fb

قليلاً من الحياء في التعاطي مع الشأن الفلسطيني

17 آذار (مارس) 2010 , بقلم اياد مسعود

المستقبل - الاربعاء 17 آذار 2010

من إفرازات الانقسام الفلسطيني أن الخطاب السياسي لدى بعض الأطراف انخفض في مستواه، وفقد القدرة على التحليل، ولجأ، محكوماً بآليات الانقسام وتفاعلاته، إلى لغة التخوين (وهي في السياسة الوجه الآخر للغة التكفير في الدين) كما لجأ إلى لغة مبتذلة، خرجت في سياقها العام عن قواعد الأخلاق في إدارة الخلافات في الصف الواحد.

ويمكن لنا، إذا ما نشرنا أمامنا سلسلة من التصريحات، من هنا وهناك، على لسان أكثر من طرف، وأكثر من متحدث، أن نخلص إلى أن لغة المهاترات واستهداف الأفراد، لا السياسات، باتت هي الطاغية. ولنا في جعبة المواقع الإلكترونية الفلسطينية، ووسائل إعلام الفصائل، خصوصاً فتح وحماس، الكثير مما يمكن أن نستعين به.

من أبرز الأمثلة في هذا الجانب تلك التوصيفات على لسان ناطقين باسم حماس، طالت الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ولم تطل سياسته. من الطبيعي أن نسلم أن من حق أي طرف أن يختلف مع رئيس السلطة الفلسطينية في سياسته وتكتيكاته اليومية، غير أن هذا شيء، وأن يصبح الخلاف مع الرئيس عباس ذريعة للتطاول على شخصه، ونعته نعوتاً، وتوصيفه توصيفات، تنتمي كلها إلى عالم الشتائم والسباب، فهذا شيء آخر. الأمر نفسه ينطبق على الذين تناولوا خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس بعبارات خرجت عن حدود النقد السياسي، وحدود الخلاف السياسي المشروع، لتدخل في مستنقع المهاترات الشخصية. وواضح لنا، تماماً، أن الآلة الإعلامية لدى الطرفين، انفلتت من عقالها تحت ضغط الانقسام وتأثيره، وتحت ضغط ما تلاه من أحداث يومية، بما فيها الخطف والقتل، والاعتقال والتعذيب. وبالتالي سادت بين الطرفين، بشكل أو بآخر، أجواء هي أشبه بأجواء الحرب الأهلية، التي تسقط فيها المحرمات، ويصبح كل شيء فيها مباحاً ومسموحاً به. وهو أمر عاد على الطرفين وعلى مجمل الحالة الفلسطينية بالضرر الكبير. فقد انتشرت في الصف الفلسطيني مفاهيم وقيم جديدة باتت تنظر لضرورة الانقسام وضرورة الاقتتال، وسقطت من جعبتها شعارات كانت أشبه بالمقدسة، كتحريم اللجؤ إلى السلاح في حل الخلافات، وتحريم سفك الدم الفلسطيني. وتقدمت الحالة الفلسطينية، تحت وطأة هذا الانجراف الخطير نحو مواقع جديدة، وكأنها فاقدة للرشد، عاجزة عن إدارة خلافاتها، وعاجزة عن رعاية شؤونها، كما برزت أنها قاصر، وتحتاج على الدوام إلى وصاية خارجية، مما أتاح لأكثر من طرف عربي أو إقليمي، التعامل مع الملف الفلسطيني باعتباره ورقه تصلح للصرف في عالم المساومات والمقايضات، ودوماً على حساب المصلحة الفلسطينية نفسها.

ظاهرة تدني مستوى الخطاب السياسي الفلسطيني وانحداره نحو مواقع مبتذلة بدت واضحة مع انفجار قضية اغتيال القيادي في حماس محمود المبحوح على أيدي عناصر من الموساد الإسرائيلي. فبفعل الارتباك الذي ساد صفوف حماس في الأيام الأولى للإعلان عن اغتيال المبحوح، لم تتردد بعض الأصوات الفلسطينية عن إثارة الشغب في الأجواء الفلسطينية من خلال التلميح أحياناً، والتصريح أحياناً أخرى، أن المبحوح ذهب ضحية صراعات داخل حماس. وهذا ما شكل خدمة جليلة قدمها فلسطينيون، مجاناً، للجانب الإسرائيلي، حين برأوا، عملياً، جهاز الموساد من جريمة قتل المبحوح، وألصقوها على الفور بعناصر من حماس. وهذا يعكس إلى أي مدى تعمل في نفوس بعضهم حالة من الكراهية، حلت محل ضرورات البحث عن مداخل لإعادة توحيد الحالة الفلسطينية وليس تعميق انقساماتها ونزاعاتها الداخلية. وعندما أماط الأمن في دبي اللثام عن حقائق الجريمة، وقع بعضهم في مطب، لا يقل هو الآخر خطورة عن مطب إحالة الجريمة إلى خلافات داخل حماس. فما أن أعلنت شرطة دبي أن اثنين من الفلسطينيين ضالعان في الجريمة، وأنهما الآن في عمان، وأنهما كانا ضابطين في الشرطة الفلسطينية، حتى تصاعدت أصوات ناشزة، تحاول أن تتهم فتح، والسلطة، بالتعاون مع الموساد لاغتيال المبحوح. إن مثل هذه التهمة المثيرة للسخرية تشكل في حقيقتها الوجه الآخر، لإحالة أسباب الجريمة إلى خلافات داخل حماس. وكما قال كثيرون، إن مثل هذه الأصوات، شدت الانتباه بعيداً عن الجريمة، وعن مرتكبيها الحقيقيين، لصالح الغوص في مستنقع الخلافات الفلسطينية.

ولعل آخر ما وصلنا من هذه المهاترات، كانت قضية نجل القيادي في حماس حسن يوسف. وهو شاب، تحدثت الصحافة الإسرائيلية عن سقوطه في فخ العمالة للمخابرات الإسرائيلية ونشرت حوله مجموعة من الروايات، بما فيها الإدعاء أنه كان سبباً في اعتقال عدد من قيادات حماس.

للأسف الشديد، فإن خصوم حماس تلقفوا هذا الخبر، وعملوا على توزيعه على أوسع نطاق وكأنهم حققوا فوزاً عظيماً، في موقف شامت بحماس وبوالد الشاب، الشيخ حسن يوسف. علماً أن حسن يوسف معتقل في سجون إسرائيل منذ سنوات. هؤلاء الذين استغلوا هذه الرواية، ومارسوا سياسة الشماتة، تناسوا أن سقوط مواطن فلسطيني واحد في فخ العمالة لإسرائيل، يشكل خسارة لكل الشعب الفلسطيني، بغض النظر عما إذا كان هذا "العميل" ينتمي إلى هذا الفصيل أو ذاك، وبغض النظر عن موقع القريبين منه سياسياً، ومدى اختلافي مع هذه السياسة أو تفاهمي معها.

أن يكون نجل حسن يوسف عميلاً للاحتلال، فهذه خسارة وطنية. تحتاج إلى وقفة وليس إلى موقف شماتة. وإلى سؤال: كيف ينجح الاحتلال في تجنيد شاب، والده مسؤول في حماس. كما أن الأمر يحتاج إلى موقف تضامني مع والد الشاب، بغض النظر عن موقعه في حماس. موقف تضامني لأكثر من سبب: الأول أن الأب مناضل وطني يقضي أيامه في السجن "عقوبة" له على وطنيته، لا بد أنه تألم كثيراً في أن يرى ابنه سقط في فخ العمالة. الثاني أن الأب وجد نفسه في مأزق، وهو السجين، مضطر لأن يدافع عن "نظافة" حركته السياسية (وفي السياق عن ابنه) حين نفى أن يكون ابنه عضواً في حماس، وأن يكون بالتالي، مسؤولاً عن اعتقال عدد من قادتها.

الأخلاق السياسية كانت تفترض التعامل مع قضية ابن حسن يوسف بمسؤولية وطنية وليس شماتة خبيثة بلهاء، لا تخدم سوى العدو الإسرائيلي. إذ كيف نشمت بأنفسنا ونحن نرى أحد شبابنا وقد سقط في فخ العمالة.

الخطاب السياسي الفلسطيني يحتاج إلى قليل من الأخلاق. وكثيرون في أيامنا هذه بحاجة إلى قليل من الحياء.

fb