في التعدّدية مفهوماً ملتبساً
16 آذار (مارس) 2010 , بقلم جيروم شاهينالمستقبل - الثلاثاء 16 آذار 2010
لقد تعوّدنا، في الآونة الأخيرة، أن يطلع علينا من وقت إلى وقت، "المنظِّرون" للإيديولوجيات الجديدة (النيو ـ ايديولوجيات) بعد زعم الكثيرين أن الإيديولوجيات، مع نهاية القرن الماضي وبداية هذا القرن، قد سقطت، وولَّت إلى غير رجعة، ويفرقعون أمام أعيننا المنبهرة أَسهم مقولاتهم الجديدة العصرية.
قد ينبهر البعض بتلك النيو مقولات لأن أصحابها يزعمون أنهم اكتشفوا، باكتشافها، الدواء لأمراضنا المستعصية والمزمنة.
والملفت أن الايديولوجيين الجدد وكأنهم يخجلون أن يكونوا قد دخلوا الألف الثالث الميلادي وهم حاملون قيماً تقليدية، حُكِم عليها أن تقبع في زاوية من زوايا متحف الماضي، وأن تُعتبر قيماً في خانة " الما ـ قبل ". لذلك، تراهم وهم يبشرون بعقائدهم الجديدة، يضعون دائماً مقولاتهم في خانة " الما ـ بعد "، ما بعد الماركسية، ما بعد الرأسمالية، ما بعد العلمنة، ما بعد القوميات، الخ....
من هذه المقولات الجديدة مقولة "التعددية" بأصنافها المتعددة: السياسية، والدينية، والإعلامية، والإتنية، والحضارية، والقِيَميّة، والثقافية، الخ.... ما كانت التعددية تطرح أي مشكلة لو كانت تُستخدم بشكل سليم، ولو كانت بعيدة عن "الإلتباس" (الإلتباس في فهمها كمقولة، والإلتباس في مسلك مَن يستخدمها). فالمجتمعات، قديمها وحديثها، عرفت أنواعاً عديدة من التعدديات. لكن العصور الحديثة، لا سيما ابتداءً من القرن الثامن عشر، تميّزت بأنها وقفت موقفاً جديداً من التعددية، إذ أعطتها نوعاً من الشرعية ضمن حدود معيّنة، بعدما كانت أحادية السلطة الدينية وأحادية النظام السياسي، الذي كان يرتكز على ما سمي "الحق الإلهي"، هي الآمرة والناهية في كل المجتمعات الغربية التي كانت غارقة في جاهلية قرونها الوسطى.
المشكلة في "التعددية الملتبسة" أنها ـ وبسبب إلتباسها ـ قد تؤدي إلى الشبهة، والإشكال، وعدم الوضوح، وستر الحقيقة وإظهارها بخلاف ما هي عليه. فإذا أخذنا على سبيل المثال، "التعددية الثقافية" (وهي أكثرالأشكال إلتباساً ورواجاً، لا سيما في لبنان) لوجدنا أنها، إن لم تتوضح طبيعتُها وحدودها، قد تصبح سلاحاً فتاكاً بيد الإيديولوجيين الجدد، وسياسة ميكيافيلية لتغريب الناس، وتفكيكهم، ومنعهم من العيش ـ أفراداً وجماعات ـ بانسجام داخلي، وبوحدة متماسكة وخلاّقة، وفتيلاً مشتعلاً قد يؤدي، في أي وقت، إلى تعطيل الإنتماء والمواطنة والإلتزام بمقتضيات المصير الواحد.
ومعروف أن كلمة " ثقافة " حُمِّلت، على صعيد الفكر السوسيولوجي ـ الفلسفي، معاني عديدة جداً. وانقسم علماء الإجتماع في تحديدها إلى مدارس. فمن المدارس مَن حدد الثقافة على أنها إطار ضيّق يحتوي على اللغة والعلوم والفنون، ومن المدارس مَن حدد الثقافة على أنها إطار واسع يتضمن اللغة والحضارة والفنون والدين والعادات والتقاليد والمسلكيات الإجتماعية والتكنولوجيا... وما زالت الأبحاث قائمة للوصول إلى مبادئ ابيستيمولوجية ـ معرفية تفرض على مَن يستعمل تلك الكلمة تحديد الحقل المعرفي الذي يتحرك ضمنه حتى لا تحدث إسقاطات تتوّه الناس في توجههم الفكري.
وتتزامن هذه الفوضى في تحديد مقولة التعددية الثقافية مع ما يعاني منه المجتمع اللبناني من تطيّف يُمعن في الإستشراس ويهدد الوحدة الوطنية. وهنا، نرى أن المجتمع اللبناني بات يتحوّل إلى جزر ثقافية تتأسس ليس فقط على التعدد الديني بل أيضاً على التعدد المذهبي. وبات كل مذهب يحمل مشروعاً ثقافياً يدّعي الأصالة.
كما تتزامن أيضاً ـ وهذه المرّة، على صعيد دولي ـ مع ما يسمّى سقوط الإيديولوجيات (القومية، والسياسية، والإقتصادية، لحساب صعود الإيديولوجيات الدينية المذهبية المتطرفة). ومع هيمنة "النظام السياسي العالمي الجديد" الذي يجب بالأحرى تسميته "الفوضى العالمية المنظمة"، ومع ما يسمّى بـ "العولمة"، وهي ـ إذا استثنينا منها وجهاً ايجابياً يمكن تسميته " الإنفتاح " ـ أنظومة متعددة الأبعاد تسمح للقوى العظمى بأن تغزو الثقافات المحلية بغية تفكيكها واستعمار أبنائها استعماراً جديداً ليس له مثيل بما يتمتع من قدرات تكنولوجية متطورة. وتتطابق فورة العولمة واشتداد وقعها وسطوتها مع سقوط أنظومة الإتحاد السوفياتي (1991) وقد خلّف سقوطه تشكيكاً عاماً في صحة وفائدة جميع الإيديولوجيات وليس فقط الماركسية / اللينينية... وتتزامن أخيراً، مع آخر ما أنتجته "الثورة الإعلامية" المعاصرة، لا سيما بفضل التكنولوجيا المتطورة، وعنيت بها: بروز "الثقافة الفسيفسائية" على المستوى العالمي، أي الثقافة الأنسيكلوبيدية التي تجعل الناس يمتلكون معرفة جزئية جداً من أي شيء ولا يصلون إلى ثقافة شاملة.
إن خطورة التعددية الثقافية تكمن، خاصة، لا في أن يمارس الناس حقهم بالإختلاف في التعبيرات (اللغوية، والطقوسية، والفنية، والفولكلورية..) بل في أن يعتقد الناس أن ليس عندهم ثقافة أصليّة، جذرية شاملة، توحّد ذهنيتهم وكيانهم المجتمعي، وأن ليس من ضرورة لأن يجتمع أبناء وطن واحد حول قيم ثقافية حضارية أساسية واحدة، وأهداف وطنية واحدة، والتزام بمصير مشترك.
الخطر أن نقع في النسبيّة المطلقة في كل شيء. فتتساوى كل الأشياء ويصبح كل شيء خاضعاً لمنطق السوق، يُباع ويُشترى بمقتضى العرض والطلب. ويتحكم بكل شيء مبدأ "علاقات القوى"، بعيداً عن أي اعتبارات أخلاقية وإنسانية ووطنية، وبحيث يتغلّب "حق القوة" على "قوة الحق ". لا، لا يتساوى أي شيء مع أي شيء، ولئن كنّا في زمن الإنهيارات: إنهيار القطبين، وانهيار التمييز بين الرأسمالية والإشتراكية وتقويمهما وتفضيل واحدة على الأخرى، وبين الرجعية والتقدمية، وانهيار القوميات، وانهيار الإيمان بقيم إنسانية شاملة وثابتة والإلتزام بهذا الإيمان... لقد أصبحنا نخشى ما نخشاه.. وما أصبحنا نخشاه ـ إنْ لم نتنادَ لتوضيح المفاهيم ولتسمية الأشياء بأسمائها ـ هو أن يصبح " الإلتباسُ " السمة المميِّزة لمِا سمي " الصيغة اللبنانية الفريدة والفذّة "!