fb

بئر

11 آذار (مارس) 2010 , بقلم زكريا العباد

الثلاثاء, 09 مارس 2010

النارجيلة والقهوة والتمر، هذا ما أقضي صباحاتي معه منذ أن أُحلتُ إلى التقاعد منذ سنواتٍ خمس ومنذ أن فارقتنا رفيقتنا الخامسة، (أم محمّد)، إلى غير رجعة.

هناك ما ينغّص إشراقة هذا الصباح، فالغيوم الرمادية تلقي بظلالها على القرية، لقد شاهدتها أثناء عودتي من المسجد.

طلاء الجدران وأوراق الأشجار والتراب في الممرات التي لم تسفلت بعد، لا تشعّ ألوانُها بأقصى طاقتها الحيوية. لم أكن في ما سبق أكترث بصباحات باردة ورماديّة، لأنّ أم محمد كانت تشيع الدفء في كلّ شيء وتعيد خلق الصباحات التي تنذر بالشرّ مبطلة تنبؤاتها المشؤومة ومحيلة إياها إلى صباحات دافئة، أما الآن، فصباح كهذا يحفز تحذيرات الآباء ووصاياهم حيال علامات الأقدار المشئومة.

كيف أنجبتِ هؤلاء الأولاد؟

إنهم لا يشبهونكِ أبداً!

كم كنت تلتصقين بي وكم ينفرون مني؟ وحتى إذا اقتربوا مني، لا شيء يشبه الحياة التي تتدفق إلى داخلي حين تقتربين مني، على العكس تماماً، ثمة وحشة تهاجمني حين يقترب أحدهم مني، خصوصاً بعد أن جاؤوا يعتذرون عن تقصيرهم معي مقترحين لعلاج وحدتي أن أتزوج من امرأة أخرى.

كلُُّ يوم يرحل من عمري هو لبنة في هذه البئر الموحشة بداخلي، يزداد ارتفاع فوهتها يوماً بعد يوم ويزداد عمقها في داخلي.

بئر مهجورة، لا شيء يسقط بداخلها. وأنت يا أمّ محمد ، صرت لبنة في بناء هذه البئر، أجمل لبنات بئري، يريدونني أن أقتلعك لأرمي بك في قاع البئر المظلمة. أقتلع من ؟ أمَّ محمّد؟! اللبنةَ المضيئة الوحيدة في بئري المظلمة ؟

حين احترقت يدي وتشوّه وجهي إثر حريق العريش سألتكِ: هل ستنفرين منّي ؟ فجاء ردّك مندفعاً حاراً: كيف أنفر منك يا بركتي؟! كان صوتكِ ممزوجاً بالاعتذار، وكأنك كنتِ من تسبب في تشوهاتي، أو كأنك كنت تعتذرين لأنك لم تستطيع في ما مضى أن تقنعيني بأنّك لا تتركينني في حال من الأحوال. وها قد غادرت.

في هذا الصباح الرمادي البارد، يكثرون الدخول والخروج إلى القسم القديم من البيت حيث تقبع غرفتنا أنا وأنتِ، وحيث تقع غرفة الأدوات، لا أحد ينطقُ بأكثر من التحية ثم ينطلقون عائدين بما أخذوه من أدوات، لا أحد يستأذن، على الأقل كنت سأرشدهم إلى مكان الأدوات التي يحتاجونها عوضاً عن بذل الجهد وإضاعة الوقت في البحث، فأنا أحفظ مكان الأدوات واحدة واحدة، لا أحد يتبرّع ليخبرني بما ينوون فعله في المزرعة وكأن ملكيتها لا تعود لي.

حين أعيتهم الحيلة لاستخراج الذين سقطوا في البئر اخبرني أحد إخوتكِ بأنّهم كانوا ينوون تنظيف البئر القديمة وإعادة تشغيلها فسقط فيها أحدهم وعَلِق الثاني وهو يحاول إخراجَه، وتوقفت محاولاتهم حين كان مصير الثالث مثل صاحبيه.

«خذوني إليهم، يمكنني إخراجهم، لقد حفرت البئر بيديّ» .

ربطت الحبل السميك المجدول من الليف في وسطي ونزلت بعد أن أعطيتهم نهاية الحبل الثاني وأمرتهم أن يسحبوه حين آمرهم.

في قاع البئر كان الهواء شبه منعدم، ولم يكن بإمكاني أن أرى شيئاً، أخذت أبحث برجلي في الماء إلى أن تعثرتْ قدمي برأس آدمي، رفعته برجلي وتحسست عروق عنقه فعرفت بأنه فارق الحياة، حين عثرت على الثاني كان هو الآخر قد مات، تركته لأبحث عن الثالث فلربما أدركته قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، كانت عروق عنقه لا تزال تنبض، ربطته بالحبل وأمرتهم أن يسحبوه ويعيدوا الحبل لأرفع الرجلين.

حين أخرجوني من البئر كان ولدكِ محمّد وأخوه أحمد ممدين إلى جانب فوهة البئر وكان الرجال يُرْكبون اخاك (علي) في إحدى السيارات ويهرعون به إلى المستشفى، وفي سيارة أخرى أركبوا ولدَيْك، في المستشفى تأكدوا بأنهما فارقا الحياة كما أخبرتهم.

ربّما كانا يحاولان إخراج لبنتك المضيئة ورميها في الظلام فسقطا، وربما كانا يحاولان إعادة مياه البئر لكن بعد أن فات الأوان. ذهب ولداك، وبقي علي، عيناه تشبهان عينيك، أتذكركِ كلما نظرت إليهما.

fb