fb

المالكي: فن اكتساب الخصوم

16 آذار (مارس) 2010 , بقلم علي السعدي - بغداد

في العمل السياسي عموماً، يعتبر السياسي الناجح، هو الأكثر قدرة على اكتساب الصداقات وتجنب الخصومات مع المهارة في تحييد الأعداء أو تجزئة المواجهة معهم. تلك قاعدة ذهبية لا تستدعي الكثير من الاختلافات حولها، لكن هناك ظروف قد تكون نادرة في استثنائيتها، الا انها حالة واقعية حيث ينجح السياسي في اجتلاب اكبر قدر من الخصومات، ويخوض معاركه مع كل اعدائه دفعة واحدة، على ما في ذلك من خطورة تبلغ حدود المغامرة. الحالة الإستثنائية تلك، شهدنا فصولها تتجلى واضحة في الإنتخابات العراقية الأخيرة وما رشح عنها من نتائج تبدو شبه مؤكدة.

لقد استجلبت الحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي، أكبر قدر من الخصومات والعداوات وربما أكثر من أية حكومة اخرى في تاريخ العراق الحديث كله، اذ لم يسبقها في ذلك حتى "حكومة" صدام حسين الذي كانت له امتدادات في الكثير من الدول انظمة وشعوباً. كانت دول الجوار بأكملها قد وقفت – وان بنسب متفاوتة – ضد هذه الحكومة، فيما لم تقف الى جانبها دولة واحدة من دول العالم بشكل حاسم. كذلك لم تستدرّ تعاطف شعب أو اعلام أو مثقفين في الدول الاقليمية او المجاورة الا في ما ندر. هذا فيما شهدنا حملات منظمة من الرفض وتقليب المثالب وتحريض مباشر، شاركت فيها وسائل اعلام واصوات سياسية وثقافية وكتّاب من كل صنف ونوع.

اما في الداخل، فكانت الشكاوى والتذمر من سوء الخدمات وانتشار الفساد ومظاهر الرشوة والمحسوبيات، تعّم مفاصل الدولة وتلقي بظلها على عموم المواطنين الذين عاشوا تلك الظروف وصرخوا في وجهها بشبه اجماع.

وعلى الصعيد السياسي، امتدت الخصومات لتشمل طيفاً واسعاً من القوى السياسية على مختلف مشاربها وتوجهاتها، والتي شهدت كذلك ما يشبه الاجماع على ثلب الحكومة واظهار انتكاساتها وفشلها، في وقت سعى فيه معظم الاطراف المنافسة الى اكتساب رضا الناخب وصداقات الجوار.

كانت تلك حالة نموذجية لا بد ان تؤدي الى اسقاط رئيس الحكومة محملة اياه مسؤولية كل هذه الخطايا، وهذا الاخفاق في أداء المهمات، وكان المنطقي ان يرفضها الجمهور الناخب ويعاقبها على ما فعلته وما لم تفعله.

ذلك ما يمكن ان يحدث في اي بلد آخر، لكن العراق هو البلد الذي لايستقيم لتحليل ولا يتوقف عن صنع المفارقات ليجعل منها قاعدة متحركة تثير الدهشة والاعجاب على حدّ سواء. حلّت لوائح المالكي في المركز الاول طبقاً للتوقعات وما رشح من نتائج، وبالتالي كسر العراقيون كل التحليلات وقواعد السياسة ودراسات الخبراء، لكن لماذا؟ في مناقشة الرسائل والطروحات الجامعية للدراسات العليا، تنهال الملاحظات على الطالب وتظهر سلبيات اطروحته، حتى يخال انه سيرفض لا محالة، لكن وبعد انتهاء المناقشة واختلاء اللجنة، يفاجىء الحضور بأنه نال تقديراً عالياً، فكل الملاحظات لم تمنع رؤية ما بذله الطالب من جهد في رسالته. كان الشعب العراقي هو اللجنة المشرفة على رسالة الحكومة ورئيسها، قدم ملاحظاته وانتقد الاداء، لكنه في النتيجة منح "الطالب" مكافأة النجاح على ما بذله من جهد آخذاً في نظر الاعتبار الظروف التي مرّ بها.

الميزة الأولى لحكومة المالكي، هي ذاتها نقطة الضعف في السياسة عموما، كثرة الخصوم، انها لحظة قدرية لن تتكرر وقد لايشهد لها العالم مثيلاً آخر. لم ينتخب من انتخب المالكي لشخصه، انما لتلك العداوات التي اثارها. فأن يصّرح رئيس دولة مجاورة، لا تعادل العراق حجما واهمية، أن فوز المالكي يعني لا علاقة مستقبلية مع العراق، واجهه العراقيون برد فعل يشبه مثيله بعد الاستفزاز الذي اطلقه الارهابيون في تهديد من يذهب الى الانتخابات. لكنّ العراقيين لم يتصرفوا وفقاً لردود الفعل، فقد انتخبوا "موقفاً" لا شخصاً، موقفاً كانوا بحاجة اليه لترميم هويتهم الوطنية وكبريائهم الجريح وهم يرون مقدار التعدي على كراماتهم وأرواحهم وحجم الادعاءات من هذه الدولة او تلك بحماية طرف عراقي من طرف آخر. انها المرةّ الاولى التي يلعب فيها العناد العراقي دوراً لم يكن سلبياً، فنجح الاستثناء- وان نسبياً - وتعثرت "البراعة" السياسية التي حاول تطبيق قواعدها بعض السياسيين. ذلك درس آخر من بلد مدمر وشعب منهك، لكنه مازال يحمل مقداراً كبيراُ من المفاجآت.

(صحافي عراقي)

fb