لماذا يتجسّس عربٌ لمصلحة اسرائيل؟
8 آذار (مارس) 2010 , بقلم محمد السمّاكالمستقبل - الاثنين 8 آذار 2010 - العدد 3588 - رأي و فكر - صفحة 19
لا يوجد شعب تعرّض للاضطهاد والتشريد والتعذيب على يد شعب آخر، كما تعرّض الشعب الفلسطيني على يد الشعب الاسرائيلي، ومع ذلك تكشف الوقائع عن وجود عملاء فلسطينيين يعملون لمصلحة المخابرات الاسرائيلية؛ وقد أعلنت دبي رسمياً عن مشاركة ثلاثة فلسطينيين في المؤامرة التي نفذت لاغتيال احد قادة حركة حماس المرحوم محمود المبحوح. بل ان احد أبناء قادة المقاومة الفلسطينية ذهب الى أبعد من ذلك عندما عمل لعقد كامل (عشر سنوات) مخبراً لدى جهاز الشين بيت ضد أبناء جلدته وضد قضيته الوطنية. وهم لم يكتفِ بذلك بل ارتدّ عن دينه مما يعكس عمق خروجه عن الجماعة الوطنية والارتماء في أحضان العدو الاسرائيلي. وقد بلغ من الجرأة حدّ الظهور على شاشة سي.أن.أن. الأميركية ليبرّر خيانته الوطنية وارتداده الديني بشكل مقزز للنفس. فكيف يمكن تفسير هذه الظاهرة؟.
كذلك لا توجد دولة تعرّضت للاعتداءات والحروب والاحتلالات على يد دولة اخرى كما تعرّض لبنان على يد اسرائيل. ومع ذلك تكشف الوقائع عن وجود شبكات تجسس مؤلفة من عناصر لبنانية وتعمل في العمق اللبناني لمصلحة المخابرات الاسرائيلية. وقد شارك اعضاء من هذه الشبكات في عمليات اغتيال قيادات وعناصر وطنية لبنانية وفلسطينية. بل ان احد عناصر هذه الشبكات المرتبطة مباشرة بجهاز الموساد الاسرائيلي كان ضابطاً في الجيش اللبناني نفسه الذي قدّم العديد من الشهداء في مواجهة اسرائيل والتصدي لاعتداءاتها. فكيف نفسّر هذه الظاهرة ايضاً؟.
من المتعارف عليه أن العمل الاستخباراتي لا يقف عند حدود القيم ولا يحسب للأخلاق أي حساب. فالمهم هو الوصول الى الهدف. ومن المتعارف عليه ايضاً ان العميل يؤدي خدماته للجهاز التابع له بولاء مطلق. والولاء الذي يتجاوز القيم والأخلاق، يقوم على قاعدة الايمان المشترك بقضية واحدة أو بمصلحة واحدة.
وعندما يستقطب جهاز الشين بيت وجهاز الموساد الاسرائيلي عملاء من فلسطين المحتلة أو من لبنان، فان السؤال الذي يفرض نفسه هو ما هي القضية الواحدة وما هي المصحلة المشتركة التي يلتقي عليها العملاء العرب مع الجهاز الاسرائيلي؟.
تبين التحقيقات التي أجرتها السلطات اللبنانية مع العملاء المعتقلين ان جهاز الموساد كان يغدق على عملائه اموالاً طائلة كانت تسجل باسمائهم في مصارف أجنبية. فالعلاقة بين العميل المجنّد وجهاز المخابرات هي علاقة مصالح: المعلومات مقابل الأموال. وهذا يعني ان العميل يقدم خدمات للعدو، بما فيها ارتكاب جرائم الاغتيال، أو نسف مواقع، أو جمع معلومات، مقابل حفنة من الدولارات. وهذا نوع من الخيانة الوطنية، خاصة وان اسرائيل ليست الأرجنتين ولا استراليا، ولكنها عدو يحتلّ جزءاً من الأرض اللبنانية، وسبق لهذا العدو أن ارتكب في لبنان سلسلة من الجرائم الجماعية.
وأثناء الاحتلال الاسرائيلي للجنوب اللبناني بين عامي 1978 و 2000، زرع الاسرائيليون في المنطقة عملاء كثيرين برّروا تعاونهم معه بأنهم كانوا في ذلك يعبّرون عن رفضهم لهيمنة جماعة سياسية يعارضونها أو كانوا يخضعون للأمر الواقع الاحتلالي بعد انسحاب الدولة اللبنانية من المنطقة المحتلة.
ولذلك فان المحاكم اللبنانية أصدرت أحكاماً تخفيفية بحق بعض هؤلاء العملاء الذين اعترفوا وندموا.. بعد انسحاب اسرائيل أو حتى بعد عودتهم منها.
لقد شبّه الضابط السابق سعد حداد، ومن بعده الضابط السابق انطوان لحد، التعاون مع الاحتلال الاسرائيلي بتعاون جنرالات حكومة فيشي في فرنسا مع الاحتلال النازي، أي لإنقاذ ما يمكن انقاذه من السيادة الفرنسية. غير ان جنرالات فيشي اتهموا بعد عملية التحرير التي قادها الجنرال شارل ديغول بالخيانة وحوكموا أو حكم عليهم بهذه التهمة. اما سعد حداد فقد قضى بمرض عضال. واما انطوان لحد فقد اعتزل الحياة العامة وافتتح مطعماً في اسرائيل.. وتفرّغ لكتابة مذكراته عن تلك الحقبة السوداء من تاريخ عمالته للعدو.
لقد تغيّر الوضع الآن بصورة كاملة. فالدولة اللبنانية استعادت سيادتها على الجنوب كاملاً، وبدلاً من القوات الاسرائيلية توجد قوات دولية يونيفيل داعمة لقوات الدولة اللبنانية. الا ان ذلك لم يؤدِ الى تصفية جيوب العمالة لاسرائيل.
فقد نجحت الأجهزة اللبنانية باكتشاف شبكات عديدة تعمل لمصحلة العدو وتنتشر في العديد من المناطق اللبنانية وليس في الجنوب وحده. الامر الذي يرسم علامة استفهام كبيرة حول ما اذا كانت العطاءات المالية التي تقدمها اسرائيل لهم توفّر لهم الشجاعة الكافية لطعن وطنهم في ظهره!!.
ورغم بشاعة هذه الصورة، فان صورة اللاجئ الفلسطيني الذي يعمل لحساب مخابرات "الشين بيت" و "الشاباك" الاسرائيلية هي أشدّ بشاعة، على النحو الذي كشفته قضية مشاركة ثلاثة فلسطينيين في اغتيال المرحوم محمود المبحوح في دبي، أو مشاركة لاجئ فلسطيني في الكشف عن العمليات التي كان يعدّها مقاومون فلسطينيون ضد الاحتلال الاسرائلي في الضفة الغربية، قبل تنفيذها. وقد أدّت تلك الخيانة ليس فقط الى تعطيل العمليات الفدائية، انما أدّت كذلك الى تمكين القوات الاسرائيلية من اعتقال المقاومين والزجّ بهم في غياهب السجون حيث تلقوا أشدّ أنواع التعذيب، بمن فيهم والد العميل نفسه!!.
وامعاناً في التشهير بالمقاومة الفلسطينية، فان اسرائيل تعمّدت نشر مذكرات عميلها اللاجئ الفلسطيني الذي وظّفته طويلاً.. قبل ان تنقله الى الولايات المتحدة للاقامة تحت اسم مستعار وتحت حماية صهيونية أميركية، مكافأة له على خيانته لقضيته الوطنية و على وفائه للعدو الذي يفتك بأهله وببني قومه!!.
ان الخيانة الوطنية من أجل تحقيق مكاسب مادية جريمة لا تغتفر. فكيف اذا كانت الخيانة تعبيراً عن الولاء للمحتلّ المغتصب، وللعدو القاتل؟. وكيف اذا كان فعل الخيانة يتطلّب تنفيذ عمليات تستهدف وطنيين مناضلين، مثل محمود المبحوح في دبي.. أو الأخوين المغربي في صيدا؟.
لقد أعربت بريطانيا وفرنسا وايرلندة واستراليا عن الاستياء الشديد بسبب استخدام عملاء المخابرات الاسرائيلية جوازات سفر صادرة عنها لتنفيذ جريمة اغتيال المبحوح في دبي.. فكيف يفترض أن يكون ردّ فعل الفلسطينيين ازاء مشاركة ثلاثة عملاء من أبناء جلدتهم في ارتكاب هذه الجريمة النكراء؟.
على أن السؤال الأهم هو:
لماذا تستطيع اسرائيل أن تخترق المجتمع العربي وخاصة عبر لبنان وفلسطن وهما الأكثر تعرّضاً للعدوان الاسرائيلي المستمر حيث تجد عملاء يعملون لمصلحة أجهزتها الاستخباراتية.. ولا تستطيع الدول العربية اختراق المجتمع الاسرائيلي لتوظيف عملاء يعملون لمصلحة أجهزة الاستخبارات العربية؟.
هل ان المجتمع الاسرائيلي القائم على الاغتصاب والارهاب محصن ضد الاختراق.. وان المجتمع العربي الذي يعاني من العدوان والاحتلال، فاقد للحصانة؟. هل ان قوة الولاء للدولة (حتى ولو كانت دولة مغتصِبة) يشكل جدار الحصانة الذي تتمتع به؟.. وبالتالي، هل ان ضعف الولاء للدولة، (حتى ولو كانت على حق) يشكل الثغرة التي تسهل للعدو عملية التسلل؟.
تفرض هذه الأسئلة ذاتها لمعالجة ظاهرة انتشار العملاء في بعض المجتمعات العربية الذين يخدمون مصالح العدو الاسرائيلي.. والذين يرتكبون باسمه جرائم القتل والاغتيال نيابة عنه. فهل من دراسة تجيب على هذه الأسئلة؟.