fb

رسالة مفتوحة لكياروستامي احتجاجاً على اعتقال السلطة الإيرانية باناهي

12 آذار (مارس) 2010 , بقلم عباس كياروستامي

المستقبل - الجمعة 12 آذار 2010

أكثر من عشرة أيام مرت على اعتقال السلطات الايرانية المخرج جعفر باناهي في منزله مع زوجته وابنته ومجموعة من ضيوفه. وفي حين تم اطلاق سراح الابنة والزوجة قبل يومين، لايزال باناهي معتقلاً مع آخرين من بينهم المخرج محمود رسولوف. وفي تصريح رسمي مثير للضحك والسخرية، صرحت السلطات الايرانية بأن اعتقال باناهي جاء نتيجة للاشتباه بارتكابه "جرائم قتل"، يجري التحقيق فيها. المقربون من المخرج الذي ينتمي الى جيل ما بعد الثورة في السينما الايرانية المستقلة أكدوا شروعه بمشروع سينمائي حول المظاهرات التي عمت ايران مؤخراً. وقبل نحو شهر، مُنع السينمائي من السفر الى برلين لحضور مهرجانها السينمائي على أثر حضوره جنازة ندى آغا سلطان. ولكن حتى بعيداً من ذلك، يسهل القول ان باناهي عنصر "مزعج" للسلطة لاسيما منذ فيلمه "الدائرة" (2000) الذي حاز جائزة الاسد الذهب في مهرجان البندقية ولاحقاً بفيلم "ذهب قرمزي" Crimson Gold و"تسلل" Offside. باناهي الذي بدأ مسيرته السينمائية مساعداً في بعض أفلام السينمائي عباس كياروستامي، أخرج فيلمين من كتابة كياروستامي "البالون الأبيض" The White Balloon (1994) وCrimson Gold (2003). ومثل كياروستامي، لم يتمكن باناهي من الحصول على إذن رسمي بعرض أفلامه داخل إيران. مع استمرار اعتقاله منذ الاول من آذار/مارس الجاري، وجّه عباس كياروستامي رسالة مفتوحة، نشرتها الصحف يوم الثلاثاء الفائت. على الرغم من ان الرسالة تحافظ على نبرة غير استفزازية وهو الأمر الذي اُخذ أحياناً على كياروستامي (اعتبره المخرج بهمان غوبادي انه لا يتخذ موقفاً نقدياً من الحكومة الايرانية)، إلا ان رسالته تلفت الأنظار عالمياً الى باناهي ولا تخلو من موقف صارم لسينمائي عالمي اختار أن ينأ بنفسه عن شد الحبال والتركيز على عمله الإبداعي. هنا ترجمة لرسالة كياروستامي. ر.م.

لا أعرف تماماً الى من أتوجه بهذه الرسالة، ولكنني أعلم لماذا أكتبها وأؤمن بانها، في ظل هذه الظروف، خطيرة ومحتومة في آن معاً، لأن مخرجين ايرانيين، كلاهما اساسي في تيار السينما الايرانية المستقلة، اعتُقلا. كسينمائي منتمٍ الى نفس السينما المستقلة، فقدت الامل منذ سنوات طويلة في أن أعرض اياً من أفلامي داخل إيران. كما انني، وبإنجازي أفلاماً ذاتية منخفضة الموازنة، فقدت الأمل منذ زمن بعيد في الحصول على اية مساعدة او دعم من وزارة الإرشاد والثقافة الاسلامية، القيّمة على السينما الإيرانية.

تحولت الى التصوير الفوتوغرافي لكسب عيشي ولأنفق على أفلامي غير المكلفة. حتى أنني لا أعترض على نسخ وتوزيع أفلامي غير القانوني لأنها طريقتي الوحيدة للتواصل مع ناسي. ومنذ سنوات، لم أعترض على هذا التجاهل من قبل الوزارة والسلطات السينمائية. حتى وإن اخترنا ان نغض الطرف عن حقيقة ان القيمين على السينما في البلاد الذين يشكلون الجسم الثقافي الاساسي للحكومة، يميزون منذ سنوات بين "مخرجيهم" وبين المخرجين المستقلين، مازلت أعتقد بأنهم غافلون عن السينما الايرانية المستقلة. صناعة الافلام ليست جريمة. انها أداتنا الوحيدة لنعيش وهي بهذا لم تعد خياراً فقط، بل حاجة حيوية. لقد عثرت على حلولي الخاصة للمشكلة. أنجز أفلامي القصيرة المستقلة بعيداً من الدعم التقليدي الممنوح للمجتمع السينمائي، وآمل ان أحصل على بعض الاعتراف للناس الذين أحبهم والبلد الذي آتي منه. أحياناً تدعو الحاجة الى العمل خارج حدود بلدي بما هو ليس خياري الشخصي ولا رغبتي.

ولكن آخرين مثل جعفر باناهي، يحاولون منذ سنوات الحصول على دعم رسمي، سائرين على نفس الطريق المحبطة ليُواجهوا في نهاية المطاف بالابواب المغلقة عينها. هو أيضاً يأمل منذ سنوات في الحصول على عروض جماهيرية لأفلامه وعلى الدعم الرسمي من الجهات الحكومية المعنية. لا يزال يؤمن بأنه، وبناءً على مزايا أفلامه وعلى الاعتراف الذي حصدته، يستطيع العثور على حلول شرعية لمشكلته. إن وزارة الإرشاد والثقافة الاسلامية مسؤولة مباشرة عما حدث لجعفر باناهي. وإذا كان من خطأ ارتكبه فإنه نتيجة مباشرة لسوء إدارة الموظفين الرسميين في القسم السينمائي في الوزارة ولخططها القاصرة التي لا تترك خياراً أمام المخرج إلا اللجوء الى طرق تعرّضه للخطر. هو أيضاً يعيش من خلال السينما.

بالنسبة اليه ايضاً، السينما حاجة حيوية. فهو يحتاج الى أن يُسمع ويملك الحق في أن يتوقع من المسؤولين السينمائيين أن يسهلوا هذه العملية بدلاً من أن يتحولوا الحجر العثرة الاساسية. لعل المسؤولين في الوزارة لا يستطيعون الآن حل مشكلة جعفر باناهي، ولكن عليهم أن يعلموا انهم المسؤولون اليوم ومنذ سنوات عن العواقب الوخيمة والانعكاسات الكريهة والمضادة للثقافة لسياساتهم في الاعلام العالمي.

ربما لست من مناصري اسلوب جعفر باناهي المتطرف والمثير ولكنني أعلم ان سبب محنته لم يكن نتيجة خيار وانما إكراه محتوم.

انه يدفع ثمن سلوك الموظفين الرسميين الذين أغلقوا كل الابواب في وجهه ولم يتركوا أمامه سوى طرق مسدودة.

مشكلة جعفر باناهي ستُحل في نهاية المطاف ولكن هناك الكثير من الشباب الذين اختاروا فن السينما كمهنة ووسيلة تعبير. هنا تصبح مهمة وزارة الارشاد والثقافة الاسلامية خطيرة وحساسة، حيث يواجهون مجموعة كبيرة من الشباب الايراني الذي يطمح الى العمل المستقل وبعيداً من عرقلة الاجراءات الرسمية والخلل القائم.

جعفر باناهي ومحمود رسولوف مخرجان من السينما الايرانية المستقلة، تلك السينما التي كانت خلال ربع القرن الفائت عنصراً ثقافياً اساسياً في نشر اسم هذا البلد في العالم. وهما ينتميان الى ثقافة عالمية أوسع وجزء من ثقافة سينمائية دولية. أتمنى إطلاق سراحهما الفوري من السجن مؤمناً بأن المستحيل ممكن. وأمنيتي القلبية أن يتوقف اعتقال الفنانين في هذا البلد بسبب فنهم. هذه مسؤوليتكم والتعريف المطلق لوجودكم.

9 آذار 2010/ طهران

fb