fb

إيران ونموذج تعايش الدولة والثورة

15 آذار (مارس) 2010 , بقلم محسن صالح

يعتقد فلاسفة التاريخ والاجتماع أن الحــضارات تســقط وتنـهار عندما تفقد روحية القيم التي شكــلت كنه عصبيــتها في قيامها. ويعتــقدون أيضاً أن الحضارات يقــتلها عاملان الحــروب والاحتلالات الواســعة الأرجــاء، والديون. هذا هو مصير الحضارات السابقة للولايـات المتحدة الأمــيركية التي تصــيبها الآن العدوى نفسها. لهذا فإن المتعجّلين بالحكم على الجمــهورية الإسلامية في عيد انتصـارها الحــادي والثلاثين يخطــئون عندما يراهــنون على انقــسامات داخلية أو على عقوبات دولية ويظــنون أنها تؤدي إلى إضــعاف هذه الدولة الشابة والطموحة. لم يكن وضع الثورة عندما أعلنها مؤسســها الإمام الخــميني الراحل بأحسن مما هي عليه اليوم من حيث الظروف الإقليمية والدولية. يومــها، لم يكن الاتحاد السوفيــاتي، ندّ الولايــات المتــحدة الأوحد، متشــوّقاً لرؤية دولة إسلامــية على حدوده، ولم تكن الولايات المتحدة أقل غضــباً على هذه الدولة مــما هي اليــوم، ولم يكن الوضع العربي أقل سوءاً من حيث الانحــياز لأميركا مما هو الــيوم. والثورة لم تكن متأكدة من نفسها كما هي اليوم، سوى ما كان يعــتمر نفــوس قيــادتها وخاصة الإمام الخميني، من ثقة بالله عــارمة وبالنفس الإنسانية العازمة المريدة. اليــوم أصبــحت الــثورة والدولة متــجذّرة في عــقل وإرادة الجماعة وسلوكها، وفي حركة المجتمع نحو أهدافه في الحرية والاستقلال والتقدم.

ثلاثة عقود كأنــها ثلاثة قــرون، لما احــتملته هــذه الثورة من تشهير ودعاية مضادة وحروب عسكرية وتفجيرات داخلية وخطــف ومــقاطعة وتدبير مؤامــرات. لم ترضخ الثــورة ولا فتّ في عضدها ولا فترت عزيمتها، قيادة وشعــباً. من صحراء طبــس كارتر إلى حرب «قادســية صدام» التي لم يبــق دولة لا في الشــرق ولا في الغرب، ما نــدر، إلا وشاركت إما بالتمويل أو بالدعاية أو بالأسلحة أو بالمعلومات والتجــسس لتدمير الــثورة اليانعة. في جمهورية إيران الإسلامية كان رجال الدولة يأتون تــواقين ليحــموا ويعمقوا طموحات الثورة، وكان رجال الثورة يأتون ليقيموا مؤسسات الدولة ويعمقوا تجربتها لتكتسب معاني جديدة مبدعة في ظل جو خلاق ما بين الشعب والثورة والقيادة. هكذا كان الأمر مع الرئيس هاشمي رفسنجاني ورئاسة القائد علي خامنئي ومع السيد محمد خاتمي ومع الرئيس الحالي أحمدي نجاد. ذلك على الرغم مما يُحكى ويشاع عن انقسامات هذه الأيام في القيادة والقاعدة.

ربما انساق البعض وراء ما يســعى الأمــيركي لإشاعته واشتهائه، لأن معظم هؤلاء ينطلقون من نظرة ورغبة سياسية أميركية ـ إسرائيلية وهمية مشتركة. ومن يراجع الصحف الأميركية منذ قيام الثورة سيتأكد أن الأميركي كان دائماً يريد أن يشيع هذه الأجواء وذلك كي ينفضَ عن هذه الثورة من يشعر بجدواها.

الهدف المعلن والمضمَر للولايات المتــحدة والكيان الصهيوني ـ والغرب عامة هو إلزام الجمهورية بالتخلي عن قيم الثورة، مع الوعد بمــساعدتها لتبقى دولة تهتمّ بنفسها بعيداً عن الوضــع الإقلــيمي(!) من وجــهة نظر أميركا، على إيران أن تنأى بنفسها عن القضية الفلــسطينية وهمـوم وشؤون المسلمين والمستضعَفين، وأن تكون قويــة لذاتها وليس للتــأثير على السياسات الإقليمية والدوليــة. كيف لا يجنّ جنون الصهاينة والمحافظون الجدد في الولايات المحتدة عندما يصرّح الرئيس نجاد بأن الجمهورية الإسلامية يجب أن تكون شريكاً في القرارات الدوليــة وبخاصة تلك التي تتعلق بمصائر الشعوب الإسلامية والمستضعفة، أو أن فلــسطين يجب أن تعود إلى أصحابها الشرعيين. يدركون تماماً أن الجمهورية الإسـلامية الصادقة في طروحاتها وشعاراتها وملتزمة بمضـامين ثقافتــها وثورتها، والتي لم تكن يوماً مــعزولة عن معتــقداتها الأساســية ونظرتها إلى وظــيفة الإنسان في الحياة وما بعدها، هي من يمنعهم من الإطبــاق النــهائي على أمم المنطقة. الإشكاليــة الحقيــقية في العـلاقة بين الجمهــورية الإسـلامية وغيرها من دول الغرب وخاصة أميركا، أن عنصر الثــقافة الذي تنبع منه حركة المجتمع الإيراني سيؤدي إلى إيجاد البديل المقـنع والحضاري لشعوب فقـدت النــموذج الفكري والسياسي. هذا العنصر القائم على مبدأ الحق والـقوة ليس هو ما يحرّك العقل السياسي الأميركي. ما يحرك العقل السياسي الأمـيركي هو الــقوة التي تريد أن تصنع من الباطل حقاً. وعندما طرح صامويل هنتنغتون مقــولته الشهيرة في صراع الحضارات (إقرأ ثقافات)، كان يعني هذا الموضوع تحديداً. المشكلة الأخرى أن العقل العقائدي والسياسي العربي قد تمّ «تجريفه» (بحسب محمد حسنين هيكل)، ووضع في بعض خلاياه التكنولوجيا الغربية وبقايا ستاتيك ضبابي غائم عن الذات غير واضحة المعالم ولا الوجهة. من هنا تأتي مشكلة معظم هؤلاء ـ الأقربين والأبعدين ـ في عدم إدراك أهمية الحوار النديّ مع حضارة ناشئة لا يجذبها إطلاقا الخوف من العدو أو الخصم، بل ربما يحفزها على المواجهة بشتى الصور غير المتوقعة من العقل التقليدي.

إن من يحلمون بشق الدولة أو الانــقلاب عليها أو تراجع قياداتها عن شعاراتها الثورية هم واهمون، لأن عناصر التاريخ الأولية تحــققت في جزء من الثورة وهي في طور الاكتمال في دورة الدولة. إن ثورة كالثورة الإسلامية في إيران هي بداية لاكتمال صورة التشكل التاريخي لحضارة تأسسـت لتكون ثورة للعــامة ودولة لعامة الخاصة. فشعارات الثورة هي ملك للشعوب، وخاصة المستضعفة، والدولة لا تستطيع إلا أن ترعى هذه الشعارات التغييرية بكثير من الصلابة وقليل من المساومة خاصة أن الإمام الخميني عندما سُئل عن الفرق بين انقلاب «مصدق» والثورة التي دعا إليها قال، إن تلك كانت ثورة سياسية تساوم وتفاوض على حقوق، فتمكن الأميركيون من الانقلاب عليها، بينما هذه ثورة حق ضد الباطل ولا يمكن الانقلاب عليها. هذه الروح الثورية التي تجد تمثلاتها في السلوك السياسي والتحدي الثوري لقيادة الثورة في الزمن الراهن لا يمكن لعقل ساذج يتمتع بقوة عسكرية طاغية فقط أن تضعف ـ ناهيك عن أن تزيل ـ هذه الثورة والدولة. ومهما حاول الأميركيون وحلفاؤهم أن يشدّدوا العقوبات على بعض مؤسسات الثورة وخاصة الحرس الثوري والقوى الفاعلة، فإن هذا يقوّي الحرس ويقوي شعارات الثورة في نفوس أفراده.

إن الأرضية الاقتصادية والثقافية المساعدة لقوى التغيير في الجمهورية الإسلامية تقابلها قوى ضعف وفراغ في منطقة شهدت شعوبها على مدى قرنين من الزمن موجات استعمارية متتالية حتى ظنّ البعض أن الاستعمار قدر حتميّ و«قابلية نفسية» لا فكاك عنها. أتت الثورة الإسلامية لتوقظ العقل التحرري والسلوك التغييري المستند إلى الاعتماد على الذات في طرد المستعمر ومجابهة المستكبر، في معركة لا زالت رحاها دائرة بين شرق أوسط أميركي صهيوني وشرق أوسط لشعوبه بمختلف انتماءاتهم الطائفية والمذهبية والفكرية. كيف يحق لأمــيركا التي تبــعد عشــرات آلاف الأمــيال التدخل في منطقتنا وترسم حدودها وسياساتها؟ ولا يحق لدولة وشعــب من نسيج المنطقة تاريخاً وثقافة أن يتحدث عن حق وباطل في اغتــصاب فلــسطين مثلاً، ويأتي المحتل ويطـوقه ويقيــم إلى جواره في العــراق ويســتهدف وجوده ويبقى مكتــوف الأيدي(؟!). نعم، إن الذي يبـيح لأميركا التدخل هو القوة التي تمتلكها، فيســوغ بعض القادة الــعرب وغــير العرب لها هذا التدخل بالقول أنها تمتلك كل أوراق اللعــبة. ولا أحد يســوغ لإيران «التدخل» حفاظاً على الاستقلال والسيادة. ولكن أين الاستقلال وأين السيادة؟ فإن قامت إيران بمساعدة الشعب الفلسطيني يصبح الحديث عن تدخل «فارسي» و«شيعي»! هل ساعدت الأموال العربية أو الإعلام العربي أو السياسات العربية قضية الحق الفلسطيني «العربية»؟ أم أن الأخوة أضحت بلا مضمون؟ فلا العروبة الحاكمة ولا الأمركة المتسلطة والمحتلة ولا الأوربة الاستعمارية استعادت حقاً سليباً أو أطلقت حرية عانقتها سجون الأوطان المرتهنة، لا بل غرست قيم القمع والهيمنة والتسلط والتفرقة وطبائع الاستبداد والاستعباد.

[ مدير معهد العلوم الاجتماعية (الفرع الأول)

fb