fb

الانتخابات العراقية: النتائج والسيناريوهات المحتملة

15 نيسان (أبريل) 2014 , بقلم علاء اللامي

غابت البرامج السياسية والاجتماعية والاقتصادية عن الحملة الانتخابية التشريعية العراقية وكثرت الشعارات واللافتات والملصقات وصور المرشحين! ذلك هو الانطباع الأول الذي يسجله الراصد قبل موعد الاستحقاق الانتخابي التشريعي العراقي بأقل من شهر. الانطباعات الأخرى لا تقل إشكالية، ومنها أن القوائم الانتخابية الكبرى التي خاضت الاستحقاق الانتخابي التشريعي السابق تفككت وانقسمت على نفسها، ونزلت في هذه الانتخابات كقوى صغيرة، ولم يسلم من هذا التفتت حتى ائتلاف رئيس الوزراء "دولة القانون" الذي، وإن حافظ على جسمه الرئيس، ولكن أكثر من قائمة صغيرة خرجت منه لتجرب حظها في "العزف المنفرد" على الصندوق الانتخابي. غير أن هذا التفتت لا يعول عليه في الخروج باستنتاجات مهمة وعميقة لأنه تفتت مقصود ومصطنع وليس حقيقيا. إنه انفصال طوعي لأجزاء من الكتل الكبيرة لتخوض الانتخابات بشكل مستقل شكليا أملته طريقة احتساب الأصوات وفق ما سمي "سانت ليغو المعرّقة" وليست المعدلة لأن المعدلة العالمية تختلف كثيرا عن المعدلة العراقية والتي تعطي فرصا أكبر للقوائم والقوى الصغيرة للفوز بفائض الأصوات وفق طريقة حسابية معقدة تختلف عن الطريقة السابقة التي كانت تقسم فائض الأصوات على أقوى الفائزين وليس على أقوى الخاسرين، ولكن التعديل الجديد حدَّ كثيرا من إمكانية استفادة القوائم الصغيرة.

هذا التطور يعني أن الكتل الكبرى التي انقسمت أو تفتت ستعود لتلتئم بمجرد إعلان النتائج الانتخابية وفق ولاءاتها الطائفية والعرقية أولا، واصطفافاتها المستقبلية ثانيا. ومع ذلك فقائمة "دولة القانون" بقيت كأكبر ائتلاف انتخابي، وكذلك بقيَ التحالف الكردستاني كما كان رغم أنه سيدخل في تنافس حاد مع قائمة حركة التغيير "كوران"، رغم ضمور قوة حزب طالباني إلى درجة التلاشي في الانتخابات المحلية الأخيرة، وهذا العامل أو التطور ليس جديدا تماما.

ومع ذلك فإن المواجهة هذه المرة لن تخرج عن المضمون "السياجتماعي" للمواجهة الانتخابية السابقة، فهي – من حيث المبدأ والسياق – ستكون مواجهة بين قوتين تقليديتين: الأولى، هي التحالف الشيعي "الوطني" بقيادة وهيمنة "دولة القانون" والتحالف السني "العراقية في طورها الجديد المنقسم" ويبقى التحالف الكردستاني كبيضة القبان.

ومع أن البرامج السياسية الحقيقية قد غابت كما قلنا، ولكن الشعارات الرئيسية المعلنة تقول الكثير. فدولة القانون رفعت شعارها الرئيسي الهادف لتشكيل حكومة غالبية سياسية تنهي فترة حكومات المحاصصة الطائفية تحت مسمى لا علاقة له بها هو "المشاركة الوطنية".

إن بلوغ مرحلة التنافس للفوز بتشكيل حكومة أغلبية سيشكل، مظهريا على الأقل، خطوة إلى الأمام في تطور الوضع السياسي والاجتماعي في العراق، لكنها ستكون أيضا خطوة خطرة وصعبة التحقيق والتداعيات. إضافة إلى أنها ستكون مشروطة بجملة عوامل وموازنات لعل من أهمها النتائج النهائية التي ستتمخض عنها معبرا عنها بعدد المقاعد للأطراف المتنافسة. لهذا ستكون مرحلة ما بعد الانتخابات أكثر صعوبة وتعقيدا من مرحلة ما قبلها. من أسباب ذلك أن النتائج لن تكون حاسمة، ولن تعطي أغلبية واضحة لطرف قوي واحد، كما ترجح أغلب التوقعات، وربما سيدخل الوضع العراقي بسبب ذلك مرحلة طويلة من الصراع والمنافسة ما يؤدي إلى تطويل فترة التكليف وبقاء حكومة المالكي الحالية كحكومة تصريف أعمال، وهذا الواقع سيفرز حالة أكثر صعوبة على الصعيد الأمني والسياسي والاقتصادي. وعلى هذا، فإن من الممكن أن يتطور الصراع السياسي خطوة إلى الأمام إذا كانت نتائج الانتخابات قريبة من الحسم، ويمكن أن نستشرف انبعاثا لتحالف "أربيل النجف" (يضم القوى الكردية والسنية وتيار الصدر الشيعي التي تحالفت قبل بضعة أشهر لحجب الثقة عن حكومة المالكي وفشلت في ذلك) إلى الوجود والنشاط في مواجهة دولة القانون وبعض الفصائل السنية المعتدلة إذا نجحت بإحراز نتائج جيدة أو حتى متوسطة غير أن هذا ليس سهلا، ولعله لا يقل صعوبة عن فوز تحالف أربيل النجف بتشكيل حكومة أغلبية سياسية.

في كلا الحالتين، وسواء فاز تحالف "أربيل النجف" بالأغلبية السياسية وشكل الحكومة "حكومة أغلبية سياسية" أو حدث العكس وتمكن المالكي وتحالفه من القيام بذلك، فإن الصراع سيكون قد خرج من بدائيته الطائفية ليكون على المستوى العراقي ولا أقول "الوطني" فقد يكون هذا التوصيف مبكرا.. ولكن ذلك على خطورته يشكل خطوة على طريق فرض التراجع على القوى الطائفية التقليدية، وربما سنشهد تبخر وتلاشي بعض القوى السياسية وفي مقدمتها حركة إياد علاوي والفضيلة والنجيفي في الأنبار وليس في الموصل. غير أن هذا لا يعني نهايةنهاية حكم المحاصصة الطائفية أو وقف مفاعيل الاستقطاب الطائفي في المجتمع والسياسة ولكنه سيجعله أكثر وضوحا وسيجعل، وهذا مهم جدا، خصومه أكثر وضوحا أيضا.

التحليل السالف يتفق في العمق مع وجهة نظر يكاد يتشكل عليها شبه إجماع بين المحللين والمهتمين بالشأن العراقي ومفادها أن هذه الانتخابات سترتبط باسم رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي شكلا ومحتوى. أي إنها ستكون انتخابات بقاء أو إزاحة المالكي، وستكون من حيث هدفها وشعاراتها انتخابات تغيير وجوه لا تغيير مضامين وتأسيس برامج وسياسات تنحو منحىً تغييرياً، فالمحاصصة الطائفية ودستورها ليس موضع خلاف أو جدال بين الفرقاء المتنافسين. غير أن مشكلة هذا التحليل والرؤية التي ينطلق منها ليست في سعة انتشاره ومنطقيته الشكلانية، وهما أكيدان، بل في خلوه تماما من المضمون البرنامجي الخاص بمرحلة ما بعد الانتخابات، فما الذي يجمع خصوم المالكي غير هدف إسقاط خصمهم؟ لا شيء أبدا! بل أنهم يفتقرون لأدنى درجات التوافق والانسجام الإعلامي، مضاف إلى هذا أنهم لا يختلفون من حيث الجوهر الاجتماعي عن المالكي أو ائتلافه "دولة القانون" فهم جميعا ركاب الزورق ذاته والشركاء في تصميمه وصنعه والتنعم بمغانمه السلطوية.

ومع ذلك وتعميقا للنقاش سنحاول تفحص الوضع الراهن للجهتين، المالكي وائتلافه من جهة وتحالف أربيل النجف من جهة مقابلة، عبر القيام بعملية تحليل حساب نقط الضعف والقوة. ولنبدأ بالمالكي وائتلافه، فعلى صعيد نقاط الضعف نسجل:

- أصبح المالكي الرمزَ الحكومي أكثر مقتاً وكرهاً وخصوصا لدى الجماهير المسيسة والمعبأة طائفيا وعرقيا في المناطق الغربية والشمالية وفي مدن الإقليم الكبرى وأيضا لدى محازبي وأتباع تيار مقتدى الصدر لأسباب عديدة تتصل بمسؤوليته عن عمل الحكومة وفضائح الفساد التي كان بعض "أبطالها" من الوزراء والشخصيات الحكومية المقربة منه والتي أفلتت من العقاب والمحاسبة.

- فشله في فك الحصار الإقليمي حول حكومته من قبل السعودية وتركيا خصوصا، رغم ما تحقق على صعيد إخراج العراق من وصاية الباب السابع عموما، وتبعيته أو لنقل خضوعه للإملاءات الإيرانية ورفضه الوقوف ضد تدخل إيران السافر في الشأن العراقي.

- الاضطراب الكبير الذي طبع قيادة المالكي للحكومة وتقلباته الحادة في نسج وإدارة العلاقات مع حلفائه القريبين والبعيدين ومع خصومه، إضافة إلى تماديه في التعبير العملي عن نزعته للتفرد في قيادة مؤسسات الحكومة والوزارات وفي تصريحات غير موفقة تبدر منه بين فترة وأخرى.

- فشله في فك الحصار الإقليمي حول حكومته من قبل السعودية وتركيا خصوصا رغم ما تحقق على صعيد إخراج العراق من وصاية الباب السابع لميثاق الأمم المتحدة عموما، وتبعيته أو لنقل خضوعه للإملاءات الإيرانية ورفضه الوقوف ضد تدخل إيران السافر في الشأن العراقي.

- تفاقم الاستقطاب الطائفي وتصاعد أصوات التحريميين والتكفيريين من الإسلاميين الشيعة وتسهيل مهمتهم من قبل المالكي نفسه في استهداف القوانين والمؤسسات الجمهورية المعتدلة وخصوصا ترخيصه لقانون الشمري للأحوال الشخصية الجعفرية، وإضافة إلى التصرفات والتصريحات المتشنجة لدى بعض صقور حزب الدعوة ذوي الميول الطائفية كعلي الأديب، واستمرار تبنيه لأسماء لا تتمتع بقبول شعبي كموفق الربيعي الذي كان مقربا جدا من بول بريمر ووزير الدفاع الأميركي رامسفيلد.

هذا بخصوص سيئات ونقاط ضعف المالكي، وللاستمرار في مقاربة ما يمكن تشبيهه بتحليل حساب الكميات نذكر الآن عددا من نقاط القوة والإنجازات التي يمكن للمالكي أن يسجلها لصالحه، بصرف النظر عن كونها مشروعة أو غير مشروعة، فليس القصد الخروج بإدانة أو تمجيد لأحد، بل القصد هو محاولة فهم الوقائع والحقائق خصوصا وأن القوم "المالكي وخصومه الانتخابيين" من طينة واحدة تمهيدا لإدانة اللعبة كلها والمطالبة بإنهائها، يمكن تسجيلتسجيل الآتي:
- نجاحه في عملية إخراج قوات الاحتلال وفق معاهدة معلنة بسلاسة وبشروط لم تكن كلها أو أغلبها لصالح دولة الاحتلال، رغم الرفض القوي لانسحاب المحتلين من قبل القيادات الكردية جمعاء ومطالبة بعضها باستمرار بقاء قوات الاحتلال لعشرين سنة أخرى بحجة عدم اكتمال بناء القوات المسلحة العراقية وبعض الزعامات السنية وفي مقدمتها طارق الهاشمي بحجة الخوف من انفراد الشيعة بحكم البلد.

- إخراجه العراق من سنوات التقاتل الطائفي "2006 وما بعدها" وانتهاء ظاهرة الجثث المجهولة وانقطاع الصلة جغرافيا وإداريا بين العاصمة ومحافظات العراق وحتى بين أحياء العاصمة بغداد ذاتها وإعادة سيطرة الدولة على الأرض مع استمرار حدوث الخروقات الأمنية الكبيرة وتوجيه ضربات قوية للمليشيات الشيعة في الجنوب وبغداد.

- تحقيق استقرار ملحوظ في الملف الاقتصادي والقدرة الشرائية للدينار العراقي وتقدم كبير في الملف الكهربائي كاد ينهي هذه المشكلة المزمنة تماما في الأشهر الأخيرة رغم الثمن الباهظ الذي دفعه الاقتصاد العراقي لقاء ذلك، وتحقيق تقدم في إنتاجإنتاج وتسويق النفط ورفض أية مساومة على قضية السيادة الاتحادية على ملف استخراج وتصدير النفط من الإقليم الكردي.

- ومن نقاط القوة لدى المالكي "وائتلافه" سيطرته على أجهزة حكومية وقضائية مهمة تمكنه من خوض الاستحقاق الانتخابي بشكل مريح إضافة إلى إمكانية استثماره للوفرة المالية "من المال العام" لأغراض انتخابية.

- المالكي وائتلافه ضمنا مسبقا ما يقرب من مليون صوت في التصويت الخاص بأفراد القوات الأمنية من الجيش والشرطة عبر استخدام موقعه كقائد عام للقوات المسلحة كما يتهمه خصومه.

- يقف خلف المالكي جيش جرار من المنتفعين والمتمتعين بمخصصات مالية وامتيازات جيدة تحت عناوين عديدة إضافة إلى بضعة آلاف من المديرين والمديرين العامين وكل هؤلاء يتحولون في حملات الانتخابات إلى جيش من الناشطين من أجل الحفاظ على امتيازاتهم وبقاء زعيمهم.

- يتمتع ائتلاف المالكي بشبكة واسعة من التنظيمات والمليشيات النائمة "قوات الإسناد وغيرها" توفر له زخما جماهيريا في حاضنته الطائفية في الجنوب والوسط.

ننتقل الآن إلى ملفات خصوم المالكي في "تحالف أربيل النجف" ونتفحص أولا نقاط ضعفهم:
- التشتت وانعدام أي رؤية أو برنامج سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي.

- تبعية بعض أطراف هذا التحالف لإيران أو تركيا لا تقل عن تبعية بعض الأحزاب الإسلامية الشيعية لإيران وخصوصا من "الكردستاني" فإيران تتدخل علنا حتى في تركيبة قيادة حزب طالباني مثلا وفي قضية وراثة زعامته للحزب.

- تورط قادة ورموز من هذا المعسكر في فضائح فساد مالي وإداري أو في أعمال إجرامية مسلحة ضد الدولة والمجتمع.

- رفض أطراف من هذا المعسكر انسحاب قوات الاحتلال الأميركي لأسباب طائفية وقومية كما فعل زعماء الكردستاني إذْ طالب بعضهم علنا ببقاء قوات الاحتلال لعشرين سنة قادمة أو بعض زعماء العراقية كطارق الهاشمي المحكوم بالإعدام بتهمة جرائم إرهاب وعمليات مسلحة.

- السمعة السيئة لبعض قادة هذا التحالف وعلاقاتهم السرية والعلنية مع الدول والاستخبارات الأجنبية والتي اعترف بعضهم بها علنا، كإياد علاوي.

- التصريحات والتصرفات الطائفية الصريحة لبعض قادة هذا التحالف كأحمد العلواني وطارق الهاشمي وأسامة النجيفي فقد دأب هذا الأخير على القيام بزيارات وتصريحات عند حدوث عمليات إجرامية تستهدف العراقيين من العرب السنة وسكوته سكوتا مطبقا إذا استُهْدِفَ عراقيون من مكون آخر.

- الخلافات الداخلية العميقة والتنافس الضاري على المغانم والمكاسب والامتيازات ضمن المعسكر الواحد وأحياناً ضمن كل جزء من أجزاء هذا المعسكر.

- يدافع بعض قادة هذا المعسكر عن خيارات انفصالية صريحة "الإقليم الكردي" أو بأقلمة العراق طائفيا "الأنبار والموصل".

أما نقاط القوة التي يتمتع بها تحالف "أربيل النجف" فمنها:
- تستثمر أطراف هذا التحالف حالة الغضب والرفض وعدم الرضا الواسعة والعميقة التي تسود الشارع العراقي كله نتيجة إخفاقات الحكومة وفضائح الفساد والتفرد والإقصاء والتهميش الطائفي ضد العرب السنة خصوصا.

- وجود دعم مالي ولوجستي وإعلامي جيد من أطراف إقليمية في مقدمتها دول الخليج وتركيا.

- توفر التحالف على كفاءات إدارية وسياسية ذات خبرة جيدة هي في غالبيتها من بقايا النظام السابق.

- إمكانية استثمار الحماقات والسياسات والشعارات المتطرفة للقوى التحريمية الإسلامية الشيعية المتطرفة التي باتت تشكل عبئا ثقيلا على الحياة اليومية للمواطنين.

تلك هي أبرز نقاط قوة وضعف القوتين الكبيرتين اللتين من المرجح أن تصطفان إحداهما في مواجهة الأخرى بعد الانتخابات، فأي السيناريوهات سيكون ممكن التطبيق؟ فوز للمالكي وحلفائه يمكنه من تشكيل حكومة أغلبية سياسية أم يحدث العكس وتشكل قوى تحالف أربيل النجف تلك الحكومة؟ أم أن الخيار الثالث وقيام "ائتلاف الأقوياء" كما سمي ذات يوم بين دولة القانون وطرف كبير من التحالف السابق كأن يكون ائتلاف النجيفي أو المطلك أو كلاهما هو الأرجح؟ ستكون لنا عودة لهذا الملف.

* كاتب عراقي

fb