fb

بنزعة احتجاجية واضحة: الفنان عبد الرزاق ياسر يعيد تشكيل الموروث الشعبي العراقي

11 آذار (مارس) 2010

محسن الذهبي 3/11/2010

انتجت الحركة التشكيلية العراقية تراكما هائلا يصعب تجاهله من الاسماء الفنية التي اثرت في مسار الحركة الثقافية وحفرت مكانا مميزا في ذاكرتنا، ومن هذه الاسماء الفنان العراقي ( عبد الرزاق ياسر) المولود في مدينة اور التاريخية في محافظة ذي قار عام 1947 والذي استمر في عرض اعماله وتجاربه التشكيلية في الرسم والنحت قرابة ثلاثة عقود ونصف عقد، وآخرها معرضه الشخصي السابع الذي اقيم مؤخرا على قاعة مدارات في بغداد وضم تسعا وعشرين لوحة، اذ اجتهد فيها ابراز التراث التصويري من منظور جديد عبر تكثيف علامات الثقافة المحلية والذاكرة الشعبية ومعالجة هموم الانسان البسيط في علاقاته بذاته وبمحيطه، فهو يحاول ان يسائل مقوماتها الرمزية والفكرية ويعنى بتطورها، بقلقها وانسجامها.

فخطوط الفنان تعتد بمقومات الجمال الطبيعي المنتشر حولنا والذي لا تلتقطه الا عين الفنان المدربة، لا سيما ذلك التناظر والتناسق في الحركة اللونية والبصرية الموجودة بقوة في اعماله. فالحركة عنده تنطلق من مفردات تشكيلية تتمازج وتتناسق بذات الثراء الموجود في اجوائه. ان اعتماد الفنان على المنظور الخطي المتميز من ناحية الشكل في تصوير الحياة بجميع نشاطاتها يجعل الامر يبدو للمتلقي يتعلق بتشكيل ثان لا بتشكيل بصري منطلق من ذلك المنظور الخطي فحسب. فهو يحاول ان يحشد عدداً كبيراً من الثيم في اللوحة الواحدة حتى تبدو مكتظة بشكل ارادي وكأنه ينقل لنا زحمة الحياة او تمسكه بإيمانه المطلق بحريته في خلق الشخوص والاماكن بمنظور معرفي وبعد روحي مؤثر، مستعيناً بتراكمات تراثية وثقافية للوصول الى ايجاد اضافة جديدة وخصوصية في التشكيل العراقي، اذ يذهب بنا الى المصدر المباشر للفن الى حياة الناس فيصور افراحهم واحزانهم وتفاصيل الحياة اليومية في اجواء متعددة الوجوه، فان عملية الابداع عنده تدور حول ادخال تلك العناصر التراثية المغرقة في محليتها بعد ان يهضمها بشكل جيد لكي يصوغها - في عين المتلقي ـ بشكل ابداعي كي يصل الى ذلك الحوار والتفاعل الروحي والحسي الذي يحصل بالتواصل مع اللوحة فتضيف اليه عناصر جديدة ومبتكرة الى معرفة البصرية.

فبتقديرنا ان الفنان ( عبد الرزاق ياسر) قد وصل الى مرحلة الاقتناع الذاتي باسلوبيته وبابتعاده عن الحرفية المباشرة والتقنية السطحية، فهو يجرب مجموعة من الاتجاهات داخل ممارسته كفنان له خصوصية معينة وكمبدع بقدر ما يتجذر في ثقافته المحلية وتطلعه الى تجاوز حدود تلك المحلية الى نزوع انساني واسع المدار، مستمدا مقومات عمله من هذا الخزان الرمزي والثقافي الذي لا ينضب والملتصق بذاكرتنا الجمعية.

ان الفنان يظهر صلابة بنائه المعماري في تجسيد مظاهر البيئة الشعبية بمنظور يجمع بين عالم الواقع وما فوق الواقع متجها نحو آفاق الغموض الشعري والصراع الدرامي باستلهام متجدد للتراث الفولكلوري بنزعة تبسيطية للشكل وغنائية في اللون وميتافيزيقية في الفكر على خلفية روح فطرية لا تخلو من مرح مستفيدا من تعبيرية روح الحياة الشعبية في استخلاص جمالية الواقع المستتر في بعده التراثي. ولابراز جوهر رؤية الفنان من استخدام اسلوب فني يتناسب معها، اتخذ اسلوبا قوامه الاعتماد على عناصر واقعية، اسلوب يتيح للخيال اقصى درجة من الحرية والجموح في تصوير الاشياء واعدة تشكيلها وفق منطق العقل الباطن، ومن هنا كانت البساطة المعتمدة في الاشكال هي السمة الغالبة وعدم وضوح الملامح ونسب الاجسام وابراز مظاهر الحياة المستلبة للانسان الشعبي، حيث يطلق الفنان العنان لمخزون الطاقة الذاتية الكامنة في ذاكرة التعبير التلقائي عن رؤيته لاشكال وصور فيسقطها على قماش اللوحة لتتخلق دون قصد على الواقع الخارجي بنزعة احتجاجية واضحة، فكان موضوع معاناة الانسان واستلابه هو المحور لأغلب اعماله. ان الحياة لدى الفنان تحتاج الى الفن اكثر من حاجتها الى الحقيقة فهو يلوذ بالفن للاحتماء من قسوتها مع انه لا يقبل بغير ميتافيزيقية هذا الوجود، فهو حين يغلب الفن على الحقيقة يتبع اسلوبا يفصل بين الحقيقة التراجيدية وعالم المعرفة، فالحقيقة عنده شعاع فوق الحسي بالاشياء وما العالم الا متصور يشكله كما يشاء. فعلى الفن ان ينفذ الى جوهر الاشياء بادراك الرموزالاسطورية وفقا لقيمتها الرمزية لذا فهو يتوارى على شكل دراما يومية تعكس حياتنا. كاتب عراقي مقيم في بريطانيا

fb