fb

الانتخابات العراقية : نتائج متوقعة و دروس جديدة

10 آذار (مارس) 2010 , بقلم علاء اللامي

كم هو معبر ذلك المشاهد الذي بثته وسائل الإعلام المتعاطفة مع قائمة السيد إياد علاوي والذي ظهر فيه جمع من أهالي حي الأعظمية ببغداد وهم يحتفلون بما قيل إنه نصر ساحق لهذه القائمة، الأمر الذي نفته وسائل إعلام أخرى بعضها مستقل وبعضها الآخر مناوئ، في هذا المشهد كان لمحتفلون يهزجون باسم علاوي بأعلى الأصوات ولكنهم يرفعون ويلوحون بصورة طارق الهاشمي.

يمكن للقارئ العجول أن يفسر هذا المشهد تفسيرات لوجستية أو ذات خلفية طائفية كأن يقول إن فئات مجتمعية معينة أرادت ان تنتصر شكلا باسم علاوي "الشيعي والبعثي السابق " ولكنها في العمق أرادت أن يفوز طارق الهاشمي "العربي السني وزعيم الإخوان المسلمين المتحول إلى لبرالي قبل الانتخابات ببضعة أشهر"، غير أننا لو حاولنا التعمق في الملامح الدقيقة للمشهد سالف الذكر، وفي خلفيته العميقة التي تفوح بالتسرع في الاحتفال بنصر لم يتأكد بعد وبالعصبية والثأرية في الهتافات والشعارات، لو أننا فعلنا ذلك، لأمكننا أن نقبض على شيء من النبض الداخلي العام الذي يحكم الشارع العراقي اليوم وهو يمر في أخطر منعطف تاريخي يمر به العراق ألا وهو انتخابات تشريعية في ظل احتلال أجنبي وبعد سنوات على إسقاط نظام شمولي شديد الوطأة : لقد جرب العراقيون بعد الغزو الديموقراطية والتعددية السياسية ولكن بعد تفصيل الحكم النتائج عنها على أساس المحاصصة الطائفية والعرقية، وقد حدثت خلال السنوات الماضية من عمر هذا الحكم تجاوزات وممارسات خطيرة بل ومخزية لا يقدم عليها إلا المخربون عن عمد لدولتهم ومجتمعهم، إضافة إلى هذا وذاك فقد عانت الشرائح والفئات المجتمعية والسياسية التي احتكرت السلطة والثروة خلال تاريخ العراق الحديث من فقدان السلطة و الحظوة والامتيازات بل ومن الإذلال والإقصاء ودفعت فئات من طائفة معينة ثمن أخطاء النظام الشمولي السابق، ولهذا وجدت هذه الفئات وما يماثلها في الانتخابات و في شائعة النصر المأمول فسحة تنفس فيها عن مشاعرها وصبواتها وأحلامها وأوهامها.غير أن هذه اللحظة القادمة من ذلك المشهد الاحتفالي يمكن أن تكون مفيدة للدارس الاجتماعي والمراقب السياسي من حيث إنها علامة فارقة يمكن اعتبارها بداية لمرحلة جديدة سيوطن فاقدو الحظوة والامتيازات الطائفية أنفسهم على الاعتياد عليها ويبدأ الذين شعروا "بالانتصار التاريخي " الموهوم والطائفي، وتحديدا من العرب الشيعة، بأن الآوان قد آن ليتخلصوا من انعدام تسامحهم وتعطشهم للهيمنة على الآخر وإقصائه من منطلقات ثأرية.

لقد كررت تجربة الانتخابات العراقية الأخيرة دروسا عديدة بعضها قد يدخل منذ الآن في عداد البديهيات أو الثوابت السياسية والاجتماعية ومن ذلك:

- انحياز الأغلبية الشعبية العراقية ومن جميع المكونات والمعبر عنها سياسيا بـ " الكتلة الناخبة " إلى الخيار الديموقراطي وتبادل السلطة سلميا، وهذا يعني تشييعا نهائيا ودفنا أخيرا للعقلية الاستبدادية الشمولية ممثلة بتراث الحكومات الانقلابية والتي نجد خاتمتها وذروتها في حكم الرئيس السابق صدام حسين، رغم كثرة المروجين لها حتى الآن بحجة ضرورة القضاء على الفوضى العارمة بقبضة " المستبد العادل" ذي الشاربين الكثين.

- خروج قوى سياسية كانت معتبرة برلمانيا ويحسب لها حساب من الملعب السياسي نهائيا كجبهة "التوافق" السنية بقيادة الحزب الإسلامي " الفرع العراقي لحركة الإخوان المسلمين "، أو حصول بعضها الآخر على ما لا يسد الرمق البرلماني كائتلاف الشيعي الذي خسر الكثير من وزنه وجمهوره ولكنه حافظ على نزر يسير من رصيده وبما قد لا يتجاوز 15% من الأصوات كما تشير بعض التسريبات من مواقع العد وفرز الأصوات.

- حافظ المالكي على قوته السياسية، واندفاع تياره، وحصد الكثير من أصوات العراقيين ولكن على أساس الانتماء الطائفي "الشيعي " كما حدث في مدينة الثورة " الصدر" حيث حصد ما يقرب من نصف الأصوات في هذه المدينة المليونية التي كانت تعتبر قلعة للتيار الصدري المناوئ للمالكي حاليا، الأمر الذي دفع ثمنه هذا الأخير – الملكي *- في ميدان آخر حيث خسر أصوات مئات الآلاف من العراقيين من " العرب السنة " الذين صوتوا له في انتخابات المجالس المحلية التي جرت قبل أشهر بسبب تردده وتلكؤه في حسم خياراته الوطنية والقطع النهائي مع الطائفية وانجراره إلى مواقف وسلوكيات بالغة القسوة والعدوانية مع البعثيين السابقين والعروبيين من غير المتورطين في جرائم النظام السابق ضد الشعب.

- خسرت القوى القومية العروبية واللبراليين الجدد والبعثيين السابقين رهانها على زعيم القائمة العراقية إياد علاوي ولكنها أحكمت سيطرتها الانتخابية على قلاعها الطائفية التقليدية كالموصل وتكريت والأنبار. ويبدو أن هذه القوى قد تحملت تكاليف باهظة نتيجة رهانها على هذا الاسم الذي لم يفدها بشيء في معركة الجنوب الانتخابية على اعتبار أنه من العرب الشيعة. ومع ذلك فقد ورثت هذه القائمة " العراقية " رصيد قائمة التوافق السياسي والانتخابي والجغرافي، ويبدو أن العلمانيين واللبراليين العراقيين وجدوا أنفسهم مدفوعين إلى التصويت إلى قائمة " العراقية " ليس حبا أو اقتناعا ببرنامجها القومي الفاقع كما قال بعض المراقبين، بل نكاية بالقوائم ذات الخلفيات الإسلامية الطائفية كقائمة المالكي والتي لم تتجرأ على الاقتراب كثيرا من البرنامج الديموقراطي المدني القائم على مبدأ المواطنة الحديثة وفصل الدولة عن الدين.

- فعلت ميكانزمات قانون الانتخابات العراقية القائمة على التصويت النسبي المختلط فعلها فتشتت أصوات القوى والأحزاب القوى الصغيرة وضاعت هباء، وحصدت "الحيتان" السياسية الكبرى مقاعد أخرى بعد الأخذ بحساب "القاسم الوطني المشترك"، ومع ذلك فقد جاءت نتائج بعض القوائم المستقلة والمختلطة طائفيا كقائمة " وحدة العراق " بقيادة وزير الداخلية الحالي جواد البولاني هزيلة وأقل مما توقعه أصاحبها، ويبدو أن لهذه النتائج أسبابها الخاصة والتي لا تتعلق ببنية وميكانزمات النظام الانتخابي بل بالوضع السياسي العام وبقصر عمر تجربة هذه القائمة التي علق الكثيرون ليها آمالا عريضة، ولكننا نتوقع أن يكون لها دور مهم في عملية تشكيل الحكومة إذا ما تحالفت مع القائمة الفائزة بأكبر عدد من مقاعد البرلمان الوليد لضمان تحقيق الأغلبية المطلقة والتي تبلغ 163 مقعدا .

* في النسخة التي نشرتها اليوم صحيفة الأخبار / اللبنانية من هذه المقالة أجرى محرر صفحة " رأي " تعديلا على هذه الجملة لكنه لم يكن موفقا حيث فهم أن المقصود بعبارة "هذا الأخير" هو " التيار الصدري " في حين أن المقصود كما هو وارد في السياق رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي لذلك اقتضى التنبيه والتصحيح.

fb