مسلمون ومسيحيون معاً في مواجهة اسرائيل
15 آذار (مارس) 2010 , بقلم محمد السمّاكالمستقبل - الاثنين 15 آذار 2010 - العدد 3595 - رأي و فكر - صفحة 19
سلبيتان لا تصنعان ايجابية.
السلبية الأولى هي محاولة الاحتكار الاسلامي للقضية الفلسطينية ولقضية القدس تحديداً. الاحتكار بمعنى تصوير القضية على انها قضية اسلامية، حقوقاً ومقاومة، بما يوحي بتجاهل حق المسيحية وبالتقليل من أهمية دورها في المقاومة لاسترجاع هذا الحق من بين براثن المغتصب الاسرائيلي.
السلبية الثانية هي محاولة الانكفاء المسيحي سواء من خلال الانغلاق على الذات أو الهجرة الى الخارج، الانكفاء بمعنى التخلي عن المبادرة وعن الدور بما يوحي بقبول الأمر الواقع الذي يفرضه الاحتكار من إقصاء وتهميش.
أساءت محاولة الاحتكار الاسلامي فهم قرار مؤتمر القمة الاسلامية الذي نصّ على وضع استراتيجية اسلامية لتحرير القدس، فقد ادى سوء الفهم الى سوء التوظيف. وكانت النتيجة انه بدلاً من تحرير القدس، ازدادت المدينة تهوداً. وبدلاً من كبح جماح الاستيطان اليهودي، ازداد الاستيطان اتساعاً. وبدلاً من تحرير المقدسات الدينية، ازدادت الهجمة عليها شراسة من فوق الأرض وعبر الأنفاق. وبدلاً من استعادة الحق، تمكّن المغتصب من توسيع قاعدة الاعتراف به وبما اغتصب.
أما محاولة الانكفاء المسيحي، فشجعت على المزيد من التطرف، وأدّت الى الإيحاء الخاطئ بأن القضية الفلسطينية هي قضية صراع ديني بين اليهودية والاسلام، مما شوّه حقيقتها وهي انها قضية شعب مضطهد ومشرّد، وقضية أرض وطنية مغتصبة وقضية مقدسات اسلامية ومسيحية منتهَكة ومستباحة. واذا كان لهذه القضية من بُعد ديني، فانه يضع المسلمين والمسيحيين في موقف واحد وفي صف واحد ليس في مواجهة اليهودية كرسالة سماوية، ولكن في مواجهة خطر الاحتلال الاستيطاني وخطر التهويد.
لم تنجح محاولة الاحتكار الاسلامي في استعادة الحقوق الوطنية ولا في تحرير المقدسات الدينية.
ولم تنجح محاولة الانكفاء المسيحي، أومحاولات دفع المسيحية للانكفاء، في تحصين المقاومة المسلحة ولا في تحسين المفاوضة السياسية. بل على العكس من ذلك أدّت المحاولتان الى إلحاق المزيد من الضعف بالمقاومة وبالمفاوضة معاً.
وبالنتيجة، فشلت السلبيتان في انتاج واقع يعزّز الأمل بمواجهة أفضل وأكثر قدرة وأشدّ فاعلية لتحرير الحقوق والمقدسات من الاحتلال الاسرائيلي.
أثناء انعقاد مؤتمر القمة الاسلامية في لاهور في عام 1974 والذي كان مخصصاً لبحث قضية القدس، طلب البطريرك الأرثوذكسي الراحل الياس الرابع أن يلقي كلمة أمام المؤتمر. يومها عارض الأمين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي المرحوم حسن التهامي الطلب بحجة ان المؤتمر ليس مفتوحاً أمام المؤيدين. وانه اذا أردنا أن نفتحه أمامهم لكان علينا دعوة العشرات من مختلف أنحاء العالم. يومها ردّ البطريرك قائلاً: أنا لست مؤيداً للقمة الاسلامية في قضية القدس، أنا أعتبر القمة الاسلامية كلها مؤيدة لي في قضيتي القدس.
أمران حدثا بعد ذلك. الأمر الأول فوري. وهو اعتلاء البطريرك منبر القمة الاسلامية. يومها فوجئ المسلمون الباكستانيون برؤية بطريرك مجللاً بملابسه الكهنوتية معتمراً صليبه وأيقوناته الدينية يعتلي منبر القمة الاسلامية ويتحدث بلغة القرآن الكريم، اللغة العربية، عن قضية كانوا يعتقدون انها قضيتهم وحدهم. ومنذ ذلك الوقت أصبح تقليداً دعوة بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية الى مؤتمرات القمم الاسلامية التي تبحث قضية القدس. أما الأمر الثاني فحدث لاحقاً، وهو ان المرحوم حسن التهامي وبعد أن انتهت مسؤولياته أميناً عاماً لمنظمة المؤتمر الاسلامي، اعتمده الرئيس المصري الراحل أنور السادات ليكون أول مبعوث له الى اسرائيل قبل التوقيع على اتفاقية كمب دافيد عام 1979.
يمكن أن نستخلص من هذه القصة الواقعية أمرين أساسيين. الأمر الأول هو ان محاولة الاحتكار الاسلامي للقضية الفلسطينية ومحاولة كفّ اليد المسيحية عنها لا تعني بالضرورة ان القضية أصبحت بأيد أمينة. أما الامر الثاني فهو ان محاولة الانكفاء المسيحي، أياً كانت ظروفها الطارئة أو مبرراتها القاهرة، تتناقض بالضرورة مع الايمان ومع ما يفرضه من التزام . ولقد جاءت مبادرة "وقفة حق ـ كلمة ايمان ورجاء ومحبة" (كيروس) التي أطلقتها الكنائس الفلسطينية لتؤكد ذلك. فانطلاقاً من الايمان المسيحي وعلى قاعدة شرعته، دعت المبادرة كنائس العالم كلها الى اعتبار الاحتلال الاسرائيلي خطيئة ضد الله وضد الانسانية. وعلى أساس هذا الثابت الايماني، أكدت "ان أي لاهوت يدّعي الاستناد الى الكتاب المقدس أو العقيدة او التاريخ ليبرّر الاحتلال انما هو بعيد عن تعاليم الكنيسة لأنه يدعو الى العنف والحرب المقدسة باسم الله ويُخضع الله سبحانه وتعالى لمصالحَ بشريةٍ آنية، ويشوّهُ صورتَه في الانسان الواقع في الوقت ذاته تحت ظلم سياسي وظلم لاهوتي".
السؤال الآن هل تتبنى الكنائس في العالم هذه المبادرة؟.
هناك مؤشران إيجابيان:
المؤشر الأول هو ما حدث في جنوب افريقيا. فقد أدى تبنّي الكنائس في العالم مبادرةً أطلقتها الكنيسة الوطنية باعتبار التمييز العنصري خطيئة ضد الله وضد الانسان، الى اكتمال دائرة الحصار حول نظام الأبارتيد مما ادى الى اختناقه وانهياره. فبالنسبة للتعاليم المسيحية فإن التمييز العنصري والديني الذي تمارسه اسرائيل ضد العرب، مسلمين ومسيحيين، هو أسوأ من التمييز العنصري الذي عرفه الأفارقة في جنوب افريقيا.
أما المؤشر الإيجابي الثاني فيتمثل في سلسلة المبادرات العلنية والجريئة التي اتخذتها كنائس متعددة سواء بصورة انفرادية أو جماعية ضد السياسات الاسرائيلية الاستيطانية والتهويدية. فالكنيسة المشيخية الأميركية مثلاً اتخذت قراراً بسحب استثماراتها من اسرائيل كبادرة احتجاج على بناء الجدار الاسرائيلي حتى قبل صدور قرار محكمة العدل الدولية الذي قضى بلاشرعية بناء الجدار. وتحمّلت هذه الكنيسة ردّ فعل صهيوني انتقامي تشهيري واسع النطاق من دون أن تتلقى رسالة تقدير من أي مرجع عربي أو اسلامي. ثم ان مجلس الكنائس العالمي الذي يضم حوالي 367 كنيسة انجيلية وارثوذكسية أدان مراراً الانتهاكات الاسرائيلية لحقوق الانسان الفلسطيني. غير ان تلك المواقف المتكررة لم تؤسس مع الأسف، لتفاهم اسلامي ـ مسيحي يكون قاعدة للعمل معاً دفاعاً عن هذه الحقوق.
الآن، وعلى أمل ان تتبنى الكنائس في العالم المبادرة الكنسية الفلسطينية الجديدة، فإن من المهم جداً ان يتبناها المسلمون أيضاً. فالتبني يطوي السلبيتين، سلبية محاولة الاحتكار الاسلامي، وسلبية محاولة الانكفاء المسيحي.
وهذا يعني انه لا احتكار ولا انكفاء، بل تكامل وتضامن استرجاعاً لحق واحد من بين براثن عدو واحد. ومن أجل العمل معاً لبناء مستقبل واحد وتقرير مصير واحد.