alkadaya@hotmail.com