fb

الفرعون يموت وكذلك الرئيس !

15 آذار (مارس) 2010 , بقلم جمال محمد تقي

زاهي حواس مدير دائرة الاثار المصرية والخبير المتحمس لعمله والذي لا يفوت شاردة وواردة في مجال الاكتشافات الاثرية الجديدة في مصرالا واحسن تسويقها اعلاميا وسياحيا وبحرص شخصي منه على شرح اهميتها بنفسه امام اجهزة الاعلام المحلي والدولي ، مولع بما هو مثيرمن الاكتشافات حتى لوتطلب الامراعادة النظر بالشائع من المعتقدات ، حول حكايات الفراعنة وطبيعة حكمهم وعلاقاتهم ومعتقداتهم وخاصة بما يتعلق منها بحياة المشاهير منهم والذين يردد اسمائهم القاصي والداني والذين تشهد على وجودهم التماثيل الضخمة والموميائات المتقنة التحنيط ، كان قد اعلن قبل اسابيع بان توت عنخ امون لم يمت إثر عملية اغتيال وانما كان سبب موته الحقيقي الذي كشفت عنه الفحوصات المختبرية هو المرض خاصة وانه ابن لشقيقة والده ـ عمته ـ اي انه يحمل جينات تركز المورثات المرضية كهشاشة العظام وامراض الدم ، واضاف حواس بان هذا الاكتشاف يدحض ما كان سائدا من معتقدات سابقة حول اسباب موته ومنها بان رب اخناتون الموحد انتقم منه لانه تراجع عن دين ابيه ، او ان اتباع ديانة ابيه هم من كانوا وراء موته حين قاموا باغتياله غدرا ، وقال حواس ايضا ان الفرعون يموت كباقي البشر وهو سيعود للحياة مجددا بحسب معتقداتهم مثله مثل الاخرين طبعا مع ميزة وحيدة له بانه يبقى محتفظا بفرعونيته عندما يعود مجددا للحياة الموعودة لذلك يحرص من يؤبنه ويدفنه على تحنيطه للمحافظة على ما امكن من جسده ثم دفنه في مكان امين مع اهم حاجياته ، الفراعنة يموتون كغيرهم مهما طال بهم العمر وربما يموتون وهم صغارا كما في حالة الفرعون الشاب توت عنخ امون ، انهم ليسوا بآلهة وليسوا بابناء لها حتى لو ادعوا غير ذلك او حتى لو كانوا يتصرفون كالالهة على الارض بحكم اطلاقيات احكامهم ومن المفروغ منه انهم يورثون الحكم لابنائهم بل وحرصا منهم على عدم ذهاب الحكم الى دماء غير فرعونية فهم بتزوجون من اخواتهم ليكون الابناء من صلب فرعوني مطبق من جهة الام والاب وليس غريبا ان لا يشهد التاريخ المصري الوسيط والحديث والمعاصر محاولات جادة منظمة او اعتباطية لاحياء النمط الفرعوني في الحكم على اعتبار ان عمليات التراكم التاريخي لمؤسسة الحكم تستجيب موضوعيا للتطورالسياسي والاجتماعي الاقتصادي الحاصل في البناء التحتي للمجتمعات المتأثرة كما وكيفا ببعضها البعض وعلى المستوى العالمي، الغريب والعجيب في الامران نشهد حاليا اي في الزمن المصري القائم محاولات حثيثة لاعادة استلهام النمط الفرعوني في الحكم وبهيئة متكيفة مع احداثيات الحداثة ! نعم انه امر غريب فحتى محمد علي الكبير لم يكن ليحكم بنمط العائلة الملكية المورثة والمالكة الكلية لولا ان سياق عصره يتيح له ذلك وهو لم يخرج عن المألوف في شكل حكمه الملكي هذا لانه منسجم مع نواميس بنى المجتمع التحتية المنسجمة بدورها مع سمات العصر السائدة ، اما نظام حسني مبارك فانه يجدد لنفسه شرعية الحكم عقد تلو عقد ويكيف كل مداخل ومخارج الحكم وعلاقاته بل كل فلسفتة وخططه لتتكيف مع ميوله النرجسية لاحتكار السلطة وكأنها ملكية خاصة وهبة آلاهية لا تليق الا بدماء العائلة المباركة عائلة العمدة الكبير الذي يرى في العمودية وظيفة خاصة به وبنسله وبالنسبة له فان علامات الموت والانطفاء تكون قد انطبقت عليه اذا انتقلت تلك الوظيفة لكائن من كان من العوائل الاخرى، الدولة وكل ريعها هي دوار للعمدة فكيف يمكن تصور تخلى العمدة عن دواره انها مسألة حياة او موت بالنسبة لروح الفرعون التي يحملها مبارك ؟ ثلاثة عقود ومبارك سيد مصر الاول والسيدة سوزان مبارك سيدة مصر الاولى والسيد جمال مبارك سيد شباب اهل الدوار ، الحاشية تدور حولهم ، انها طبقة كاملة تأقلمت بتحوراتها واستقرت آليات سوقها على بورصة العمدة التي لا تنهار لانها تتصرف بكل ثروات البلاد كاصول ثابتة لها فان انهار اصل انقذته برهن اصل اخر وهكذا حتى اصبحت البلاد كلها مرهونة ، وغياب العمدة او اسمه عن العقود المتداولة سيكشف ظهر الانهيار الكلي لها ـ للطبقة الطفيلية المتحكمة بسوق البلاد والعباد ، بقوتهم وثروات بلادهم وما ينتجوه بأياديهم المتعبة من خيرات مادية ،انها طبقة رجال الاعمال غير الصناعيين طبقة الوكلاء والطفيليين طبقة العسكريين اصحاب البزنز طبقة البيروقراطيين المعششين على مفاصل الجهاز الاداري للدولة وعلى ما تبقى لها من قطاع عام سائر نحو التصفية والتصبح بدورها مجرد حارس على مصالح الوكالات والموكلين من المستثمرين الداخلين والخارجين ـ لذلك نجد ان نهج فرعنة حكم مبارك وتوريثه لا ينحصر مسعاه بالعائلة نفسها فقط وانما بطبقة باكملها ـ ! "الذي تعرفه احسن من الذي لا تعرفه " على ايقاع هذه القاعدة يتحرك او يفكر الكثير من المسلكيين من ابناء الطبقة الوسطى وحتى الطبقة ذات المواقع الصغيرة لكن الاغلبية المهمشة والمتضررة تحركها مشاعر معاكسة انها تريد حلا تريد تغييرا تريد انقاذا انها تنتظر ، ربما امرا كان مقضيا ، وان لم ينقضي باستأصال الزائدة الدودية او المرارية فانها حتما ستنتفض على مرارتها لتستأصلها من جذورها لتعيد البلاد لمسارها الذي لايناسبه غير مزاج التهكم من النمط الفرعوني في الحكم ان كان بصيغة جمهورية او ثورية او رجعية هذا المزاج صاحب السؤال الشعبي الخالد الذي يقول: سألوا فرعون لماذا تفرعنت فقال لاني لم اجد احدا يوقفني عند حدي ! اتمنى على الاستاذ حواس ان يقيم متحفا خاصا بحكام مصر الذين حكموا واطالوا بحكمهم لاكثر من عقدين اي لاكثر من اربعة فترات حكم بحسب منطق الدساتير المعاصرة وهو يغطي فترات التاريخ القديم والحديث والمعاصر اعتقد ان هكذا متحف شامل سيكون ضامنا لنافذة سياحية جديدة لها مردود مالي وثقافي مهم !

fb