فخامة الضبع
16 آذار (مارس) 2010 , بقلم سليمان الحكيمكتابات - المحامي /
كان صيف عام 1967 مفترق طرق حاسم في المسيرة السياسية الطويلة للسيد جلال الطالباني , فقبل ذلك التاريخ كان محسوباً على اليسار وقريباً للغاية من حركة القوميين العرب بل إنه كان مثار تندّر في صفوفهم بسبب تأييده المطلق للحركة القومية العربية وعدائه الشديد لاسرائيل وراعيها الأميركي , وقد وصل به الحماس في سنة 1966 إلى حد تسليم رئاسة الجمهورية في مصر عبر الأمين العام لحركة القوميين العرب الدكتور جورج حبش – رحمه الله – وثائق تدين الملا مصطفى البارزاني وقيادة حزبه بجريمة التعاون مع الأجهزة الأمنية و العسكرية الإسرائيلية . ولكن هزيمة 1967 التي شرخت المشروع القومي العربي دفعت بعض الأطراف إلى النأي عنه ومحاولة البحث عن مصالحهم لدى جهات أخرى وكان السيد جلال الطالباني واحداً من هؤلاء, وكذلك سُجلت عليه ثلاثة مواقف في شتاء 1968 , كان أولها إحياءه للعصيان الكردي المسلّح ضد الدولة في شمال العراق , ثم قام ثانياً بدعم الجناح الذي انشق عن الحزب الشيوعي العراقي تحت اسم القيادة المركزية وتبنّى الكفاح المسلّح من أجل إسقاط نظام الرئيس عبد الرحمن عارف ( وفي الفاتح من أيار 1983 ارتكب الطالباني مجزرة بشت آشان بحق هؤلاء في صفقة عقدها مع الحكومة العراقية ) و تضامن ثالثاً مع الجناح المشبوه الذي انشق عن حركة القوميين العرب وأسمى نفسه بالجبهة الديمقراطية فبعث إليه في الفترة من 1968 وحتى 1971 بالعشرات من شباب حزبه ليتدربوا في قواعده العسكرية التي أقامها في جبال ووديان الأردن .
وبتلك الالتفافات الجذرية تقطعت الروابط التي أسس عليها الطالباني خطابه السياسي الأول والذي انفصل بموجبه عما كان يدعوه بالقيادة الإقطاعية البارزانية , فبعد علاقاته الوثيقة مع ثورة 23 يوليو المصرية وامتدادها القومي العربي ومع الحركات الثورية العالمية في كوبا والصين وفي أوروبا الغربية , أصبح صديقاً لجهاز المخابرات الإيرانية في عهد الشاه ومن ثم في عهد الولي الفقيه وعضوا في الاشتراكية الدولية القريبة من الحركة الصهيونية ورفيقاً لفرسان الشعارات الثورية اللفظية من عراقيين وعرب لا يعرف أحد من أين أتوا ولا من يموّلهم ولا حتى الهدف من وجودهم . وقد ظل القفز بين المواقع السياسية والأجهزة الأمنية الدولية سمة دائمة لحركة السيد الطالباني , فبعد أن أحنى هامته مصافحاً قادة تاريخيين من طراز جمال عبد الناصر وحافظ الأسد وصدام حسين , أتى عليه حين من الدهر عاود فيه الانحناء ولكن ليصافح هذه المرة قتلة ومجرمين من طراز شيمون بيريز وإيهود باراك وقاسم سليماني ؛ وكانت ذروة سقوطه الأخلاقي والوطني عندما وقّع في تشرين أول 1986 والحرب العراقية – الإيرانية مستعرّة اتفاقاً للتنسيق العسكري والسياسي بين قوات حزبه وقيادة الجيش الإيراني جاء فيه :
يعاون الاتحاد الوطني الكردي القوات الإيرانية في مختلف عملياتها على الأرض العراقية .
تستمر قوات الاتحاد الوطني الكردي في القتال حتى إسقاط النظام العراقي .
يتعهد الطالباني بعدم الدخول في مفاوضات سلام مع النظام العراقي إلا بموافقة الجانب الإيراني .
وبالفعل فقد خاض الاتحاد الوطني الكردي معارك مشتركة مع الجيش الإيراني ضد العراق في عمليات أطلق عليها الإيرانيون أسماء "فجر" و"فتح" و"نصر" وذلك على طول الجبهة الشمالية الممتدة من كركوك وحتى ديالى . وقد حدث في عام 1988 أن عمل قياديون في الاتحاد الكردي أمثال فؤاد معصوم وفريدون عبد القادر أدلاء للجيش الإيراني في عملية تسلل إلى مدينة حلبجة , فردّ الجيش العراقي بإشعال حزام من نار المدفعية بكل صنوفها حول المدينة لمنع الغزاة وأدلائهم العملاء من احتلالها , فعمد هؤلاء إلى سياسة الأرض المحروقة و ضربوا المدينة بغاز السيانيد ثم انسحبوا مخلفين جثث آلاف المواطنين الذين قضوا اختناقا . وبرغم قسوة الواقعة وبشاعتها وثبوت مسؤولية الإيرانيين وعملائهم الأكراد عن ارتكابها , فإن جلال الطالباني وبدون أن يطرف له رمش علّق بعدها مباشرة قائلا أن حرق حلبجة بأهلها فيه جانب إيجابي لأنه حمل قضية الأكراد إلى المحافل الدولية وأضاف أنه يتمنى لو أن حوادث من هذا النوع تتكرر !
وعقب عمليات الأنفال التي قام بها الجيش العراقي في نفس العام والتي مهدت للهزيمة النهائية للمشروع الإيراني التوسعي, هرب جلال الطالباني إلى إيران ومنها إلى سوريا . وبحلول صيف 1990 دخل الجيش العراقي إلى الكويت فظنّ الطالباني أن فرصة جديدة تلوح لمعاودة نشاطه التآمري على العراق خاصة عندما أيقن أن النظام الرسمي العربي قد تواطأ مع التحالف الغربي للعدوان على العراق من أجل إخراجه من الكويت , فأدلى بتصريح لجريدة "الواشنطن بوست" أبدى فيه استعداده لإرسال عشرة آلاف كردي إلى الكويت ليقاتلوا إلى جانب الجيش الأميركي , وكان بطبيعة الحال يعلم أن عصابته لن تزيد خردلة في جاهزية قوات التحالف الغربي ولكنه كان مدفوعاً برغبة عارمة لولوج المسرح السياسي ولو عبر باب الخيانة الوطنية ورفع السلاح بوجه جيش بلاده. ولقد غيّرت هزيمة العراق في تلك المعركة موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط وأرست قواعد جديدة لإدارة الصراعات المتعددة التي تدور على أرضه , ومنها على سبيل المثال خروج الجيش العراقي من معادلة الصراع سواء مع اسرائيل أو مع إيران , ومنها أيضاً انحسار جزء من سيادة العراق على أراضيه الجنوبية والشمالية بسبب حظر الطيران فوق تلك المناطق , وهنا وبغريزة الضباع التي تستشعر ضعف الفريسة بادر الطالباني إلى كتابة رسائل التودد والتصالح إلى كبار المسؤولين العراقيين صعوداً حتى الرئيس صدام حسين – رحمه الله – الذي كانت له حساباته الغامضة والمستعصية على الفهم , وكذلك وجد جلال الطالباني طريقه ممهداً إلى القصر الجمهوري في بغداد حيث ارتمى على كتف رئيس الجمهورية معانقاً وكأنه صديق قديم رجع من سفر طويل , ولم يتوقف أحد لمساءلة المتسبب بسفك دماء آلاف الجنود والمدنيين العراقيين الذين قضوا نتيجة مغامرات ومؤامرات جلال الطالباني ناهيك عن تعريض أمن الدولة للخطر والتعاون مع العدو في فترة الحرب .
لم تتضح نوايا الطالباني نحو العراق بشكل جليّ إلا بعد الاحتلال الأميركي عام 2003 , ويبدو أنه قد توصل إلى نتيجة مؤداها أن الحلم الاستيطاني التوسعي الكردي لن يرى النور إلا في ظل عراق مجزّأ جغرافياً ومتناحر طائفياً , ومن الثابت أنه سبق السيد عبد العزيز الحكيم – رحمه الله – في التفكير بتقسيم البلد وتفتيته من خلال ما يُسمى بالفدرالية , فعندما كان رئيساً دورياً لمجلس الحكم في عام 2004 قام بتوقيع اتفاق مع الممثل المدني للاحتلال الأميركي "بول بريمر " نصّ على اعتبار العراق دولة مؤلفة من ثماني عشرة محافظة فدرالية بما فيها كركوك , وقد ظلّ حتى وقت قريب يتباهى أمام العراقيين التركمان والمسؤولين الأتراك باتفاقه هذا مع "بريمر" متخذاً منه دليلا على مرونته السياسية , ومن المعروف أنه في لقاءاته مع الأكراد يؤكد تشدده في لزوم تطبيق المادة 140 من الدستور وضرورة ضم كركوك إلى اقليم كردستان .
.................................
.................................
عقب هزيمة فرنسا المدوية أمام الجحافل الألمانية في عام 1940 إبان الحرب العالمية الثانية , قام بطل فرنسا في الحرب العالمية الأولى الماريشال " فيليب بيتان" وفي محاولة منه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الكيان الوطني بتوقيع هدنة مع الألمان قُسمت فرنسا بموجبها إلى منطقتين تخضع كبراهما للسلطة العسكرية الألمانية وتخضع المنطقة الثانية للسيادة الفرنسية التي كانت اسمية في واقع الأمر وقد اتخذت من مدينة "فيشي" عاصمة لها . ومع أن الماريشال "بيتان" لم يتآمر مع ألمانيا ضد بلده , ولم يقاتل إلى جانب القوات الألمانية ضد جيش بلاده , فإن الشعب الفرنسي لم يغفر له أبداً تلك السقطة برغم ماضيه المجيد , وقد جرت محاكمته عقب هزيمة ألمانيا وحُكم عليه بالإعدام لولا أن الجنرال "شارل ديغول" خفّض الحكم إلى المؤبد ومات "بيتان" في سجنه عام 1951 مجللا بالعار. ونحن لدينا في العراق رجل بدأ مناضلا يسارياً وانتهى عميلا للسياسة الأميركية وسمساراً لاحتكاراتها الاقتصادية , وبرز في باديء أمره من خلال طروحاته التقدمية المعادية للإقطاع العائلي البارزاني وانتهى اليوم ربّاً لعائلة هي أشبه بعوائل المافيا التي يتقاسم عرّابها ثروتها غير المشروعة مع زوجته وأولاده ولا يتورع عن تصفية أقرب معاونيه ليبقى مستأثراً بالغنائم . وهذا الرجل لم يكتف بالتآمر والتواطؤ مع كل الأعداء التاريخيين للعراق بدءاً من إيران وحتى اسرائيل مروراً بالولايات المتحدة الأميركية, وإنما وجه سلاحه مع العصابة التي يقودها إلى صدور جنود عراقيين كانوا يذودون بشرف عن استقلال وحرية بلدهم في مواجهة الغزوة الفارسية , وقد كان صفيقاً بما يكفي لينزل من وكره الجبلي في إطار التوافق الإيراني – الأميركي إلى بغداد ويتحدى الغالبية العظمى من العراقيين بعروبتهم و يعتلي سدة رئاسة الجمهورية , ثم لا يكتفي بولاية واحدة وإنما يستمريء خلو الأجواء له ليبيض ويصفر و يحاول الوثوب إلى ولاية رئاسية ثانية .
إنها غريزة الضباع التي كشفت له في باكورة نشاطه السياسي ضعف البنية الحزبية لسيده الأول مصطفى البارزاني , فانقضّ عليه بمؤامرة انشقاق سترها بشعارات يسارية زائفة , ثم استشعر بتلك الغريزة ضعف نظام عبد الرحمن عارف فرفع سلاح العصيان ضد الدولة , وخلال الحرب العراقية – الإيرانية ثم العدوان الثلاثيني عام 1991 قادته غريزة الضباع إلى الإصطفاف بسلاحه إلى جانب العدو متوهماً وهن السلطة العراقية واحتمال سقوطها , وأخيراً وعقب الإحتلال الأميركي وبعد أن استوثق من وقوع الفريسة في قبضة الصياد وضعف مقاومتها, تقدم بثبات لينتزع روحها ويسلخ جلدها ويشوه وجهها . ولكن الضبع نسي في خضمّ نشوة سكره أن الأوطان وخاصة صاحبة الحضارات منها , قد تكبو على وجهها وتعاني جراح الهزيمة ولكنها أبدا لا تمنح قلبها ولا ترخي قيادها لطارئين وفدوا إليها في غفلة من الزمن , بدليل أن الأغلبية الساحقة من العراقيين وبمختلف انتماءاتهم الدينية والسياسية لا يعترفون برئاسة جلال الطالباني لبلدهم , ولا يؤمنون أن رابطاً من نوع ما يجمعهم به , ويستشعرون الحرج والخجل من التاريخ ومن أجيال المستقبل لأن رجلا مثله حُسب رئيساً عليهم . نقلا عن " كتابات "