نسخة من المقال للطباعة fb

ماذا يتوقع المصريون من البرادعي؟

16 آذار (مارس) 2010 , بقلم علاء الاسواني

يتعرض النظام السياسي في مصر الآن الى أزمة حرجة، فالرئيس مبارك (الذي نتمنى له الشفاء) قد يضطر الى التقاعد في أية لحظة .. وبالرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها النظام لتسويق جمال مبارك، فقد فشل تماماً في إقناع المصريين بجدارته لمنصب الرئيس. أضف الى ذلك أن معظم المصريين يرفضون فكرة توريث الحكم من أساسها، سواء لجمال مبارك أو أي شخص آخر ويتمسكون بحقهم الطبيعي في اختيار من يحكمهم .. في الوقت نفسه نجح الدكتور محمد البرادعي في أن يطرح نفسه باعتباره قائدا حقيقيا للمصريين في معركة التغيير. إن التأييد الشعبي العريض الذي يحظى به البرادعي اليوم يشكل ظاهرة سياسية فريدة لم تحدث في تاريخنا إلا مرات قليلة، مع سعد زغلول وجمال عبد الناصر ومصطفى النحاس .. فقد اجتمع على تأييد البرادعي مصريون ينتمون الى مختلف التيارات الفكرية والسياسية.. إسلاميون وأقباط واشتراكيون وليبراليون وناصريون ووفديون، والأهم من ذلك ملايين المصريين العاديين الذين رأوا في البرادعي قائدا يجسد أحلامهم في العدل والحرية. في ظل أزمة النظام والتأييد الواسع للبرادعي، قد يكون من المفيد أن نسأل: ماذا يتوقع المصريون من البرادعي؟!... الإجابة تتلخص في ما يلي:

أولا: الدكتور البرادعي شغل واحدا من أكبر المناصب الدولية كرئيس للوكالة الدولية للطاقة الذرية والذين يتقاعدون من هذه المناصب الرفيعة لا تنتهي مشاغلهم، فبمجرد خروجهم من المنصب تنهال عليهم الدعوات لإلقاء المحاضرات والاشتراك في الأنشطة الدولية المختلفة.. المصريون يتوقعون من الدكتور البرادعي أن يستقر نهائيا في مصر ويعطى الأولوية لقيادة العمل الوطني لأن القائد الذي يدافع عن حقوق الأمة يجب أن يظل دائما في أرض المعركة .. وأنا أثق بأن الدكتور البرادعي يتذكر ما فعله الزعيم مصطفى النحاس عندما تولى زعامة «الوفد» عام 1927، فقد كان آنذاك محاميا كبيرا شهيرا لكنه ما إن تولى قيادة الوفد حتى اعتزل المحاماة وأغلق مكتبه وقال جملته الشهيرة:

ـ اليوم صرت محاميا عن الأمة كلها فلا يجوز بعد ذلك أن أدافع عن الأفراد في المحاكم. ثانيا: قبل ظهور البرادعي نشأت حركات وطنية عديدة من أجل التغيير، كانت أهمها حركة «كفاية» التي كان لها الفضل الأكبر في كسر حاجز الخوف عند المصريين. إن أعضاء «كفاية» الذين تحدوا قانون الطوارئ وتلقوا على رؤوسهم ضربات الأمن المركزي وتحملوا الاعتقال والتعذيب هم الذين انتزعوا للأمة كلها الحق في التظاهر والإضراب، وهم الآباء الحقيقيون لحركات الاحتجاج الكثيرة التي تعم مصر الآن من أقصاها الى أقصاها.. على أن حركات التغيير جميعا (بما فيها حركة كفاية) قد عانت دائما من ضعف اتصالها بالجماهير العريضة من المصريين.. أما في حالة البرادعي فقد حدث العكس: لقد تكونت شعبية البرادعي في الشارع ثم انتقلت بعد ذلك الى النخبة.. إن الذين صنعوا شعبية البرادعي ليسوا كبار المثقفين والسياسيين بل هم عشرات الألوف من المواطنين العاديين الذين أحبوه ووثقوا فيه. هذا التأييد الشعبي الواسع للبرادعي يفرض عليه أن يظل دائما وسط الناس. إن المحيطين بالدكتور البرادعي الآن مجموعة من أفضل الوطنيين المصريين وأكثرهم إخلاصا. لكن الباب يجب أن يكون مفتوحا للجميع، لقد أصبح الدكتور البرادعي قائدا للمصريين جميعا باختلاف اتجاهاتهم. من هنا يكون من حق أي مصري أن يقابل الدكتور البرادعي وينقل إليه أفكاره ومن واجب الدكتور البرادعي أن يستمع إليه. إن نجاح الدكتور البرادعي في مهمته الكبرى سيظل دائما مرهونا باتصاله بالناس العاديين البسطاء.

ثالثا: كان إعلان الدكتور البرادعي عن تأسيس الجمعية الوطنية للتغيير عملا سياسيا بارعا، وأنا أتوقع أن ينضم الى هذه الجمعية مئات الألوف، وربما ملايين المصريين، لكن بمجرد الإعلان عن فتح باب العضوية لكن باب العضوية لم يفتح بعد.. الناس في مصر وخارجها يريدون الانضمام الى البرادعي ولا يعرفون ماذا يصنعون. لا بد أن تتاح لهم فرصة للمشاركة أكبر من كتابة التوكيلات التي يتم جمعها الآن. وإن التأييد العريض الذي يتمتع به البرادعي قد جمع حوله مجموعة من أفضل العقول والكفاءات المصرية، وكلهم يتوقون الى اللحظة التي يكلفون فيها بأداء أية مهمة من أجل بلادهم. نحن نتوقع من الدكتور البرادعي أن يسارع، بمجرد عودته من الخارج، الى اختيار مقر للجمعية الوطنية وفتح باب العضوية فيها وإنشاء لجان مختلفة متخصصة تحقق الاستفادة من الكفاءات جميعا من أجل تحقيق الإصلاح الذي نتمناه...

رابعا: نتوقع من الدكتور البرادعي أن يكون مستعدا للصدام العنيف مع النظام الحالي، لقد تجاوز البرادعي دور المصلح السياسي الى دور القائد الوطني ومن الطبيعي أن يدافع النظام الاستبدادي عن مكاسبه بمنتهى الشراسة. لا جدوى اذاً من تفادي الصدام أو تأجيله لأنه حتمي وقد بدأ بالفعل في الأسبوع الماضي عندما تم استدعاء أحد مؤيدي البرادعي، الطبيب طه عبد التواب، الى مقر مباحث أمن الدولة في محافظة الفيوم، حيث تم تجريده من ثيابه و ضربه وتعذيبه وإهانته بطريقة بشعة وغير آدمية. هذه الجريمة التي تحدث يوميا في مقار أمن الدولة تكتسب هذه المرة معنى جديدا. انها رسالة من النظام الى المطالبين بالإصلاح بأن أحدا منهم لن ينجو من تنكيل السلطات حتى لو كان يتمتع بمكانة اجتماعية مرموقة.. وقد انتبه الدكتور البرادعي الى ذلك فأصدر أثناء وجوده في كوريا، بيانا صحافيا أدان فيه بشدة الاعتداء على الدكتور طه عبد التواب وأعلن تضامنه الكامل معه. على أن هذا الحادث البشع مجرد بداية للحرب ضد البرادعي التي سيستعمل فيها النظام كل الأسلحة المشروعة وغير المشروعة من أجل القضاء على أمل المصريين في الحرية. نحن نتوقع من الدكتور البرادعي أن يستعمل خبرته الواسعة بالقانون الدولي في ملاحقة الجلادين الذين يعتقلون الأبرياء ويمارسون التعذيب من أجل محاكمتهم أمام المحاكم الدولية.

خامسا: منذ البداية رفض الدكتور البرادعي بإصرار أن يكون مرشحا للرئاسة بواسطة أحد الأحزاب المعترف بها، ورفض أيضا أن يتقدم الى لجنة الأحزاب بطلب تأسيس حزب جديد. وفي الأسبوع الماضي تسربت الأنباء عن صفقة سرية عقدها النظام مع حزبي «التجمع» و«الوفد» و«جماعة الإخوان المسلمين»، يمتنع بموجبها هؤلاء عن تأييد البرادعي مقابل إعطائهم بعض مقاعد مجلس الشعب في الانتخابات المزورة المقبلة. هذه الصفقة المؤسفة بقدر ما تكشف عن المستوى الذي انحدر إليها بعض السياسيين في مصر، تثبت لنا كم كان الدكتور البرادعي حكيماً وبعيد النظر عندما رفض أن يتعامل معهم، مما جعله يحتفظ بنقاء صورته عند الرأي العام بعيداً عن فساد النظام، وهؤلاء الذين يتظاهرون بمعارضته بينما هم يتواطئون معه سراً ضد حقوق الشعب.. المصريون يتوقعون من الدكتور البرادعي أن يظل متمسكا بموقفه المبدئي: أن يرفض أي نوع من التفاوض أو الحلول الوسط. إن ما يطلبه المصريون ليس تعديلا محدودا في السياسات بل إصلاح جذري شامل. إن كل مواطن يوقع على توكيل للبرادعي من أجل تغيير الدستور إنما يوقع في الوقت نفسه على سحب الثقة من النظام الحالي. لا فائدة اذاً من المناشدات وتدبيج العرائض لأن الحقوق لا تهدى بل تنتزع. إن قدرتنا على تحقيق العدل مرتبطة دائما باستعدادنا للتضحية من أجله. إن مئة عريضة بليغة نناشد فيها النظام لن تجعل المسؤولين يقتنعون بالديموقراطية ولكن لو نزل الى الشوارع مليون متظاهر، عندئذ فقط سوف يجد النظام نفسه مجبراً على الاستجابة لمطالب الإصلاح... أخيرا، بينما مصر كلها تنتظر عودة الدكتور البرادعي من رحلته.. وجدت من واجبي أن أنقل إليه ما يتردد في أذهان المصريين، الذين يحبونه ويعقدون عليه الآمال الكبار والذين يثقون تماما ـ وأنا معهم ـ بأن محمد البرادعي لن يخذلهم أبدا. ... الديموقراطية هي الحل...

ينشر بالتزامن مع «الشروق» المصري

نسخة من المقال للطباعة fb