بنيامين باربر: التعصب رد فعل على الدين المحاصر
11 آذار (مارس) 2010 , بقلم بنيامين باربرالإسلام والديموقراطية.. سوء تفاهم أم سوء فهم؟ (2 ـ 2)
ان اعتبار الإســلام إلى حد ما، متعصباً فذلك شأن الدين في أماكن عديدة. لأن الدين في عصرنا العلماني أصبح محاصرا، والتعـصب هو في المــقام الأول رد فعــل على الدين المحاصر. كما كان الدين في الماضي الهواء الذي تنفسناه والأثير الذي تحركنا فيــه، فالــيوم أصبحت التجارة والعلمانية والمادية هي الهواء الذي نتــنفسه والأثير الذي نتحرك فيه. في الواقــع هنــاك العديد من الذين يصــرون على أن الديموقراطيــة أكثر بقليل من نجاح التجارة وانتصار الماديــة العلمية، التي ربما تفسر لماذا عندما يسعى المتشددون نحو تأمين دياناتهم يستهدفون ليس فقط الحداثة بل كذلك الديموقراطية.
المتشددون البروتستانت الأميــركيون الذين درسوا أطفالهم في البيوت مختلــفون قليلا عن المتــشددين المسلمين الذين يعارضــون خنق الأسواق الرأســمالية. كلهم يرون في هوليوود، شارع ماديسون والامتيازات الاستهلاكية، التي تطوق العالم الآن وتتحكم في وسائل الإعلام والانترنت، بالوعة ذات مخــرجين: هذه البالوعة تحمل قيمهم بعيــدا في نفس الوقت الذي تقــذف في بيوتهم الصور العنيفة والخليعة «للرأسمالية الجامحة» التي تجبر المستهلكين على الشرب من بالوعاتها كي تزدهر أسواقها.
وبعبارة أخرى، فالتعصب الذي هو دين تحت الحصار، يعتبر إلى حد كبير رجعيا وليــس استباقيا. فهــو يستجيب لقوى خارجية يرى أنها مضعفة لأعرافه، مهددة لقيمة، مغرية لأطفاله ومدمرة لمجتمــعاته. وهـناك الكثير من سوء الفهم والمبالغة في ردود الفعل هذه، ولكن هناك أيضا حقائق حاولت أن أكتشف طبيعتها في كتابي «الجهاد ضد المكدونالد العالمية «World Jihad vs.Mc». والاستنتاج الحاسم من ذلك التحليل هو أن الجهاد والمكدونالد العالمية كلاهما يحتاج وينتج الآخر على حد سواء، وكلاهما معاد للديموقراطية. فالتعصب، عكس الدين العادي، لا يدعم الديموقراطية، لكن كذلك لن تدعمها قوة ماكدونالد العالمية التي تدفع المتشددين عرض الحائط أو إلى شفا حفرة.
لقد رأينا أن الاقتناع بأن الإسلام لا يمكنه أن يتكيف مع الديموقراطية مــتأصل في الفهم السطحي والناقص للإسلام، لكنه كذلك صحــيح أن الاقتــناع بان الديموقراطية لا يمكنها أن تتكيف مع الإسلام متأصل في الفهم السطحي والناقص للديموقراطية الذي يميل إلى تشبيه الديموقراطية بالأمركة أو التــغريب أو التسويق. فهذا الاقتناع مقيد بالرأي الخاطئ بأن هنــاك نوعا واحدا فقط من الديموقراطية، وطريـقا واحدا إلى الحــرية، وصيغة واحدة لترجمة نظرية العدالة إلى ممارسات عادلة، لكن الديموقراطية تاريخيا وفلسفيا جاءت مفردا وليست جمعا. وسنستفيد كثيرا لو تكلمنا عنها ببساطة بصيغة الجمع لا بصيغة المفرد» ليس ديموقراطية، بل ديموقراطيات».
الأمر سيتطلب مقالة منفصلة تشــير إلى مدى عمق انحراف الفهم الأميركي النموذجي لإرساء الديمـوقراطية عندما يتعلق الأمر «بمساعدة» الآخــرين في تحقيق الحرية، والمشكل يبدأ بالتوهم بأن الآخرين يمكن أن يساعدوا، وأن الديموقراطية يمــكن أن «تعطى» أو أن الحرية يمكن أن «توهب». لا يوجد شـعب على الإطلاق حرر من الخارج بفعل الســلاح. قد يمكن لقــوة غــازية الإطاحة بطاغية، لكن لا يمكنها إحلال الديمــوقراطية بذلك البلد. إسقاط الاستبداد لا يفضي إلى الديموقراطية بل يفضي إلى عدم الاستقرار والاضطراب والفوضى وغالبا يفضي إلى حرب أهلية، ومع مرور الوقت لا يؤدي ذلك إلى الديموقراطية بل إلى طاغية جديد. يشير الرئيس بوش مرارا وتكرارا إلى الحرب العالمية الثانية، لكن انتصار الحلفاء على النظام النازي لم يفض إلى الديموقراطية. لقد تكفلت بذلك إعادة التربية وخطة مارشال والأمم المتحدة والمجموعة الأوروبية.
كما لا يمكن للحرية أن تعطي للآخرين، بل يجب أن تنال من طرف أولئك الذين يســعون إليها من الداخل. وبالنسبة لهم، لإنشاء الديمــوقراطية لا بـد من أن تبنى هذه الأخيرة من القاعدة إلى القمة وليس العكس. أولا تجب توعية المواطنين والقيام بالعمل البــطيء والصــعب، لخلق مجتمع مدني ومن ثم بناء البنية التــحتية الســياسية على رأس هذا المجتمع. فقد كان للأميركيين مئة سنة من التجربة مع الحرية البلدية والكــفاءة المدنــية قبل أن يعلنوا الاستقلال. فالديموقراطية تستغرق الوقت. السويسريون بدأوا سنة 1291 ولم يعطوا المرأة حق التصويت إلا في عام 1961، البريطانــيون أسسوا الحقوق في الميثاق الأعــظم (Magna Carte) في سنــة 1215 وخاضــوا ثورة مجــيدة سنة 1698 وما زالوا مثقلين بمجلس اللوردات والحكم الملــكي. الأميركيون قضوا السنوات الثمانين الأولى من جمهوريتـهم الفتية وهم يحاولون معرفة كيفية فصلها عن العــبودية والتي لم تتحقق في نهاية المطاف إلا نتيجة حرب أهلية دامية، ومع ذلك فان المتشائمين يتوقعون أن إيران ستحقق الديموقراطية خلال سنتين أو ثلاث سنوات في حين أن المتفائلين يعتقدون أن العراق يحتاج فقط إلى ستة أشهر أخرى. إذا اقتضى الصبر وبنــيت الديــموقراطية مــن الأسفل إلى الأعلـى حيــنها تأتي الانتــخابات في الأخــير وليس في البداية، فالتسـرع في الانتخـابات هو عموما علامة على أن الأرضية من أجل الديموقراطيــة ليــست جاهزة. وعنـدما يـكون التصــويت في غياب مواطنــين واعين وأكفاء يمكننا أن نتأكد بان آفاق الحرية والعدالة تكون ضعيفة. أولا تأتــي المدارس، والتــربية المدنية، والمؤسسات المدنية المستقلة والجمعيات المدنية المتعددة، ثم تأتي الانتخابات. وفي المساعدة على توسيع وإثراء المجتمع المدني، الدين يمكنه أن يساعد على بناء قاعدة لحكم ديموقراطي.
وأخيرا فإذا كانت الديموقراطية متعددة ومتميزة من مجتمع إلى آخر، فذلك هو الطريق الذي تأتي منه الديموقراطــية وليس من التقليد والافتراض لكن من التنقيب والاختراع. كل مجتمع لديه ميولات ديموقراطية وعـادات ديموقــراطية أوليــة وأسس تشــجع على التداول والنقـاش والمسـاواة. في مكان ما قد تكون اللوياجرغا هي التي تتيح التفــاوض والتــوافق الجزئي بين قبائل متنافــسة. وفي مكان آخر يمــكن أن تــكون الأخوة والتداولية هما إمـكانات القبائل نفسها: نتذكر كيف أن المؤسسين أعجبوا بالموهوك الهنود. وهناك العديد من أشكال التجمع والعديد من مستويات المشاركة التي يمكن لأي واحدة منها، في ظل الظروف الصحيحة، إصدار حكم ذاتي.
في نهاية المطاف، فإن تعدد الديموقراطية يقتضي أن الشرط الذي لا غنى عنه للديمــوقراطــية هو التفويض، وأن أولئك الذين يسعون لمساعدة الآخرين لتعلم الحرية عليهم أن يتعلموا كيف يتركونــهم وشــأنهم، كما كتب ت.ل. لورنس منذ وقت طويل «من الأفـضل أن تتركهم يقومون بها ناقصة على أن تقوم بها بنفسك كاملة، ذلك وطنهم، وطريقهم، وأنت وقتك ضيق». وإذا كانت الديموقراطية تعني أي شيء فهي تعني حق الشعب أن يقوم بأخطائه الخاصة به، أن يمارس شعــائره الدينية وأن يتبع أشكاله الخاصة للحكم الذاتي. واعـلم، اعلم أن ذلك يأخذ وقتا. يمكن للتفــويض التوفــيق بين الحقوق، فهو أحيانا يسمح للنظـام الأبوي بالاستــمرار ويتيح الفرصة للدين كي يخرب وأيضا يدعم الديموقراطية. لكن هذا ما هو عليه، والتاريخ يقترح البدائل، مهما كانت مقصودة، وهي عادة ما تكون أسوأ بكثير. فقط اسأل جورج بوش.
ينشر في جريدة «الاتحاد الاشتراكي» المغربية ترجمة: د عبد الرحمن بو علي