fb

اخر روايات ديفيد غروسمان" امراة هاربة من نذير شر " مرثية لواقع اسرائيلي ثقيل الوطأة

15 آذار (مارس) 2010 , بقلم أنطـوان شلحـت - عكا

حول آخر روايات ديفيد غروسمان "امرأة هاربة من نذير شرّ" مــــرثـــيــــــــة لـــواقــــــــع إســـــرائيــــلي ثـــقــــيــــــــل الـــــوطـــــــــــأة

عندما صدرت رواية "امرأة هاربة من نذير شرّ" للكاتب الإسرائيلي ديفيد غروسمان، في آذار 2008، فإن اهتمام القارئ انصب أساساً على محاولة ملامسة الصلة المباشرة أو المضمرة بين أحداث الرواية ومتضمناتها من ناحية، وحادثة مقتل النجل الأصغر للكاتب، واسمه أوري، في آخر أيام "حرب لبنان الثانية" في صيف 2006 من ناحية ثانية.

وبطبيعة الحال، ليس من الصعب التعثر بمثل هذه الصلة، على الرغم من أن الكاتب نفسه لمح، في سياق شهادة ذاتية خاصة مطوّلة حول الرواية نشرها بالتزامن مع صدورها، إلى أن التغيير الوحيد المترتب على موت نجله تمثل في "رجع صدى الواقع"، الذي من خلاله كتب الصيغة الأخيرة للنص الروائيّ.

للواقع الإسرائيلي حضور دائم، يكاد يكون طاغياً، في روايات غروسمان كلها. في الوقت نفسه، فإن لهذا الكاتب مساهمات خاصة في محاولة "تفكيك شيفرة" هذا الواقع بواسطة بضعة كتب أخذت منحى الكتابة الريبورتاجية، في مقدمها كتاب "الزمن الأصفر" حول حياة الفلسطينيين في المناطق المحتلة منذ 1967، والذي انكب عليه في إثر الانتفاضة الفلسطينية الأولى في عام 1987، وكتاب "الحاضرون الغائبون" حول حياة الفلسطينيين في مناطق 1948، وهما كتابان معروفان للقارئ العربي.

وعملية التفكيك، خاصة في هذين الكتابين، لم تتجاوز غاية تسليط الضوء على الواقع، ونأت بنفسها عن تقديم الحلول أو فرضها.

ولدى مقارنتها بروايات غروسمان السابقة، فإن روايته الأخيرة تبدو أكثر تشاؤماً في مجرى استحضار الواقع واستقراء إحالاتـه، وليس هذا فحسب، بل تبدو أيضاً ضائعة بعض الشيء. فما هو سرّ هذا الضياع؟.

لأول وهلة يتراءى موضوع الرواية بسيطاً للغاية:

أوره، وهي امرأة إسرائيلية في حوالى الخمسين من عمرها، يخرج نجلها إلى عملية عسكرية كبيرة، فتهرب من بيتها كي لا تضطر أن تنتظر نذير شر، وهي التي لا يخامرها أدنى شك في أنه لا بُدّ من أن يأتي، عاجلاً أم آجلاً. وباعتبارها رافضة ذلك النذير في أعماقها، ربما يكون في وسعها أن تمنعه أيضاً، وبذا فإنها تنقذ نجلها من قدر محتوم. ولدى هروبها، وهي في طريقها إلى الجليل، "إلى المكان الذي ينتهي عنده البلد"، بتعبير الكاتب، تأخذ معها شخصاً كانت تحبه في شبابها وعاشت معه أجمل قصص حبها، وطوال أيام وليال تتجول معه في أنحاء البلد، وتقوم بالشيء الوحيد الذي في إمكانها عمله من أجل حماية نجلها ومدّه بأسباب البقاء، وفق اعتقادها، وهو التكلم عنه ومعايشة قصة حياته.

وهكذا، فإن غروسمان يلجأ إلى أسلوبه التقليدي في رواياته كلها، وأعني أسلوب مصادمة العالم الداخلي لأبطاله مع العالم الخارجي المتضمن والمنعكس في سريرتهم، والذي لا يقدرون عليه، بقدر ما إنه هو نفسه لا يقدر عليه. ولعل أكثر شيء يستشفه القارئ لهذه الرواية، كما للروايات الأخرى، هو وجود حاجة ملحة للإحاطة بهذا العالم الخارجي، حاجة يقف من ورائها هدف محدّد، هو تغيير ذلك العالم وجعله يسير وفقاً للقوانين الداخلية التي يؤمن الكاتب بها. لكن في نهاية المطاف فإن المُنجز الوحيد لهذا الهدف يتجسد في جعل مفعول قواعد النحو واللغة، أي القوانين الداخلية، والتي يتحكم الكاتب بها أيمّا تحكّم، سارياً على النصّ والشخوص، من دون قدرة هي إلى العجز أقرب على تغيير القوانين الخارجية- القومية والاجتماعية - قيد أنملة، والتي من غير المبالغة القول إنها تبقى في واد، بينما تبقى اللغة والسرد في واد آخر تماماً. وبكلمات بديلة فإن بطل غروسمان في وسعه أن يتكلم أو أن يكتب عن عالمه الخارجي، بل وحتى أن يخضعه لقواعد لغة تخلص لأسلوب تيار الوعي، لكن ليس في وسعه تغييره رأساً على عقب.

ونظراً إلى أننا نقرأ الرواية من منظار صلتها بالواقع الشاخص وموقف الكاتب منه، أكثر من المنظار الجماليّ، فلا بُدّ من الإشارة إلى أن بعض النقاد الإسرائيليين اعتبرها "رواية مؤسِّسة للأدب العبري الحديث في سنوات الألفين". ومن هؤلاء يجب ذكر الناقدة الإسرائيلية أريانه ميلاميد، التي أكدت أن هذا التقويم تستحقه الرواية، عن جدارة، ليس فقط بسبب ما تنطوي عليه من عناصر فنية وجمالية خالصة، ولا بسبب كونها قصة حبّ كبرى لامرأة تقوم بإسقاط الحاضر على الماضي بعد استحضاره، ولا لكونها تحكي قصة حروب إسرائيل من عام 1967 وحتى تاريخ لم يتضح حتى الآن، وإنما أيضاً لأن كاتبها يصدم قراءه، على مدار صفحاتها كافة، صفحة في إثر صفحة، بالثمن الباهظ المترتب على حروبهم وعلى صمتهم جراء هذه الحروب، والأهم من ذلك أنه يصدمهم بالثمن الباهظ المترتب على تعاونهم مع "وضعية" كهذه يتم إملاؤها عليهم إلى درجة التواطؤ معها.

وكتبت ناقدة أخرى أن غروسمان نجح في هذه الرواية في الإقدام على ما تهرّب كثيرون من "المبدعين الإسرائيليين المتميزين" من الإقدام عليه، فقد غاص على تفصيلات الوعي الإسرائيلي، وعلى مداميك الذاكرة الجمعية كلها، كي يعيد إنتاج مشاعر الذنب المسكوت عنها، ومشاعر الرعب القاتل واليأس العام، كما أنه انكب على التناص مع الكلمات الكبيرة المودعة في بنك الذاكرة المحلية لكي يزلزل وضعاً رائجاً، ولكي يقوم بما ينبغي على كبار الكتاب العالميين القيام به، وهو محاولة تغيير العالم، أو إعادة هندسته.

فضلاً عن ذلك فإن غروسمان استجمع في هذه الرواية جميع الأدوار التي يتقنها، إذ يمكن العثور فيها على غروسمان الخطيب في الساحات العامة، والصحافي، وفنان الكتابة المجندة، باعتبارها وسيلة مطلوبة لإبراز الخوف والتأمل المليّ فيه، ومعرفة أنه لا مكان في الوسع الهروب إليه بعد أن أصبح عاجاً بالأنصاب التذكارية، وإدراك أن اللغة ربما أصبحت الملاذ الأخير في ظل هذا الوضع.

ما يتعين قوله هو أن غروسمان يحطم، بملء ما تملكه قوته الأدبية، أسطورة الرجولة العسكرية ذات المقاس الإسرائيلي، عبر تفكيكها من خلال عيني بطلة الرواية، وبالتالي فهو يضطر القارئ إلى أن يمعن النظر، مجدداً، في تصاوير الحرب التي رسخت في الذاكرة العامة، واستشفاف ما الذي تم نسيانه في غمرة ذلك، وفي هذا السياق فهو يميط اللثام عن الأبراج الهشّة للروح العسكرية الإسرائيلية برمتها.

من ناحية أخرى، فإن ميلاميد تؤكد أن "امرأة هاربة من نذير شرّ" تعتبر دليلاً على "نضوج الأدب الإسرائيلي"، وهي الأقرب إلى نموذج الرواية المناهضة للحرب داخل كل ما كتب من روايات في إسرائيل حتى الآن، وبالتالي فإنها الرواية التي لن تجعل قارئها يشعر بالراحة عندما يرسل نجله إلى "المهمة العسكرية المقبلة" ولا يبقى أمامه سوى انتظار "النُذُر السيئة". ولدى التطرّق إلى تأثير مقتل نجل غروسمان الأصغر، أوري، في آخر أيام "حرب لبنان الثانية" على أحداث الرواية وخلاصاتها، تقول ميلاميد: إن قارئ الرواية لن يصادف الحزن الشخصي لكاتبها، والذي داهمه وهو يكتب فصولها الأخيرة، وإنما سيصادف نفسه وذاته، بلصق صمته وتعاونه وتواطئه، وكذلك سيتسلح بمعرفة فحواها أن أي إسرائيلي يمكن أن يكون ضحية وقاتلاً في الوقت نفسه، وفي نهاية الأمر فإن هذا القارئ لن يبقى كما كان لدى البدء في قراءة الرواية، على غرار ما يحدث عند قراءة أي كتاب متميز من الأدب الرفيع عامة. أمّا غروسمان نفسه، فإنه لا يضنّ بالعبارات، التي تشي بأن روايته هذه هي بمثابة مرثية لواقع ثقيل الوطأة مستلب بعدة أشكال، كما تعبرّ عن ذلك هذه الفقرات من شهادته الذاتية المشار إليها أعلاه، والتي كتب فيها يقول:

"عشت هذه الرواية على مدار نحو خمسة أعوام. وخلال ذلك، أصبحت بالنسبة لي مكاناً ملموساً وحيوياً ذا لغة وقانونية و"درجة حرارة" خاصة به. أكثر من ذلك، فإن هذا المكان، في غمرة الفوضى وعدم التنازل من حولي، بقي مكاناً وحيداً مفهوماً لي، حتى وإن آلمني أحياناً بصورة لا يمكن تحملها. إنه مكان لم أشعر أني غريب فيه، إنه بمنزلة بيت. لقد أطرقت في التفكير بأن أجزاء كثيرة للغاية في حياتي متأثرة من أحداث وأشخاص ليس لهم أدنى شأن لديّ. إنهم غرباء ومجهولون لي. وهم، في طابعهم وجوهرهم، وفي تطلعاتهم وأعمالهم، يناقضون كل ما هو عزيز عليّ ومحبّب. ومرّة في إثر مرّة يتقرّر مصيري على يد هؤلاء الأشخاص، الذين لو كنت أملك زمام الأمور ما كان لي أي اتصال معهم على الإطلاق. عندما أكتب رواية فإن كل شيء فيها يكون ذا شأن ومنتمياً وجوهرياً. وإذا ما بدا لي شيء ما، في البداية، باعتباره فكرة مفندة أو شخصية لا أدرك ما لها ولي، فإنني أدرك رويداً رويداً، خلال سيرورة الكتابة، كم أن هذه الفكرة وتلك الشخصية هما جزء خاص مني، هما أنا، وكم أنهما سبيلي كي أعرف عن نفسي وعن آخرين أموراً لم يكن في إمكاني أن أكتشفها بأي طريقة أخرى.

إنني أعايش الكتابة كما لو أنها عملية نزع المزيد والمزيد من راقات الكتاراكت (Cataract)- إعتام عدسة العين- التي تحول دون أن أرى الرواية التي أكتبها على حقيقتها. ولربما تكونت تلك الراقات لديّ لأنني لم أتجاسر قطّ على تأمل مكان وقوع أحداث تلك الرواية في داخلي. أو يجوز أنني غير ناضج ما فيه الكفاية- إنساناً وكاتباً- كي أدرك ما الذي تقوله الرواية لي، وكي أقف في مقابله.

لكن مع ذلك فإنني أشعر بذلك الشيء هناك، في الأعماق، بصورة ضبابية، وهو يستدعيني، وأحياناً يبدو لي أنه بحاجة إليّ، على الأقل مثلما أنني بحاجة إليه، وأنني لا أستطيع أن أتنكر لدعوته لي. وإذا ما كتبت هذا الشيء بصورة غير صحيحة، أو غير دقيقة، أو إذا لم أنكشف عليه حقاً، فإنه سوف يردّ الصاع صاعين. أشعر على الفور بغصّة في داخلي، بخليط من ردّة فعل نفسانية وجسدية، وعندها أدرك بأنني لا أزال لست هناك، وبأنني لم أستجب له كما يتطلع.

ومرة في كل فترة، يتملكني شعور بأنني فعلت ذلك بصورة صحيحة، بأنني كتبت الأشياء السليمة. لا يحدث هذا في أوقات متقاربة، ولا كما كنت راغباً بالتأكيد، لكن عندما يحدث - وأيضاً عندما أكون أكتب عن شيء يهزني من الأعماق ويكاد أن يقضي عليّ- فإنني أشعر، على الرغم من ذلك كله، بما يشبه التسامي، كما لو أنني في اللحظة الأخيرة، ولمجرّد أنني نطقت الكلمات الصحيحة، نفضت عن كاهلي بكيفية ما شيئاً ما كاد أن يطفئني". وهكذا، فإن غروسمان لا يتجنب غاية الارتطام بسقف نطق الكلمات الصحيحة في تشخيص الواقع الإسرائيلي الذي يبهظه، وهو السقف الذي غلب أيضاً على رواياته السابقة، إلا إن رواية "امرأة هاربة من نذير شرّ" هي تعبير عن مدى تحوّل سياسة الحرب الإسرائيلية هاجساً يؤرق وعيه، فضلاً عما تحيل إليه من حالة عبثية أشبه بالحالة في مسرحية صموئيل بيكيت "في انتظار غودو"، وبفحواها القائل إنه ليس ثمة شيء يمكن عمله إزاء الواقع باستثناء تطويعه بواسطة اللغة وقوانينها واستعاراتها. ولئن كان تأثير مثل هذه الكتابة الأدبية على إدراك الواقع هو تأثير كبير للغاية، إلى ناحية تحديد (من حدّة) السؤال "إلى أين نحن ذاهبون"؟، إلا إن المشكلة الأعمق تبقى كامنة في عدم الخوض في السؤال الذي لا يقل أهمية وهو "ماذا نحن فاعلون؟"، لاسيما أن انقلاب الأدوار والمصائر ليس من صنع اللغة وحدهـا، مهما تكن حادّة وواضحة وجارحة في توصيف خشونة الواقع.

(باحث في المركز الفلسطينيللدراسات الإسرائيلية - "مدار")

fb